يعيش الأرمن في لبنان منذ أوائل القرن العشرين، وذلك بعد هجرتهم القسرية جراء النكبة التي تعرضوا لها في وطنهم، كانت البداية صعبة؛ حيث أنهم عاشوا بعيدا عن وطنهم كما يعيش الفلسطينيون الآن في مخيمات بدائية تفتقر إلى البنى التحتية. استقبلت لبنان الجالية الأرمنية بالترحاب، ومنحتهم جنسيتها التي حافظوا عليها بكل بجدارة، ورغم اختلاف قوميتهم لم يتنكروا للأرض التي احتضنتهم، وكانوا حيادين في مواقفهم السياسية. تبوؤا مناصب سياسية واقتصادية بارزة، ووظفوا مهاراتهم في سبيل خدمة دولة لبنان، وبرز منهم حرفيون مهرة وصناعيون وإعلاميون وفنانون، بل وشكلوا على اختلاف مذاهبهم علاقات طيبة مع كل الطوائف المسيحية والاسلامية، وبذلك نال الأرمن فرصتهم العادلة وأثبتوا جدارتهم فأحبهم الجميع.
أما في منتصف القرن العشرين ابان النكبة الفلسطينية اضطر المعذب الفلسطيني الى أن يلحق بركب أخيه الأرمني الى أرض لبنان مع اختلاف في الفارق الزمني والظرف السياسي، ولكن هذا لا يبرر عدم إعطاء الفلسطيني أيضا فرصته العادلة في الحياة لإثبات ذاته ووضع حد للظروف الصعبة التي يعيشها كونه يحمل صفة لاجئ تؤطره وتفرض عليه حياة منقوصة، تهضم عليه حقوقه الإنسانية وتقوض فرص عمله وتعلمه ورعايته الصحية وانخراطه في المجتمع الذي يعيش على هامشه. الفلسطيني في المخيمات اللبنانية انسان فقير لا يسمح له بالعمل بحرية ولا حتى البناء أو ترميم سقف منزله، يعيش في بيئة تحيط بها روائح المجاري، يجد صعوبة في كل نواحي الحياة التي يتحمل وزرها الاطفال أيضا كما تتناوله تقارير الصحف.
إن بقاء الوضع الفلسطيني على ما هو يؤثر أيضا على التوازن السياسي والاجتماعي وعلى الشكل الحضاري، ويكون من المصلحة العامة ازدهار المخيمات لإضفاء شكل معماري منظم يتناسب مع الطابع الجمالي الذي يميز أرض لبنان، ومن الناحية الاجتماعية فان فتح باب العمل من دون قيود يتيح للفلسطيني أن يكون عنصرا فاعلا وقابلا للتطوير في ربوع الأرض التي قبلت به منذ البداية واحتضنته. بعيدا عن الشعارات المثقوبة التي تناهض التوطين كونه مؤامرة، فذلك كلام يراد به باطل، لأنه وبالعودة الى ميثاق التوافق اللبناني الرسمي وباجماع كافة الاقطاب الشعبية والرسمية الفلسطينية فإن مسألة العودة لا تزال ملفاتها حية وساخنة الى يومنا هذا، لكن الموعد مازال مجهولا ومحط انتظار؛ ذلك لا يعني بقاء وضع الفلسطيني معلقا ما بين نار العودة وجحيم المنفى، فالإنسان المحروم يصل الى مرحلة يبحث فيها عن استقراره ويطمح الى معاملة انسانية تتوافق وشركاءه في نفس المحيط البيئي. موضوع منح الجنسية الغرض منه الإفراج عن الحالة الفلسطينية البائسة تقدم بموجبه السلطات اللبنانية للفلسطيني حق استضافته على أكمل وجه وهذا هو العشم.
نضال عساف الامارات[email protected]