عبد الحميد صيام نضع أيدينا على قلوبنا كلما قام مسؤول دولي كبير بزيارة مجموعة أوسلو في أرض فلسطين المتحلة. يعتبرون هذه الزيارة أو تلك إنجازا كبيرا يستحق الرد عليه بالمثل بتقديم تنازل جديد إكراما للضيف. وما زلنا نذكر التصفيق الحاد عـند إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني والذي قدموه تحية للزائر الكبير الرئيس الأمريكي بيل كلنتون لغزة في كانون الأول (ديسمبر) عام 1998. وليس سرا أن فريق أوسلو للمفاوضات قد أبدى استعدادا واسعا في العقدين الأخيرين لاجتياز عدد من الخطوط الحمر التي كانت وما زالت موضع إجماع الشعب الفلسطيني والعربي ومثبتة في برنامج منظمة التحرير الفلسطينية. ومن بين تلك المحرمات التي أظهرت القيادة استعدادا واضحا للتعامل معها بـإيجابية ومرونة. أولا: مسألة قبول الكتل الاستطيانية الكبيرة ومبادلتها بأراض موازية، وثانيا: حل مشكلة حق العودة دون أن يعني ذلك عودة لاجئ واحد إلى بيته وأرضه داخل الخط الأخضر، وثالثا : مسألة تقاسم السيادة في القدس الشرقية ورابعا :المرونة في إجراء تعديلات على حدود الدولة التي من المفترض أن تقام على الأرض الفلسطينية كما كانت عليه قبل حرب 1967 لكن الخط الأحمر الخامس والأخطر، في رأينا، هو: موضوع الاعتراف بيهودية الدولة. إنه أم المصائب جميعا وعلينا أن نحذر ونصرخ ونعبئ الرأي العام خوفا من إنزلاق هذه المجموعة باسم المرونة السياسية إلى منطقة التفريط والمساومة تحت شعار: السياسة فن الممكن كما كان يحلو للراحل خالد الحسن أن يردد دائما. نتوقع أن يحاول الرئيس الأمريكي باراك أوباما أثناء زيارته للمنطقة أن يجس نبض الأطراف المعنية حول إمكانيات إعادة عجلة المفاوضات إلى السكة التي خرجت عنها منذ انتخاب نتنياهو في 31 آذار (مارس) 2009. وبالتأكيد سيعلن نتنياهو استعداده للعودة الفورية للمفاوضات دون شروط مسبقة كما يكرر دائما. لكنه في نفس الوقت يرمي بين الكلام ويطلق إشارات متواصلة بأن هناك شروطا ستة إستباقية إذا لم يقبل بها الفلسطينيون قبل المفاوضات أو نتيجة للمفاوضات فلن يكون هناك سلام. لقد أصبحت تلك الشروط أيقونة مقدسة يكررها المسؤولون الإسرائيليون ويصرون على قبولها من قبل الفريق الفلسطيني المفاوض وهذه الشروط هي: أولا: على الفلسطينيين قبل التوصل لأي اتفاق أن يعترفوا بيهودية دولة إسرائيلثانيا: على الدولة الفلسطينية المفترضة أن تكون منزوعة السلاحثالثا: تبقى منطقة غور الأردن تحت السيطرة الإسرائيليةرابعا: لا عودة لحدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967 بل تبقى الكتل الاستيطانية الكبرى في مكانها تابعة للسيادة الإسرائيلية ويظل الحائط العنصري مكانه ويتحول إلى ما يشبه سياجا حول الحدود الجديدةخامسا: القدس ستبقى عاصمة موحدة أبدية لإسرائيلسادسا: على الفلسطينين أن يتخلوا عن حق العودة إلى الأراضي الأصلية مرة وإلى الأبد إن الاعتراف بيهودية الدولة، إن حدث، فسيكون أقرب إلى الاستسلام النهائي والذي لا يشبهه أي استسلام آخر في العصر الحديث. وقد يكون أشبه باستسلام ‘أبوعبد الله الصغير’ حاكم آخر ممالك العرب في غرناطة لفرناندو وإيزابيلا عام 1492 حيث سمح له أن يأخذ حريمه وأمواله ويخرج وحيدا من غرناطة ويبكي ‘مثل النساء ملكا مضاعا’ من جبال سيرا نيفادا شرقي المدينة. تلك الوثيقة أذنت للمنتصرين، حتى ولو لم تنص على ذلك، أن يبدأوا عملية تطهير عرقي شامل وإنشاء محاكم التفتيش لفرض التنصيرالقسري لتعود إسبانيا خالية من أي وجود للعرب والمسلمين مرة وإلى الأبد. القانون الدولي والاعتراف بإسرائيلمن منطلق القانون الدولي، إسرائيل لا تعتبر دولة لعرق نقي أو دين بعينه بل لمواطنيها الإسرائيليين كلهم بغض النظر عن أعراقهم ودياناتهم ومنابتهم. والأمم المتحدة اعترفت بدولة إسرائيل ولم تعترف بدولة اليهود. نعم لقد أشار قرار التقسيم 181 الصادر عن الجمعية العامة بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 إلى الدولة اليهودية مقابل الدولة العربية. الدولة لم تكن قائمة آنذاك ولا يوجد ما يوصف به هؤلاء المهاجرون من دول العالم إلى فلسطين إلا بكونهم يهودا. ولم يكن في ذهن أحد على الإطلاق أنها دولة نقية من غير اليهود لأنها ببساطة كانت تضم 400,000 عربي مقابل 450,000 يهودي بينما لم تضم الدولة العربية حسب قرار التقسيم أكثر مكن 50.000 يهودي مقابل ما يزيد عن 800,000 عربي. وعندما حسم موضوع إنشاء الدولة التي أعلنت عن نفسها مساء 14 أيار (مايو) 1948عادت الجمعية العامة بعد سنة كاملة وبناء على توصية من مجلس الأمن واعتمدت القرار 273 بتاريخ 11 أيار (مايو) 1949 والذي اعترف فيه اعترافا مشروطا بدولة إسرائيل وقبولها كعضو في المنظمة الدولية ، ينص ذلك القرار على أن ‘إسرائيل دولة محبة للسلام تستطيع أن تنفذ متطلبات ميثاق الأمم المتحدة’. كما يتضمن القرار المذكور بالنص ضرورة تنفيذ إسرائيل لالتزاماتها فيما يتعلق بقرار التقسيم 181 المذكور أعلاه وقرار حق العودة 194 الصادر بتاريخ 11 كانون الأول (ديسمبر) 1948 حيث قبل بها مندوب إسرائيل كتابة أمام اللجنة السياسية الخاصة. فهل التزمت هذه الدولة بشروط الاعتراف بها؟ وهل هي دولة محبة للسلام فعلا؟ وهل هناك أيها السادة المفاوضون أية إشارة من قريب أو بعيد إلى يهودية الدولة؟ على العكس من ذلك يستطيع العرب أن يتحدوا هذا الاعتراف قانونيا كما أشار إلى ذلك خبير القانون الدولي فرنسيس بويل في كتابه ‘الفلسطينيون والقانون الدولي’ لأنها لم تنفذ شروط الإعتراف بها كدولة محبة للسلام.من أين جاءت الفكرة؟تفتق الفكر الصهيوني الموغل في تطرفه في العقد الأخير عن مفهوم يهودية الدولة كشرط تعجيزي طرح في البداية كعائق كبير أمام استحقاق المفاوضات. فعندما بدأ الجانب الفلسطيني يبدي مرونة أكثر أمام الشروط الإسرائيلية في مسائل مهمة كحق العودة والقدس والمستوطنات والحدود، وأصبح التوصل إلى حل واقعي قاب قوسين خاصة في الشهور الأخيرة لولاية الرئيس بيل كلنتون والذي كان يحلم بأن يكون الرئيس الأمريكي الذي توصل إلى حل للصراع العربي الإسرائيلي وليدخل التاريخ من أوسع أبوابه ويحصد جائزة نوبل بسهولة، طرحت الفكرة الخطيرة بعد سقوط حكومة باراك وانتخاب شارون في شباط (فبرابر) 2001 أثناء احتدام المواجهة في انتفاضة الأقصى المسلحة. غير أن ما بدا في البداية وكأنه تكتيك تافه عاد وأصبح شرطا حقيقيا تتمسك به حكومات باراك ونتنياهو وتصران عليه. وبدأت وسائل الإعلام تعمم الفكرة وتدورها إلى أن أصبحت ثقافة عامة لدى جماعات الضغط المناصرة لإسرائيل في الولايات المتحدة ثم انتقلت إلى أعضاء الكونغرس وصولا إلى الرئيس الأمريكي الذي بدأ يردد في كل مناسبة أن أسرائيل دولة اليهود وعلى العرب أن يقروا بذلك. ماذا يعني الاعتراف بيهودية الدولة؟إن حدث ووقعت قيادة أوسلو على يهودية الدولة واجتازت آخر الخطوط الحمر فستعطي صكا شرعيا من أصحاب القضية لإسرائيل بممارسة التطهير العرقي، في المستقبل القريب أو البعيد، لكل من هو غير يهودي والعمل على هدم ما في فلسطين من معالم مسيحية وإسلامية ومحو كل ما يشير إلى التاريخ العربي الإسلامي والذي سبق قيام أي أثر لدولة يهودية. الاعتراف بيهودية الدولة يلغي خمسة عشر قرنا من التاريخ العربي الإسلامي المتواصل في فلسطين منذ تسلم عمر بن الخطاب مفاتيح القدس بعد هزيمة الدولة الرومانية في معركة اليرموك ويحول هذا الوجود إلى سلسة من غزوات واحتلال غير شرعي لدولة اليهود. هذا الاعتراف يلغي حروب العرب والمسلمين ضد الوجود الصليبي لقرنين من الزمان ويحول تلك المعارك البطولية في حطين وعين جالوت وغيرها إلى تناحر قوى مستعمرة ويحول أبطالا كصلاح الدين والظاهر بيبرس إلى رجال عصابات وقطاع طرق ومرتزقة وقراصنة يبحثون عن احتلال بلد ليس لهم وتوطين شعب لا ينتمي لتلك الأرض. هذا الاعتراف يلغي تاريخ فلسطين القديم الذي يشير إلى أنها أرض الكنعانيين واليبوسيين العرب ويكذب ما جاء في التوراة من أن اليهود عبروا إلى ‘أرض كنعان’ بقوة السلاح واحتلوها احتلالا وهدموا القرى والمدن وقتلوا آلاف الفلسطينيين وسموا لذلك بالعبرانيين.هذا الاعتراف يحول كل النضال الفلسطيني في العصر الحديث إلى إرهاب ويجعل من الشعب الفلسطيني المستقر في مدنه وقراه منذ آلاف السنين إلى مستوطنين ومحتلين ظالمين ويشرعن كل المذابح التي ارتكبت بحقهم من مواجهات البراق 1929 إلى مذابح غزة 2008 2009 و2012 مرورا بدير ياسين والدوايمة والطنطورة وقبية وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا ومخيم جنين وبيت حانون وغزة؛ بل ويجعل من القاتل بطلا ومن الضحية مجرما.هذا الاعتراف، إن حدث، يشرعن وعد بلفور وقرار التقسيم واتفاقيات كامب ديفد وأوسلو ووادي عربة وهو دعوة رسمية لكافة الدول العربية والإسلامية للاعــــتراف بدولة اليــهود المسالمة التي تريد أن تسترد أرضها من الغزاة الفلسطينيين، وهو كذلك دعوة إلى سحب اعترافهم بأي كيان فلسطيني لأنه كيان معتد ظالم إرهابي يحاول زعزعة دولة شرعية يملكها أصحابها الشرعيون؛هذا الاعتراف يأذن للدولة اليهودية أن تطرد كل فلسطيني، مسلما كان أم مسيحيا أم بهائيا أم درزيا أم ملحدا، لا فرق، لأنه يعيش على أرض غيره ويسكن بيتا ليس ملكا له ويقطف ثمار شجرة تعود بملكيتها إلى يهودي من الأرجنتين أو مالدوفا أو رومانيا أو إثيوبيا.وأخيرا هذا الاعتراف يلغي حق أي فلسطيني بالمقاومة أو رفض وجود إسرائيل أو المطالبة بإنشاء أي كيان فلسطيني على تلك الرقعة من الأرض التي تقع بين المتوسط ونهر الأردن لأن تلك الرقعة من حق اليهود واليهود فقط. هذا الاعتراف، لو وقع، سيكون وثيقة الاستسلام الأخيرة التي تعني التصفية النهائية للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي الذي استمر أكثر من قرن.هل ستفعلها هذه القيادة الضعيفة التي تنقصها شرعية حقيقية ووحدة وطنية سليمة تتسندها وغياب أي قوى معارضة حقيقية تدعم موقفها التفاوضي؟ نحن نعتقد أن مثل هذا الاعتراف أخطر بكثير من أن تقدم علية جماعة أوسلو لأنه سيكون المصيدة التي سيزجون الشعب الفلسطيني فيها وسيكتشفون أنهم أيضا من ضحاياها ولن يكون مصيرهم أفضل من مصير أنطوان لحد وحكومة فيشي وروابط القرى. الخطر المحدق الآن هو أن يعرض عليهم أوباما تصورا متكاملا يكون عبارة عن رزمة اقتراحات من بينها شرط يهودية الدولة ويطلب منهم كشرط مسبق لاستئناف المفاوضات إظهار حسن النية بقبول الرزمة كاملة أو رفضها كاملة مما يعطيهم مخرجا لتبرير اعترافهم تحت حجة ‘وهل كان أمامنا خيار آخر؟ المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الشعب العربي وفي مقدمته الشعب الفلسطيني لفرملة هذه الفئة التي عودتنا أن تقدم التنازل وراء التنازل. فمن يعترفون أمام حشد من غلاة الصهاينة في واشنطن بالعلاقة التاريخية بين اليهود وفلسطين ومن يعتبرون المقاومة الشعبية السلمية إرهابا وعبثا، ومن يعلنون تخليهم عن مساقط رؤوسهم ومن يخاطبون مؤتمرات صهيونية في هرتزيليا معـنية بالأمن الإسرائيلي، ومن يتمنون على إسرائيل ألا توقف حربها ضد غزة، ومن ينسقون مع أجهزة الأمن الإسرائيلية لاعتقال المناضلين والمطلوبين يمكن أن يوقعوا وثيقة الاستسلام النهائية إذا لم يشعروا بأن الشعب الفلسطيني بغالبيته الساحقة وبدعم من أمته العربية سيقف صفا واحدا في مواجهتم. أستاذ جامعي وكاتب مقيم في نيويورك qmdqpt