يتوجه الناخبون في تركيا، يوم الأحد المقبل، إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس للجمهورية التركية، وذلك للمرة الأولى في تاريخها. ويبدو المرشح الأوفر حظاً للفوز بها رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، على رغم كل التحديات الداخلية والخارجية التي واجهته خلال الخمسة عشر شهراً الأخيرة وأدت إلى اهتزاز كبير في هيبته وصورته لدى الرأي العام. يبقى التساؤل فقط هل ينجح أردوغان من الجولة الأولى كما يأمل، وكما تشير استطلاعات رأي مطمئنة يقدم نتائجها له مستشاروه والصحافة الموالية، أم أنه سيضطر إلى خوض جولة ثانية ضد المرشح التالي في عدد الأصوات الممنوحة له في الصناديق؟ وفي هذه الحالة من المتوقع أن يكون منافس أردوغان هو أكمل الدين إحسان أوغلو، السكرتير العام السابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي، مرشح حزبي المعارضة الرئيسيين العلماني والقومي المتشدد.
أما حصان السباق الثالث فهو الكردي صلاح الدين دمرتاش، مرشح حزب الشعوب الديموقراطي HDP ورئيسه المشارك. ويحظى دمرتاش بتأييد الكرد من البيئة الاجتماعية المؤيدة لحزب العمال الكردستاني إضافة إلى التيار الديموقراطي اليساري، وهو تيار ضعيف في المجتمع التركي وإن كان بعض مثقفيه يتمتعون بوزن واحترام في الرأي العام.
أقصى ما يطمح إليه إحسان أوغلو من مخرجات صناديق الاقتراع هو نسبة أربعين في المئة من أصوات الناخبين، في حين يقتصر حلم دمرتاش على تجاوز نسبة العشرة في المئة. لكنها تبقى أرقاماً نظرية مستنبطة من سوابق النتائج المتحققة للتيارات السياسية التي يمثلونها، ومن استطلاعات الرأي الجديدة، ومن بعض المعطيات الموضوعية الراسخة في الاجتماع السياسي التركي. فلا تحسب حساباً للمفاجآت المحتملة دائماً بسبب يوميات الحياة السياسية التركية المعقدة والعوامل الطارئة التي قد تؤثر على خيارات الناخبين.
لعل عامل التوقيت هو أكثر ما شكا منه حزب الشعب الجمهوري المؤيد للمرشح إحسان أوغلو. فالفصل صيف والناس في إجازاتهم. هذا عامل قد يؤثر سلباً على ناخبي الحزب العلماني الذين يتشكل قسم مهم منهم من بيروقراطية مؤسسات الدولة. لذلك فقد طالبهم رئيس الحزب كمال كليدار أوغلو، في أحد خطاباته، بالتوجه إلى صناديق الاقتراع والابتعاد عن التكاسل بسبب وجودهم في إجازاتهم الصيفية. العامل الآخر الذي قد يتسبب في ضعف مشاركة الناخبين المعارضين لأردوغان في الاقتراع، هو الماكينة الإعلامية الضخمة لرئيس الوزراء التي توحي بأنه سيفوز في مطلق الأحوال، الأمر الذي قد يدفع الناخب المعارض إلى الاستسلام مسبقاً وعدم المشاركة في الاقتراع بدعوى أن صوته لن يؤثر في النتيجة المحسومة. وقد شكلت المشاركة الضعيفة للناخبين خارج البلاد (5%) مؤشراً محبطاً في هذا الاتجاه.
النجم الصاعد في الحملة الانتخابية هو، بلا جدال، المرشح الكردي صلاح الدين دمرتاش، بأدائه المتوازن والمقنع وبكاريزما لا يمكن تجاهلها، فضلاً عن القيمة الرمزية الكبيرة لترشحه كأول مرشح كردي للمنصب الأول. فالمحامي الشاب المتحدر من عائلة كردية فقيرة من منطقة ألازغ (العزيز) عاش، في أحد منعطفات حياته، صراعاً داخلياً حاداً بين ترك دراسته للتوجه إلى الجبال وحمل السلاح في صفوف حزب العمال الكردستاني، وبين الاهتمام بمستقبله المهني والسياسي، ثم ساعده أخوه المعتقل بتهمة التعاطف مع الكردستاني على حسم تردده لصالح الخيار الثاني. وهكذا انضم إلى الحركة السياسية الكردية وإلى جمعية تعنى بحقوق الإنسان فاهتم بقضايا المعتقلين السياسيين الكرد طوال سنوات.
قبل نحو عام من الآن، انبثق حزب الشعوب الديموقراطي من قلب الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني «حزب المجتمع الديموقراطي» الذي كان دمرتاش رئيسه المشارك. الحزب الجديد الذي حافظ فيه على منصب الرئيس المشارك أيضاً، طرح نفسه كحزب لكل تركيا، وليس كحزب كردي. وقد استقطب، بصفته هذه، بعض الوجوه الديموقراطية التركية المعروفة كسري ثريا أوندر الذي كان نجم ساحة تقسيم في ثورة منتزه غيزي، عام 2013، بصفته النائب الوحيد في البرلمان الذي شارك في ثورة الشباب وتبنى مطالبهم وشعاراتهم.
تمكن دمرتاش من تقديم نموذج جديد للقائد السياسي لا يشبه في شيء شعبوية أردوغان وحبه لافتعال الصراعات واختلاق الخصوم ونزوعه السلطوي الخطر على مستقبل الديموقراطية في تركيا. كما لا يشبه قادة التيار العلماني النخبويين والغارقين في الأوهام الإيديولوجية، ولا قادة التيار القومي المتشدد الذين يمارسون السياسة من خلال سياسة الكراهية العرقية. دمرتاش هادئ في خطابه ومقنع، يخاطب جميع الفئات المهمشة من كرد وعلويين ومسيحيين وشركس ومسلمين سنة متدينين والطبقات الفقيرة، ويعدهم بدفع عجلة التحول الديموقراطي قدماً. بل إنه خاطب أيضاً القاعدة الاجتماعية لحزب العدالة والتنمية فقال إن أردوغان سيحتفظ برئاسة الوزراء إذا خسر في الانتخابات الرئاسية، وسيكون بحاجة إلى من يراقبه ويضبط نزوعه السلطوي من موقع رئاسة الجمهورية.
الواقع أن المأخذ الأهم على أردوغان الذي يطرحه معارضوه هو احتفاظه بمنصب رئاسة الحكومة بعد إعلان ترشحه لرئاسة الجمهورية. فهذا ما أتاح له استخدام كل امكانيات الدولة التي يمسكها في يده في حملته الانتخابية، سواء بمصاريف التنقلات والإقامات أو بتسخير محطات التلفزيون الحكومية لمصلحة حملته الانتخابية، فضلاً عن أكثر من نصف وسائل الإعلام الخاصة التي باتت تسمى بالإعلام الموالي.
ولم تغب شبهات الفساد التي أحاطت بحكومة أردوغان وعائلته عن حملة خصومه، فقد ألمحوا إلى ثرائه الفاحش وغير الشرعي في كل خطاباتهم الجماهيرية، كما فعل دمرتاش حين خاطب العمال قائلاً: «لو أنكم اشتغلتم طول عمركم، أنتم وأولادكم وأحفادكم من بعدكم، لما أصبح في جيوبكم ما يعادل قيمة نابض في ساعة معصم أردوغان التي يبلغ سعرها 700 ألف دولار! ومع ذلك يطلق على نفسه صفة مرشح الشعب!». وقد دعا دمرتاش أردوغان إلى مناظرة تلفزيونية قائلاً: «لتكن كل امكانيات الدولة التي تسخرها لحملتك الانتخابية حلالاً عليك، ولكن لماذا لا توافق على مناظرة تلفزيونية مشتركة للمرشحين الثلاثة معاً؟ ليتعرف الشعب على رئيسه المقبل بصورة جيدة».
بكر صدقي