يشير عصر الانتقائية الثقافية إلى الفضاء الزّمني الذي يحتضن أفرادا وجماعات متنوعة، تنتمي لتأثيرات ثقافية وقيم من مصادر مختلفة. في عصرنا هذا مثلا، أصبحت الحدود الصارمة بين الثقافات والفنون وطرق التفكير أكثر نفاذا، ما يسمح باختلاطها وتوالد تركيبات جديدة متنوعة.
تظهر هذه الانتقائية في العديد من مجالات الثقافة، مثل الموسيقى والأزياء والفن والأدب والمطبخ والإعلام وأشياء أخرى، يستمد منها الناس العديد من التقاليد والجماليات ووجهات النظر لخلق شيء جديد قد يكون هجينا وقد يكسب صفات أصلية. يكون هذا انعكاساً لمجتمع يزداد عولمة، حيث يتم تسهيل الاتصالات والسفر، ما يسمح للأفكار والتأثيرات بالانتشار بشكل أسرع وعلى نطاق أوسع. ويمكن أن تكون الانتقائية الثقافية أيضاً وسيلة لتجاوز الحدود التقليدية وتحدي المعايير الراسخة، وتشجيع الابتكار والإبداع، ومع ذلك، فإنه يمكن أيضا أن تُثَار تساؤلات حول أصالة المصادر الثقافية وتقييمها واحترامها، فضلاً عن السطحية المحتملة للاستعارات الثقافية، دون فهم شامل.
باختصار، يعكس عصر الانتقائية الثقافية التنوع المتزايد للتأثيرات الثقافية في العالم الحديث، حيث يخلق الأفراد والجماعات أشكالا جديدة للتعبير من خلال الجمع بين الثقافات والأفكار المختلفة وإعادة مزجها.
لاحظت في رحلتي الأخيرة إلى أي مدى تسعى السياسات الثقافية في أوروبا إلى ضمان حصول جميع المواطنين على الفرص الثقافية. وكيف يشمل ذلك البرامج التعليمية، والمبادرات الرامية إلى جعل الأنشطة الثقافية ميسورة التكلفة ويمكن الوصول إليها بسهولة، بالإضافة إلى الجهود المبذولة لإزالة الحواجز الاقتصادية والاجتماعية التي تعوق المشاركات الثقافية. هذه السياسات الثقافية لا يتوقف دورها على المستويات المحلية، فهي متوسّعة ومنتشرة على الصعيد الدُّولي، وهي تتأسّس على عناصر متينة لتعزيز الحوار بين الثقافات المختلفة والتّبادلات الفنية. شهدت أوروبا والعالم الغربي برامج من هذا النوع قبل حلول عصر العولمة، أمّا الآن بحلوله، فقد أصبح التواصل سهلا بين المثقفين والفنانين، والأسهل التنقلات بين البلدان بالقطارات السريعة، وهذه متعة أخرى حُرِم منها العالم العربي بسبب افتقار أغلب دوله لسياسات ثقافية جادّة ومثمرة.
وطبعا يمكننا بكل سهولة تقييم تلك السياسات لقياس مدى فعاليتها وتأثيرها، والحقيقة أن النتائج محزنة، ومخيّبة للآمال في أغلب البلدان العربية، بسبب انشغالها بمشاكلها الداخلية المتفاقمة كنتيجة حتمية لتهميش الثقافة وعجزها عن رفع مستوى التعليم فيها، فقد اتضح أن السياقات الثقافية تتداخل بشكل مباشر مع السياقات الاقتصادية والاجتماعية، وتتطوّر بالجملة، حسب الاحتياجات والظروف وأولويات كل مجتمع. في النّصف الآخر من الكرة الأرضية، يتم وضع الذّخيرة الثقافية للشباب تحت جناح الانتقائية المتزايدة، بحرية كاملة، تجعل هذه الفئة تمتص بشهية ما يُقدّم لها عبر التكنولوجيا الرّقمية والتلامس الحسي لخلق محتوى ثقافي جديد، يُضاف إلى فسيفساء المشهد الثقافي ليزيده تميُّزا وإبهارا.
بطبيعة الحال، هناك العديد من الإنتاجات الثقافية الرمزية لهذا الجيل، وهي تعكس هموم وقيم واتجاهات المجتمع المعاصر، وأقصد بالجيل هنا، جيل الشباب على المستوى العالمي، بعيدا عمّا تقرّره بعض الأنظمة وما ترفضه.
فقد أحدثت منصّات البث ثورة في طريقة إنتاج واستهلاك المسلسلات التلفزيونية، مثل:
“Strager things”, “Game of thrones”, “The Crown” و “Black Mirror” عصر المنصّات لم يتوقف عند بث الأفلام والمسلسلات، بل تجاوزها إلى بث الموسيقى، وهذا أدى بالضرورة إلى تغيير الطريقة التي نستمع فيها للموسيقى ونستمتع بها. لسنا بحاجة لكثير من الصمت، ونارجيلة، و»كاسة شاي» لتتغلغل الموسيقى وكلمات الأغاني المرافقة لها. عاد الشعر إلى الواجهة على الأقل باللغة الإنكليزية ولغات أخرى أجنبية، برز أدب شبابي مختلف تماما عن ذاك الذي استهلكناه في شبابنا، كون أدب اليوم يتناول موضوعات ذات صلة بالشباب مباشرة وهواجسهم وقضاياهم الاجتماعية والعاطفية وأسئلتهم المرتبطة بالهوية، والمفاهيم الجديدة بالنسبة للوطن واللغة الأم، والبحث عن عمل عن طريق الأونلاين، إلى غير ذلك من مستجدّات فرضتها العولمة وتطور وسائل التواصل.
هناك العديد من الإنتاجات الثقافية الرمزية لهذا الجيل، وهي تعكس هموم وقيم واتجاهات المجتمع المعاصر، وأقصد بالجيل هنا، جيل الشباب على المستوى العالمي، بعيدا عمّا تقرّره بعض الأنظمة وما ترفضه.
فنيًّا اكتشف الفنانون أشكالا جديدة للتعبير من خلال الواقع الافتراضي والوسائط الرّقمية، ما جعل الفنّ التقليدي بكل مدارسه يصبح نوعا من التّراث. أمّا الفنون الجديدة فتحتاج لبعض القدرة على التركيز لفهمها أو «هضمها» فقد جاءت هذه الفنون «الافتراضية» لتعطي قيمة خيالية أحيانا لأشياء لا وجود لها، تماما كالعملات الرّقمية التي تشبه الوهم، حين انبثقت من العدم، دون وجود أي معيار ملموس لها. تتحرّك الفئات الشّابة المتمكنة من تقنيات الإنترنت والتطبيقات المتجدّدة كل يوم بكل أريحية في كل بقاع العالم. يمكن لمنظمي حفلة لجمع التبرعات لجهة معينة مثلا، أن يحققوا أرباحا خيالية قد تبلغ ميزانية بلد. ولو أن خبرا كهذا نشر في جريدة ورقية منذ سنوات لاعتُبِر خرافة، أو كذبة غير قابلة للتصديق.
تأخذ الثقافة مواقع طليعية في بلدان متطورة وفق سياسات ثقافية ناجحة، ومنها على سبيل الذكر «السيادة اللغوية» للغة الإنكليزية، لتصبح في الزمن الإلكتروني جسر تخاطب بين أغلب شعوب العالم. هذه الشعوب التي تجعلنا نحذو حذوها ونمشي على خطاها تعتمد اليوم على الاقتصاد الإبداعي، بعد أن أدركت أن الصناعات الثقافية يمكن أن تحفز النموّ الاقتصادي عن طريق الحفاظ على الثقافة المحلية وتعزيزها بكل ما يمكن أن يكون ثمرة لقاح بينها وبين ثقافات أخرى. وأقصد هنا ما يسمى اليوم بالسياحة الثقافية، التي لا تندرج مكاسبها فقط في الجوانب التراثية المادية، بل تذهب بعيدا في استثماراتها بالحفاظ على الثقافات الشفهية وحمايتها من الاندثار.
يستدعي هذا العصر أيضا عالم الاجتماع، والأنثروبولوجي، والفيلسوف، والمتخصص في الإعلام وصناعة المحتوى لتطويق الواقع الثقافي الجديد، لهذا لم يعد مفهوم الثقافة محصورا في وجهة نظر واحدة. إذ يُقال إن الانتقائية الثقافية هي موطن للطبقات العليا، أو الطبقات المهيمنة، غير المبالية، والمتسامحة مع كل أنواع الاختلاف لأنها لا تعتبرها عنصرا مهدّدا لها أو لثقافتها، وهي لا تعني تآكل منطق التمييز داخل المجال الثقافي، إذ أن الأمر اليوم متعلّق أكثر بـ»إعادة تعريف الشرعية الثقافية» وفق معطيات صادمة إذا ما نظرنا قليلا نحو المستقبل القريب. لكن، ومهم جدا هنا أن نلاحظ ما يحدث في الخليج العربي اليوم لنفهم بالضبط ما تعنيه رمزية الانتقائية الثقافية، التي تُظهِر انتماء المرء إلى النُّخب التي تتمتّع برأس مال اقتصادي وثقافي كبير، وينتقل هذا القانون الجديد من خلال العادة بين الطبقات العليا من المجتمع. وهذا يعني أن تصنيف الأذواق والممارسات الثقافية يشير إلى التسلسل الهرمي للمجتمع من الطبقات الدنيا إلى العليا.
على هذا الأساس يتمركز محور التفاعلات من أسفل السلم إلى أعلاه، فكلما كان الشخص أعلى مكانة ثقافيا واجتماعيا زاد متابعوه، بمعنى آخر كلما احتل الشخص منصبا رفيعا، زاد مدى تنوع شبكته الاجتماعية وبالتالي زاد تأثيره ثقافيا.
تولد أسئلة كثيرة بعد قراءة هذه المعطيات، وحتما تبرز الأسئلة الطليعية حول مكانة الثقافة في المجتمعات المستقبلية؟ فهل ستصبح الثقافة مظهرا من مظاهر الترفيه للطبقات الثرية، دون الطبقات العاملة الكادحة؟ أم أنّها ستنتج مجتمعات متشابهة، تتحكّم فيها حركة المؤثرين السطحيين، التي تلجأ في سجالاتها إلى كل ما هو «ترندي» ولو على حساب الأفكار العميقة؟ هل ستفرز هذه الانتقائية بلدانا تتمركز في مواقع القيادة، فيما سنشهد تراجعا أكبر لبلدان أخرى قد تحلُّ عليها سنوات عجاف ثقافيا، وانحدارا اجتماعيا ذا عواقب وخيمة؟ يقودنا هذا الطّرح إلى فتح باب المناقشة على مصراعيه، لأننا دخلنا عصرا جديدا، لكنّ الدّاخلين إليه محصّنون برفاهية مادية غير متاحة عند جزء كبير من شعوب المعمورة!
شاعرة وإعلامية من البحرين