«عصفور السطح» للتونسي فريد بوغدير: ملامسة التابوهات المحرّمة عبر عيني طفل مُتلصّص

حجم الخط
1

بيروت- «القدس العربي»: عام 1990 عَرض المخرج التونسي «فريد بوغدير» أوّل أعماله السينمائية الطويلة، «عصفور السطح» أو «الحلفاويين» الذي حصد عدّة جوائز دولية ونال ذهبية مهرجان «قرطاج السينمائي/ التانيت».
مؤخراً عرض «مترو المدينة»- بيروت وبالتعاون مع «نادي لكل الناس» فيلم «بوغدير»، الذي يعرض لوحتين مُتكاملتين. اللوحة الأولى ضيقة ولكن عميقة هي مرحلة التحوّل في حياة الصبي «نورا» من المراهقة إلى الرجولة، وللدقة يحاول العمل التقاط دقائق مرحلة النضج الجنسي. فيما اللوحة الثانية أوسع، إذ تشمل حي «الحلفاويين» الذي يعيش فيه «نورا» مع عائلته، فيسلط الضوء من خلال هذه العائلة وعلاقات نورا في الحي على الثقافة الشعبية التونسية بأنماط عاداتها وتقاليدها، وتعقيداتها، ومن هاتين اللوحتين التي لا تقل إحداهما أهميّة عن الأخرى حمل الفيلم عنوانين «عصفور السطح» أو «الحلفاويين».
* عصفور السطح:
ربما تكون حكاية «نورا» (12 عاماً) هي البارزة في مشاهدة الفيلم الأولى، خاصّة وأنّ تناول «بوغدير» للتابو الجنسي المُحرّم لا يتوقف عند «نورا» بل يمتد ليطال موضوعة الثقافة الجنسية السائدة في المجتمع التونسي آنذاك، فهناك العمّة المريضة بما يشبه الصرع، لكنها تبدو كمن يُعاني، في واقع الأمر، من أزمة جنسية- نفسيّة حادّة. وهناك الأب السيد، الصارم، المُحافظ، الذي يظهر غضبه إن تبرّجت زوجته أو ظهرت قريبتها المُطلقة- والمُطلقة صفة سلبية في هذا المجتمع ـ دون غطاءٍ للرأس وهي تسير في الحي، لكنه في الوقت ذاته يحوي المجلات الإباحية، ولا يخشى المغامرات خارج منزله. وهناك الموسيقي والقريبة والمراهقون الآخرون في الحارة.
إلاّ أنّ نورا نفسه، هو الجيل الجديد، الذي يقف في آخر مشاهد الفيلم متحديّاً والده وسطوته مُبتسماً من على حافة السطح، ينظر إلى ذاك العجوز البائس الذي لا يجرؤ حتى على الصعود إليه، بل يصرخ مُجعجعاً طالباً إليه النزول، وفق سلطة تجاوزها الصبي.
* الحلفاويين
الحلفاويين هو حي تونسي شعبي، يعرض من خلاله «بوغدير» الثقافة الشعبية للحياة التونسية البسيطة، لسطوة رجال الدين فيها وشعوذاتهم، لموسيقاها الشعبية وعادات أهلها من الحمام الشعبي إلى «طهور» الأطفال وحكاياتهم الشعبية، عارضاً ما تتضمنه من عنف متوارث شفاهاً، والكامن في مُختلف جوانب تلك الحياة البسيطة. كما يستعرض المخرج لسلاسل العنف الاجتماعي داخل العائلة وخارجها، فنرى الأم الخائفة من زوجها، القاسية في وجه المرأة الأخرى الغريبة، والسيدة التي تستمد سلطتها الحقيقة من كونها امرأة، زوجة، وأم. وتقابلها العمة التي لا تملك أيّاً من هذه الصفات، فتبدو كمدبرة منزل، تختلس حتى سيجارة تدخّنها. ونرى مفتول العضلات سيىء الخلق وهو يتقاوى على صبيان الحي المراهقين محاولاً بقوّة عضلاته إجبار الموسيقي على الغناء له، في تحدٍ يُضمر إهانة، لكنه يتحوّل قطاً وديعاً عند اقتراب قوّة جسمانيّة أكبر منه فتحمي الموسيقي والمراهقين، ثمّ لا يلبث «الأزعر» نفسه أن ينضم إلى سلطة عُنفيّة أعلى هي السلطة الأمنيّة التي يستغلها لكسب معاركه الصغيرة.
يموضع «بوغدير» التابو الجنسي في أول لقطات الفيلم، ولا يتخلّى عن مقاربته طوال مدّة الشريط (ساعة و38 دقيقة)، في ما يمكن اعتباره من أنجح الخدع الفنية، التي تعرض حقيقة وبشكل أكثر صدامية حقيقة وقسوة التابو الديني، والتابو السياسي، في زمنٍ ربما صعُبَ على «بوغدير» نفسه أن يُعلن المواجهة المُباشرة مع السلطات السياسية والاجتماعية الحاكمة، إذ أنّ العمة غير الجميلة، المسحوقة تحت سلطة أخيها الذكوريّة ومجتمعها البطرياركي تقرّر في نهاية الفيلم أن تنتفض على كل هذا، وأن تختار شكلاً آخر ومختلف للحياة، هو أيضاً ليس المواجهة الصداميّة، لكنه لا يقل مواجهة، بل يقل خسائر.
المؤسف حقيقة أنّ الكثير من العناوين اهتمّت بتناول الفيلم للجانب الجنسي، حتى أنّ البعض اعتبر معظم مشاهد الفيلم تدور في حمام النساء، وهي في الحقيقة مقطعان مشهديان، وثالث يحاول إنتاج مشهد الحمام ضمن سياق الفيلم الدرامي. فيلم يعرَض قبل 14 عاماً لوجعٍ اجتماعي تألم منه الكثيرون، حيث لامس بوغدير بذكاء ورهافة فنية مُتميّزة الوضع السياسي التونسي دون الخوض في تعقيداته، من خلال شخصية الموسيقي الحذاء، مُتمسكاً بالأغنية «كرمز للتحرّر الفكري والإنساني» في مواجهة السلطة الأمنية والسلطة الدينية في وجهها القمعي. لكن التميّز الكبير في شريط «بوغدير» المُنتج بتعاونٍ تونسي، فرنسي وإيطالي هو مقاربته شخصية رجل الدين للصورة المسرحية التي رسمها «موليير» لرجل الدين في عمله الشهير «طرطوف»، إذ ربما تكون هذه المقاربة الأكثر جرأة والأولى من نوعها في العالم العربي.
لوحة دقيقة رسمها بوغدير عن عالم المرأة التونسيّة المعروفة عربياً بكونها الأكثر تميّزاً مع وجود قوانين تحميها، حيث ألغى القانون التونسي (قانون الأحوال الشخصيّة) الصادر عام 1956، تعدّد الزوجات وقنن الطلاق، أما الإجهاض فهو حق كامل مكفول منذ عام 1973، وكلاهما استثناء في القوانين العربية، لكن تفاصيل الواقعي اليومي للمرأة التونسية في تسعينيات القرن الماضي يعرضها شريط «بوغدير» ضمن لوحة سينمائية جميلة، صاغ موسيقاها الموسيقار «أنور إبراهيم».
ما بين السطح والعمق يكمن الفيلم، وما بين السطح والعمق ما زلنا ننوّس مشاهدين ومواطنين، منذ أربعة عشر عاماً وأكثر بعقودٍ، ماضياً، وربما للأسف سنكون حاضراً. نشاهد الفيلم بعيني الطفل المُتلّصص، ونعيش حيواتنا بعينيه، نخشى الولوج عميقاً، فلا نصعد إلى الشمس ولا نهوى إلى الظلال.

يارا بدر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية