عضو الكنيست الاسرائيلي عزمي بشارة ومنطق المكابرة

حجم الخط
0

عضو الكنيست الاسرائيلي عزمي بشارة ومنطق المكابرة

هشام نفاععضو الكنيست الاسرائيلي عزمي بشارة ومنطق المكابرة اختتم النائب في الكنيست الاسرائيلي عزمي بشارة اجاباته ضمن مقابلة معه (جريدة فصل المقال، 7 نيسان ـ ابريل 2006) بالقول: الواقعية دائما مفيدة لغرض تغيير الواقع .والسؤال: هل التزم هو نفسه بمغزي جملته هذه، في المقابلة نفسها؟ضمن رده علي أحد الاسئلة قال بشارة ما يلي: التجمع الوطني الديمقراطي هو، سياسيا، القوة الأولي في الشارع العربي، وهذا لا شك فيه .يحق للقارئ أن يتساءل عن هذا القول الفصل قياسا بحقيقة أن التجمع هو أصغر حزب بين الجماهير العربية في اسرائيل (رغم تحالفه مع حزبين اضافيين)، وأنه القائمة الصغري علي الاطلاق في الكنيست، من حيث عدد مؤيديه، فعليا، اقتراعا. (التجمع ارتبط بحزبين اضافيين ونالوا معا حوالي 71 ألف صوت، مقابل تحالف الحركة الاسلامية والحزب العربي الديمقراطي والحركة العربية للتغيير الذين نالوا معا حوالي 93 ألف صوت، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة التي نالت وحدها دون تحالفات حوالي 86 ألف صوت).تسويغ النائب بشارة لقوله السالف بشأن منح الريادة لحزبه، جاء بهذه الكلمات: أعني هنا من ناحية الموقف السياسي وحجم القوي المرتبطة والمؤيدة لهذا الموقف وأنا علي يقين من أنه ليس هناك تيار آخر لديه مشروع سياسي يلتف حوله هذا العدد من الناس لكن هناك فرقا بين القوة السياسية النابعة من الطرح والنهج المثابر والمصداقية والتنظيم وبين لغة الصناديق .عمليا، يقترح النائب بشارة علي القراء تغيير المعايير التي تُقرر حسبها قوة الأحزاب. وبدلا من النظر الي ما حققه الحزب، أي حزب، من عدد مؤيدين في الانتخابات، يجب ـ برأيه ـ النظر الي الموقف السياسي وحجم القوي المرتبطة والمؤيدة لهذا الموقف .سأفترض جدلا أن أسلوب القياس الذي يقترحه بشارة مقبول وقابل للاعتماد. فهل سيعني هذا أن حزبه هو الأكبر وفقا لهذه المقاييس الجديدة؟سأحاول الاقتراب من الاجابة حسب المثال التالي:لو أن الأخوات والأخوة في حزب دعم الصغير (نال حوالي 2000 صوت)، مثلا، قالوا عن حزبهم ما يقوله بشارة عن حزبه، فهل سيستطيع معارضتهم؟ وبأية ادعاءات مضادة؟أي: لو قالوا: ان حزبنا (دعم) هو القوة الأولي من ناحية الموقف السياسي وحجم القوي المرتبطة والمؤيدة لهذا الموقف ، فهل يمكن القول لهم: لا، لا، أنتم لستم القوة الأولي! هل يمكن للنائب بشارة أن يعارض أي خصم له بشأن تقسيمة حجم القوي، وفقا للمقاييس المختلفة التي يقترح هو وضعها؟وتزداد صعوبة المعضلة حين نأخذ تتمة اجابة النائب بشارة اذ أضاف: فالقوة الاولي هي شرط ضروري لكنه ليس كافيا للثانية، أي لتترجم في الصناديق .وفقا لهذه المنهجية اللافتة، فان تحديد حجم القوة البرلمانية لا يفترض أن يتم، بالضرورة، حسب أدوات القياس البرلمانية. وعليه، فيمكن لكل حزب القول: ما تقوله الصناديق ليس الشرط الكافي لتحديد قوة القوة السياسية، وبناء عليه فنحن القوة الأولي.ولو تشدد أحدهم في مسألة استبعاد النائب بشارة لامتحان الصناديق، ورفض قبول هذا الامتحان بوصفه شرطا ضروريا ، فيمكن عندها لأية قوي حقيقية غير حزبية بل حتي قوي مفترضة، سواء أشاركت في العملية الانتخابية أم لا أن تقول: نحن القوة الأولي.سأتعاطي بجدية مع مقاييس النائب بشارة الجديدة. وهي: الموقف السياسي، وحجم القوي المرتبطة والمؤيدة لهذا الموقف. وربما يكون هذا مقياسا واحدا مؤلفا من شقين، أو مقياسا مركبا مركزه الموقف، ومداره مدي قدرته علي استقطاب الارتباط به وتأييده.سؤال: لماذا لا ينطبق هذا علي حركة مقاطعة الانتخابات؟ فدعاتها (علي تباينات منطلقاتهم) قادرون علي اعتماد هذه المقاييس المقترحة، بل تلقفها، بهدف القول: نحن الأقوي، فلدينا موقف سياسي، وحجم القوي التي تؤيدنا يفوق حجم تأييد كل واحد من الأحزاب الفاعلة بين الجماهير العربية. وهم بهذا لا يرفضون امتحان الصندوق كونهم مقاطعين، بل يستعملونه من باب النفي. (حوالي 40% من الجماهير العربية لم يصوتوا).ادعاء مضاد مفترض علي ما أقوله قد يكون التالي: ولكن المقاطعة تشمل لامبالين ومحبطين وليس بالضرورة أصحاب موقف للمقاطعة.جواب: أنا موافق تماما. ولكن هذا ليس نقاشي أنا، بل هو استنتاج مما يطرحه بشارة، لأنه يُقصي القياس.ولنتابع: نحن في باب تلخيص انتخابات برلمانية، فكيف تُقاس قوة الأحزاب في العمليات البرلمانية، أليس بما تحققه في صناديق الاقتراع للبرلمان؟حسنا، فالنائب بشارة يريد تغيير القياس والمقياس، وهو ما يدفع لطرح السؤال التالي: ما هي معايير قياس الموقف السياسي في سياق تحديد قوة الحزب الذي يطرح ذلك الموقف، ضمن عملية انتخابية؟هذا السؤال (النابع من فرضيات بشارة) صعب، ليس لأنه معقد فكريا أو عميق الغور، بل لكونه يحمل تناقضا داخليا، لأنه مشتق من تحييد للمعايير الحسابية ـ العلمية للقياس، وأيضا من اقصاء سياق قياس قوة الأحزاب بخصوص الانتخابات، بشكل يبقيه سؤالا حول ما هو مجرد. وفي هذه الحال أسأل: كيف يمكن قياس القضايا المجردة من القياس، كيف السبيل لتحديد قوة المجرد؟ وهل يمكن تناول ما تم تجريده، في سياق مفاضلات القوة أو أية مفاضلات أخري؟ هل يمكن اخضاع المجرد للنسبية؟المشكلة في المجرد، أنه، بحكم تعريفه، خارج (تم اخراجه) عن سياق القياس. فهو نقيض النسبي. والنسبي فقط يسمح باجراء المقارنات. والقياس في حالتنا هو شكل من أشكال المقارنات (الحسابية، مثلا). أما المجرد، فهو أشبه بمفهوم مثالي، مطلق، لا يحتكم الي أدوات لأنه منزوع من أي سياق قادر علي توفير طريقة لقياسه أو مفاضلته/مقارنته بغيره.المشكلة أعوص من هذا بكثير. فحين يتم رفض أدوات القياس المقبولة، وتحويل الموقف السياسي الي مفهوم مجرد (في سياق قياس قوته وليس أخلاقيته، مثلا)، والقول، في الوقت نفسه، ان هذا المجرد هو ما يحدد مفهوم الأقوي ، فان ما يُراد له أن يكون مجردا من القياس، يُطرح في سياق القياس نفسه، للقول بأنه هو نفسه المقياس والبرهان علي أن هذا الموقف المجرد هو الأقوي! ولنلاحظ أن كلمة أقوي تأتي علي وزن أفعل ، وهو الوزن الذي يفيد المفاضلة: هذا أقوي/ أضعف/ أسخف من ذاك.ما جري عمليا هو التالي: لقد جرد النائب بشارة مفهوم قوة الحزب السياسي من سياقه الانتخابي (الذي يُقاس حسابيا بعدد الأصوات)، كي يقول انه غير خاضع للمقياس المقبول، بهدف الخروج باستنتاج مفادُه أن موقفه السياسي، الذي لا يقبل مفاضلة، هو الأقوي. أقوي مماذا؟ أقوي من الموقف السياسي لدي آخرين. كيف؟ هكذا.سيكون من التجني عدم الأخذ بتتمة مقياس بشارة، فهو لم يتحدث عن الموقف السياسي فحسب، بل أضاف: وحجم القوي المرتبطة والمؤيدة لهذا الموقف . سيبدو للوهلة الأولي، أن هذه الاضافة تنقذ الموقف، لكنها في الحقيقة تزيده تعقيدا.سؤال مطلوب: كيف تقاس قوة الموقف السياسي استنادا الي حجم القوي المرتبطة بهذا الموقف والمؤيدة له؟هنا، خلافا لاحتمالات التفسير الأولي، تمت الاشارة بوضوح الي حجم القوي. فكيف يُقاس الحجم؟هنا لا يعود بالامكان الاحتماء بالتجريد. لأن الحديث هو عن حجم . والحجم بتعريفه خاضع للمفاضلة والمقارنة ونسبية القياس. لأنه حتي لو وافقنا علي أن الموقف السياسي قابل للصياغة المجردة المثالية، افتراضا، فان المفهوم حجم هو أداة قياس نسبية بحكم التعريف، بامتياز.مرة أخري: كيف يُقاس حجم القوي المؤيدة لموقف سياسي ما، في وقت يتم فيه تلخيص نتائج عملية انتخابية؟ هل يوجد أمامنا غير احتساب حجم التأييد الانتخابي؟ وكيف يُقاس هذا، أليس بالأرقام – وهي التي قالت ان حزب النائب بشارة هو الأصغر (رغم تحالفَيه) بين الجماهير العربية من جهة، وفي الكنيست برمته، أيضا، من جهة أخري؟سأعود الي خاتمة المقابلة المشار اليها في مطلع هذا المقال. اذ قال النائب بشارة: الواقعية دائما مفيدة لغرض تغيير الواقع .سؤال: استنادا لما سلف، هل يتعاطي القائل بواقعية مع واقع حصول حزبه علي ما حصل عليه من تأييد؟الجواب متروك لذكاء القراء.وأيضا: لقد قال بشارة في ختام اجابته عن السؤال المحدد الذي رد عليه، والتي تم ايرادها حرفيا هنا، ما يلي: ولا يستطيع حزب أن يعزي نفسه بأنه يبقي الأقوي فيما الصناديق أعطت نتائج مختلفة… أي أنه ينبغي علي حزب يخوض الانتخابات أن يتقن لغة الانتخابات ولغة الصناديق .الغريب في الأمر أن هذه الاضافة تُعتبر ترجمة ممتازة لدعوته لاعتماد الواقعية. والسؤال: لماذا لم يكتف بقول هذا، ولماذا اختار طرح منهجية قياس غير منطقية أولا ـ هي تجريد لغير المجرد في سياق نسبي بغرض تحديد ما هو نسبي أصلا؛ وغير عملية ثانيا ـ لأنها تؤدي الي أبواب موصودة واستنتاجات عقيمة، ومنافية لسياق النقاش ثالثا ـ وتزداد أهمية السؤال لسبب بسيط: النائب بشارة هو أحد القلة ممن درسوا ودرسوا المنطق، بين السياسيين الحاليين في اسرائيل عامة. لا أدري، ولكني أميل للاعتقاد بأن المسألة هنا غير متعلقة باتقان التفكير المنطقي ودراسته وتدريسه، بقدر ما هي متعلقة بالجرأة في تقبل الواقع وتسمية الأشياء بأسمائها وممارسة النقد الذاتي. وهي صفات هامة يُفترض أن يتحلي بها القائد السياسي، بعيدا عن كيل اللوم للآخرين، سواء أكانوا من الخصوم أم من أعضاء الحزب، حزبه.فقد قال بشارة في سياق التصدي للأحزاب الصهيونية ان الأحزاب العربية الأخري لم تملك أية استراتيجية أخري بل استفادت من الحملة التي قمنا بها وأجوبته (هكذا في الأصل) الاستراتيجية والمكثفة. وهذا هو الفرق بين من يملك التصور والرؤية وبين من لا يملكها . اذا، فحزبه وحده يملك الرؤية والتصور. وعلي هذا ينطبق ما قيل عن مفهوم الموقف السياسي المجرد أعلاه، ولكن بفارق واحد وهو قوله الصريح أن الآخرين لا يملكون تصورا ولا رؤية. ليس مثلا أن تصوراتهم ورؤاهم هشة، أو ضبابية أو اشكالية أو حتي مخطوءة.. بل ان كل الأحزاب الأخري لا تملك تصورات ولا رؤي!لكن بشارة، في معرض تسويغاته لما أفضت اليه الانتخابات، لا يهاجم الخصوم العرب (أو يلغيهم بالأحري) فحسب، بل يحمل عضوات وأعضاء حزبه التجمع أنفسهم المسؤولية عما حدث، بقوله: قصر جزء كبير من أعضاء التجمع بالقيام بدوره، حتي في محيطه وشارعه وبيئته القريبة. وبقي الأمر معتمدا في الكثير من الحالات علي أقلية من أعضاء التجمع في البلدة، فيما اكتفي أعضاء ونشطاء آخرون بالارتكان الي قوة طرح التجمع السياسية . (لاحظوا لوم الكوادر وابعاد المسؤولية عن دوائر القيادة).الغريب أن النائب بشارة ينافي المنطق في لومه هذا، أيضا.. فهل توجد حاجة في تحميل أحد، سواء أكان من الخصوم أم من أعضاء حزبه، أية مسؤولية، طالما أن التجمع خرج من الانتخابات بوصفه القوة السياسية الأولي، كما يدعي؟ هل يحتاج من حقق البطولة والريادة أن يبحث عن مسؤولين يحملهم أخطاء حصوله علي الأولوية؟مرة أخري، ليس لدي تفسير منطقي. لكن كلمة واحدة وردت علي لسان بشارة قالت الكثير، ولنقرأ ما جاء في أواخر المقابلة: ما زلت أعتقد أن قوة التجمع الحالية من الأصوات هي أكثر من مئة ألف صوت لكن تكرار ذلك هو مكابرة يجب أن لا تعزي أي عضو تجمع قصر في القيام بواجبه أو قام بواجبه لكن لم يتقن ذلك .أرجو الالتفات الي كلمة السر: مكابرة! ہ كاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية