بيروت ـ «القدس العربي»: «كانت مصلحة من ذهب حين كان للكتاب مكانته بين الناس، المصلحة انتهت، حالياً اتسلى في المكتبة فقط». هذا ما يقوله صاحب مكتبة «عيّاد» في بيروت عصام عيّاد. لم نكن بصدد البحث عن حال الكتاب حين قصدناه في أحد الشوارع المتفرعة من شارع الحمراء. بل الدافع هو سيرته المتميزة في «المصلحة». وكيف افضت به الحال من قارئ يلتهم الكتب إلى «ورّاق» يزود المكتبات العريقة في شارعي بلس والحمراء بالكتب النافذة، أو تلك النادرة، لأنه يمتلك معرفة بالكتاب يحسده عليها كل من يعرفه من أهل القلم والفكر. مكتبته ليست ككل المكتبات تفرد كتبها ومعروضات أخرى، الكتب فيها مرصوصة، صاحبها فقط يعرف موضع هذا الكتاب من ذاك.
على باب مكتبته يعلق عيّاد حواراً مطولاً أجرته معه صحيفة لبنانية حول كتبه الثلاثة، فهو كاتب إلى جانب كونه ورّاقاً. للوهلة الأولى ودون قراءة ترى في الصورة الشهيد غسان كنفاني. يعلن تشرفه بهذا الشبه ويقول: زارتني في هذا المكان زوجته وابنته بحثاً عن كتب. نسأله عن رحلته مع الكتاب، يعود إلى طفولته في أكثر المناطق شعبية في لبنان «النبعة». كان يلتقط أوراق الصحف الممزقة من الطرقات ويمعن في قراءتها ما تيسر له ذلك. كان والداه أميين، لكنهما حرصا على سماع أخبار جمال عبد الناصر وخطاباته مقرؤوة بصوت ولدهما. «كنت اشتري جريدة الأنوار وأقرأ لهما الخطاب».
وكمثل الكثيرين من أبناء جيله جذبه «النضال السياسي مع المقاومة الفلسطينية» فتفرغ له. إلى أن كان حصار بيروت واحتلالها من قبل الجيش الإسرائيلي سنة 1982. «كنت حينها في شارع الحمراء وشاهدت تمددهم فيها وجلوسهم في مقاهيها وهذا ما اعتبرته نكسة كبيرة لي، خاصة وأني فقدت الإرادة على مواجهتهم التي كانت متاحة».
على الصعيد الشخصي الاجتماعي لعصام عيّاد توأم كانا في اشهرهما الأولى، ولزاماً عليه القيام بدوره كأب، ولم يسبق أن امتهن عملا. ولأنه يحظى بلقب «راهب الكتاب» وجد في الكتاب باب رزق. حشريته المعرفية قادته إلى مكتبتين واحدة في شارع بلس والأخرى في الحمراء، ومع صاحبيهما نسجت علاقة أفضت لتعاون وأرباح. يقول عيّاد: علاقتي وثيقة بدور النشر. كنت أقصدها وأشتري برأس المال. كلفني صاحب احدى المكتبتين بإحضار كتابين من دار نشر، وكان ذلك بربح 50٪ تقاسمناه مناصفة. وكرّت السبحة بفتح باب على مكتبات أخرى. في الخطوة التالية وسّعت العمل بوضع عدد من الكتب على «مصطبة» بدءاً من شارع الحمراء، إلى أخرى في الشارع نفسه، ومن ثم إلى البربير، الروشة والرملة البيضاء. والأرباح كانت مناصفة مع البائع. إلى بائعي الصحف كان توسع آخر، حرّضهم على البيع والربح «خمس ليرات في كل كتاب تساوي عمل نهار في بيع الصحف والمجلات. وهكذا صار باعة الصحف من أكثر المتحمسين لبيع ما أزودهم به. بدوري تابعت تأمين الكتب للمكتبات، وحظيت بلقب أبو كيسين. فكيسا الكتب لم يكونا يفارقان يديّ، فيما كانت سيارتي هي مستودعي».
المكتبة الشرعية الأولى لعصام عيّاد كانت في وادي أبو جميل «وصارت مركزاً أوزع منه الكتب النافذة، وبحرفية كبيرة على الكثير من مكتبات بيروت. بحكم اطلاعي التاريخي على الكتب استعنت بمعرفتي وثقافتي لتحصين عملي التجاري. وتوطدت علاقتي بمزيد من المكتبات وصرت خبيراً محلفاً بشؤون الكتاب». لم يكن زمن الثورة الفلسطينية صدمة وخسارة؟ نقول له وتأتي الإجابة: لا شك هو صدمة، وقد لا يكون خسارة!!
قبل أن يستقر في مكتبة في وسط شارع الحمراء في التسعينيات، كان لعياّد جرأة ايقاف «فان» في منطقة استراتيجية من الشارع شكل مكتبة رصيف لم يبق كاتب أو شاعر أو مثقف لم يتوقف عندها، أو عنده محاوراً أو سائلاً. كان شكل عصام عيّاد في ذلك المكان يوحي بالمتعبد للكتاب، وليس مجرد بائع يبحث عن ربح آخر النهار. يقول: نال الفان البرتقالي غزلاً من شعراء المدينة لم يقله قيس في ليلى، كما ولحقني الكثير من هذا الغزل. يرفض القول بأنه صديق للشعراء. ويقول بعصبية «أنا أهم منهم على صعيد الكتابة». ويعدد الأسماء المعروفة التي كانت ترتاد مكتبته منهم محمد كشلي، راشد فايد، الياس الديري وكافة هذا الرعيل ممن يكبرني ومن يتماثل معي عمراً، جميعهم حلّوا ضيوفاً على مكتبتي وكان بيننا سجالات فكرية. هؤلاء كانت لهم أسماءهم المعروفة لعملهم في الصحافة وغيرها، وكان لي خياري مع الكتب. منهم من كان يغبطني للحرية التي أتمتع بها. اسماءهم سترد في سيرتي التي أعدّها. كثير من الكتاب المعروفين في الصحافة والأدب والسياسة كانوا يرددون على مسمعي حسدهم لجرأتي في بيع الكتب على مصطبة أو عبر فان. بعض الأسماء اللامعة حالياً كانت تتمنى بيع الخضار أو القهوة بجواري. وهم حالياً يحتلون المناصب العليا في الإعلام.
من زاروب مطل مباشرة على شارع الحمراء الرئيسي تهجّر عصام عيّاد مخلياً المكان لمطعم يتماشى مع الموضة التي هجمت على الشارع، وكانت الهجرة إلى شارع فيه بعض من عزلة وبعيد عن الحيوية. بين رفوف الكتب يمضي عشر ساعات من يومه. ورغم ندرة الطلب، فهو يشغل نفسه بعادته القديمة «أقرأ، أكتب وأبيع، أو أقرأ، أكتب وأشتري». هل من أيام لا بيع فيها؟ تمضي أسابيع دون بيع، حال الكتاب اختلف. نحن حالياً في أسوأ الأحوال. لا نحصّل بدل الإيجار. لكني اتخذت قرار الصمود. يقول بصوت مرتفع.
يعرف علاقته كورّاق مع الكتب التي يعرضها للبيع: هي الكتب الصعبة والنادرة التي أتقصد البحث عنها. كما أبيع الكتب النافذة والمطلوبة. كيف الوصول إلى كل الكتب في ظل التكديس والمساحة الضيقة؟ «كل ما في المكتبة أعرفه بالكتاب، وأكثر من 70٪ من المستودع أرشيفه محفور في ذاكرتي». أعتق كتبه يحكي تاريخ الثورة الفرنسية وبالإنكليزية ويعود لنهايات القرن التاسع عشر. يقول: أمتلك الطبعة الأولى من كتاب «محيط المحيط» لبطرس البستاني ويعود لسنة 1867. قد يكون لهذه الكتب سوقها لكني أجهله. فليس للمكتبة زبون دائم. هي تشبه النهر الذي تتغير مياهه في كل لحظة. وإن لم تتغير الماء تصبح مستنقعاً والمكتبة ليست مستنقعاً. ليس للمكتبة زبون، فهو يبحث عن الأرخص وهو خوان.
هل يفتخر عصام عيّاد بمكتبته؟ لم تعد الثقافة تعني لي شيئاً ولهذا ليس لي الفخر باقتناء كتاب. يقول هذه الجملة ممزوجة بمرارة خيبة مضافة. ويؤكد: طبعاً هذا ناتج من التجربة والانكسارات المتلاحقة. ورد فعلي على ما يسمى الجدية الكاذبة جاء عبر الكتابة الإيروتيكية، وتجلى في كتابي ليالي سيدني وفلفل بلدي. في هذين الكتابين انتقمت من المرحلة الجدية. ومن ثم جاء كتاب يا ولد في الفلسفة الأيروتيكية، وفيه نقد وتجاوز. وفي كتبي كتب كثيرون بالقول «فاجأنا». فهل كان الكتّاب يعتقدون أني كنت أخفي عنهم أمراً؟ بدا أنهم وفي دواخلهم كانوا ينظرون لي كورّاق وبائع كتب، فيما الجاحظ كان ورّاقاً. كيف كان وقع النظرة إليك كبائع كتب؟ يقول: كنت أواجهها بالسخرية، مردداً بيني وبين نفسي الزمن بيننا طويل.
عيّاد مثقف عاش الاغتراب، ولامس الجنون نتيجة الانكسارات، لكنه في عالم الكتب اتخذ من السخرية خط دفاع صلب.
زهرة مرعي