تزامنت مؤخرا قضية وشاية احدى المنتسبات الى مهنة الصحافة بزميل لها في مصر، ما ادى الى القبض عليه بتهمة “الانتماء الى الاخوان”، مع صدور قانون مكافحة الارهاب، ومادته رقم (35) التي تعتبر “تاريخية” في انتهاكها لحرية التعبير، ويتوقع كثيرون ان تؤدي الى الطعن بعدم الدستورية على القانون.
وانتج هذا التزامن صورة قاتمة لمستقبل حرية الصحافة التي “اصبحت ممارستها جريمة” حسب بيان لمنظمة “مراسلون بلاحدود” امس الاول، وهذه منظمة مهنية محترمة، وليست متهمة من النظام المصري، مثل منظمات حقوقية دولية اخرى، بتسييس الاحداث لمصلحة جماعة “الاخوان” ومن يدعمونها.
واعتبر صحافيون مصريون كثيرون ان هذا القانون يقضي عمليا على مهنة الصحافة اذ جعل مهمتها فقط ان تبلغ الناس ما تقوله الاجهزة الامنية بالنسبة الى الاعمال الارهابية، والا الغرامة التي تتراوح بين مائتي الف وخمسمائة الف جنيه، وهو مبلغ خرافي بالنسبة للاغلبية الساحقة من الصحافيين الذين سينتهون في السجن مع عجزهم المؤكد عن دفعه. وهكذا التفت هذه الصياغة الجديدة للمادة من اجل ابقاء عقوبة الحبس التي تتعارض مع الدستور.
وعلق احد الصحافيين بأنه حتى اذا كان يملك هذا المبلغ فالمؤكد انه سيفضل دخول السجن على ان يدفعه للحكومة ويترك اولاده يتشردون في الشوارع.
والغريب ان يصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا القانون القمعي بعد كل الحراك الثوري الذي عرفته مصر خلال السنوات الماضية، وهو ما كان عجز عنه الرئيس المخلوع حسني مبارك قبل عشرين عاما (كان معروفا حينئذ بالقانون 93) بعد ان قرر الصحافيون النضال لاسقاطه، وهو ما حصل فعلا بالرغم من حجج مبارك ومبرراته بشأن العمليات الارهابية التي كانت عرفتها مصر في عقد التسعينيات.
وحاولت الحكومة امس ان تطمئن الصحافيين بأن القانون “موجه ضد الاخوان والارهابيين فقط”، لكن الواقع هو ان عدم وجود القانون في الماضي، لم يمنع اعتقال الآلاف واصدار احكام اعدام بالجملة، وهو مايشير الى ان الهدف من اصداره القمع المباشر للمجتمع، بفضل نصوصه المترهلة التي تسمح باتهام اي شخص بالارهاب اذا كتب مقالا او خبرا يمثل “مساسا او تهديدا للسلم الاجتماعي” (..) من وجهة نظر النظام على سبيل المثال.
اما حديث رئيس الوزراء عن ضرورة توافر “شرط التعمد” لتطبيق القانون فلايمثل ضمانا قانونيا، ناهيك عن ان هذا الكلام غير موجود في المادة 35 سيئة السمعة.
اما بالنسبة للاختراق الامني للمؤسسات الاعلامية فليس جديدا، لكن الجديد حقا هو ان تتحول المؤسسات الى “ادوات امنية اساسا” من حيث وظيفتها، وتكوينها.
ويدرك من يملكون خبرة العمل في الصحافة المصرية ان وجود واحد او اكثر من “الامنجية” او المتعاملين مع الامن كان دائما “شيئا طبيعيا ومعروفا للجميع” في المؤسسات الصحافية، لكن ما حدث منذ نهايات عهد مبارك وتفاقم مؤخرا هو ان “المشكلة لم تعد في وجود الامنجية، ولكن في عدم وجود صحافيين اصلا” كما يتندر صحافيون، بالاشارة الى العدد الكبير من عملاء الامن.
وكان ايجابيا ان يخرج اعلاميون مصريون امس مطالبين بتطهير بلاط صاحبة الجلالة الصحافة من “الامنجية” حفاظا على سمعتها ودورها، لكن من المهم ان يسأل احد لماذا تحدثت وسائل الاعلام فقط عن الوشاية الامنية بهذا المصور الصحافي، وتغاضت عن برامج يومية واعلاميين “كبار جدا” لا ينكرون اصلا علاقاتهم بالامن؟ ناهيك عن اولئك الذين ظهرت اسماؤهم (وبعضهم يعتبر نفسه من ابطال ثور يناير وثورة يونيو وربما اي ثورات اخرى على الطريق) في تسجيلات تؤكد انهم يتلقون تعليمات مباشرة من النظام حول ما يجب ان يقولوه بل وكيف يقولونه.
واخيرا فمن حق النظام المصري وواجبه في آن مبدئيا ان يعيد النظر في القوانين لضمان تحقيق الامن والاستقرار ومحاربة الارهاب، ضمن منظومة شاملة للاصلاحات التعليمية والسياسية والاقتصادية، لكن ما فعله قانون مكافحة الارهاب هو انه قدم اكبر خدمة للارهاب الذي يفتقر الى اي حاضنة شعبية في بلد معروف تاريخيا بالاعتدال ثقافيا وايديولوجيا.
اما اعتماد “الاعلام الامني” متحدثا باسم النظام فسيؤدي حتما الى افقاده مصداقيته، وسيعيد الى ذاكرة المصريين نوعا من الاعلام تواكب مع كوارث ونكسات تاريخية، لن يسمحوا بتكرارها.