من الأقوال المأثورة للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة (1844-1900) «المعرفة قوة»، وقد أطلق نيتشة مقولته تلك بعد بحثه الطويل عن الحقيقة وأصولها، ثم جاء الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926- 1984) في العصر الحديث، وردد ذاك القول المأثورعينه عند صياغة نظرياته ما بعد الحداثية الشهيرة التي تبحث في طبيعة العلاقة بين القوة والمعرفة.
وعلى ما أعتقد أن الكثير قد اختبر صحة هذه المقولة بشكل أو بآخر، فكثيرا ما نتعرض للاستغلال بسبب جهلنا بمعلومة ما، وكذلك قد نقع في حبائل مشكلات عويصة إذا ما تم استدراجنا وتفوهنا بمعلومة، حتى لو كانت تبدو لنا لا قيمة لها، لكنها في النهاية قد تدمر حياة آخرين، أو حتى مستقبل من تفوه بهذه المعلومة.
وبسبب حساسية وخطورة المعلومات، تنبهت الدول لأهمية أي معلومة حتى لو كانت صغيرة، لكن، لم تتعامل الدول خاصة العظمى منها مع المعلومات بشكل عشوائي، بل نظمت كتائب خاصة، تضم أذكى وأمهر القوات من العسكريين والفنيين؛ ليخوضوا حروبا خفية يطلق عيها اسم «حرب المعلومات».
وحرب المعلومات لا يتم شنها في ساحات الحروب التقليدية، فهي حرب مقرها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) التي يتم استغلالها بشكل فعال؛ بغرض الحصول على ميزة تنافسية على الخصم، وفيها يتم التلاعب بمعلومة موثقة يمتلكها الشخص، أو الكــيان، أو الدولة المستهدفة بدون أن يعي الهدف ذلك، ثم يتم استخدامها لاتخاذ قرارات تضر بمصالح الهدف، وتجعل من السهل شن حرب شعواء ضده.
إذا كنت سمعت يوما عن الأيادي الخفية، فإنك قد سمعت عن حرب المعلومات التي تهيمن على جنح الخفاء؛ لتبدأ حربا بدايتها غير معلومة، ونهايتها لا يستطيع أحد سبر غورها.
فإذا كنت سمعت يوما عن الأيادي الخفية، فإنك قد سمعت عن حرب المعلومات التي تهيمن على جنح الخفاء؛ لتبدأ حربا بدايتها غير معلومة، ونهايتها لا يستطيع أحد سبر غورها، فأهم شيء هو خلق حالة تؤدي إلى ميوعة وتشويه الحقيقة، بغرض طمسها، وإحلال حقائق أخرى مغلوطة لتتبوأ مكانها. وبالتأكيد، فإنه يجب اللجوء لعوامل مساعدة لتسهيل شن هذه الحرب، وتلك هي مرحلة جمع المعلومات التكتيكية، التي فيها يتم استهداف معلومات لدى الخصم موثوق في سلامتها وصحتها، ثم بعد ذلك يتم نشر دعايات مضادة غرضها تضليل العامة وتشويه الحقائق، من ناحية، وحرمان العدو من جمع أي معلومة قد تصير الخيط المؤدي لمن تشن عليه الحرب، من ناحية أخرى.
وما أكثر ما يحيط بنا من أمثلة في هذا الشأن، خاصة في مجالي السياسة والاقتصاد. فعلى صعيد الاقتصاد، في حال رغبة شركة منافسة أن تطرح منتجا خاصا بها في الأسواق، وتحقق أرباحاُ سريعة، فإنها تستهدف أقوى منتج في السوق، وتبدأ في أن تحيك حوله الشائعات، وتجعل منه الخبر الذي يتصدر جميع أجهزة الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. وعلى هذا، يتم تضليل الأجهزة الرقابية والعامة، بحيث تبدأ الأجهزة الرقابية في تكثيف جهودها للبحث عن مخالفات في المنتج، أما العامة، فبعد أن يمجوا هذا المنتج، يشرعون في البحث عن بديل. وبالتأكيد، تبدأ الشركة المنافسة في طرح منتجها وكأنه المنقذ من الأزمة. وبهذا، تضمن الشركة المنافسة تأمين سوق لها لا يشاركها فيه أحد، وكذلك، فرض هيمنتها على السوق بلا منافس.
ويجب ألا ننسى أن حرب المعلومات ترتبط ارتباطا وثيقا بالحرب النفسية، مع اختلاف أساليب شن الحرب، والأهداف المرجوة. وبما أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات هي المعترك الأساسي لإشعال شرارة حرب معلومات، فإن ساحة الحرب تصير شاشات التلفزيون، وشاشات السينما، وموجات الراديو، وشبكات الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي، على وجه الخصوص، التي تصير أداة لإشعال الحرب، ووسيلة لجمع معلومات أكثر لتحقيق الفوز، حيث أنها ترتبط أيضا بالحرب الإلكترونية.
وأشهر دليل على حرب المعلومات تلك هو فضيحة مارك زوكربرغ مالك شبكة الفيسبوك أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، فقد ذاع الخبر أن مارك زوكربرغ أتاح المعلومات الشخصية الخاصة بمستخدمي الفيسبوك على مستوى العالم لشركة خاصة، بدأت في بث اختبارات نفسية لمستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، التي من خلالها بدأت في اختراق الحسابات الشخصية لهم لمعرفة ميول واتجاهات المستخدمين عالمياُ، على وجه العموم، وفي الولايات المتحدة، على وجه الخصوص. ومن هذا المنطلق، بدأت مكاتب الحملات الرئاسية في الترويج للمرشح الذي تبغي فوزه من خلال طرح الصورة المحببة للرئيس القادم، بالتأكيد بات ممكنا عن طريق استخدام المعلومات التي تم جمعها من خلال شبكات التواصل الاجتماعي.
حذر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عام 2010 من مغبة نشر معلومات شخصية على شبكات التواصل الاجتماعي، وإمكانية استخدامها في ما بعد كوسيلة للاضرار بمرتاديها.
وقد حذر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عام 2010 من مغبة نشر معلومات شخصية على شبكات التواصل الاجتماعي، وإمكانية استخدامها في ما بعد كوسيلة للاضرار بمرتاديها؛ حيـــــث ردد محــــذرا بقوله: «إياك أن تضع على شبكات التواصل الاجتماعي معلومة، أو صورة قد تندم على مشاركتها في المستقبل»، وهو بذلك يشير إلى إمكانية استخدام شبكات التواصل الاجتماعي كمعترك لشن حرب معلومات، وفي ما يبدو أن نبوءته تحققت أسرع مما يمكن.
وتتفق جميع الأطراف المشاركة في شن أو خلق حرب معلومات على مفهوم واحد، ألا وهو: حرب المعلومات ليست بالشيء اليسير، فهي معقدة التشابك، ولها أبعاد خفية مترامية. وقد عبر عن ذلك الوضع الكاتب مارتن لبيكي في كتابه «ما هي حرب المعلومات؟» الصادر عام 1995 بقوله: «إذا أردت أن تفهم حرب المعلومات لسوف تبذل جهدا يماثل جهد جماعة من المكفوفين لاكتشاف طبيعة الفيل، فمن يتحسس ساقه يعتقد أنه شجرة، ومن يتحسس ذيله يعتقد أنه حبل، وعلى ذاك المنوال نفسه، فإن مظاهر حرب المعلومات يتم فهمها على نحو مشابه، وكما هو الحال بالنسبة لعملية استكشاف الفيل، لسوف يخامر الآخرون الشك بأنه ليس هناك شبهة حرب معلومات».
وبناء على ذلك يجب أن نتفق جميعا على أن حرب المعلومات لا هوادة فيها، ومن الممكن أن تطال الجميع، بل تستخدم أبسط أنواع المعلومات حتى لو كانت تحديد مواقعنا على أجهزة الهواتف النقالة، لصنع حرب معلومات وشيكة لاستخدامها ضد هدف أو كيان جديد.
٭ أكاديمية مصرية