عطب المخيلة في الدراما الجزائرية

حجم الخط
4

إذا شاهدت مسلسلاً، حيث الشخصية الرئيسية تعيش تمزقاً، بين تعاطي حبوب مهلوسة من جهة، ومن جهة أخرى السعي إلى فعل الخير بشكل لا يتطابق مع الواقع، أو شاهدت قصة حب مستحيل بين شخصيتين من طبقتين اجتماعيتين مختلفتين، يجمعها الغرام ويفرقهما المال أو ثأر الآباء، أو وجدت نفسك إزاء قصة عائلة ثرية تتخللها صراعات بين الإخوة، إثر سوء تفاهم في ميراث… فاعلم أنك تشاهد مسلسلاً جزائرياً، حيث العناوين تتغير كل عام، وكذلك الكاستينغ وأسماء المخرجين، لكن الموضوعات تتناسخ، إلى درجة أن بوسع المشاهد أن يتوقع موضوع المسلسل قبل العرض، وسوف نشاهد العمل من غير أن ينتابنا شعور بالدهشة أو المفاجأة، فمكونات الدراما الجزائرية معروفة، تضاف إليها من حين لآخر بهارات، بينما الطعم واحد، والعيب ليس في أداء الممثلين، ولا في ضعف من المخرجين، الذين يستفيدون من تقنيات التصوير الحديثة ـ بل يمكن القول إنهم يعرضون أفضل الأعمال في شقها التقني ـ لكن العطب يقع في زاوية نائية، اسمها السيناريو، الذي يضيق من نظره، ويتكل على إعادة تدوير نفايات دراما سابقة.

من الحدث الأكبر إلى أحداث صغرى

الشرط الأول في الدراما هو الحدث. الحدث الأساسي الذي سوف يطول إلى حلقات ـ بغض النظر عن عددها ـ منذ انطلاقته وصولاً إلى خاتمه، وهو شرط غائب في الدراما المحلية، حيث إنها ـ نظراً إلى إشكالية السيناريو ـ تعمد إلى تفكيك الحلقات حول جملة من الأحداث الصغيرة، بشكل تظهر فيه كل حلقة أو حلقتين منفصلتين عن البقية، وتصير مشاهدة المسلسل من بدايته إلى نهايته أو من نهايته إلى بدايته سواء. بحكم أنه لا يقوم على حدث واحد كبير نسعى خلف تحولاته وتعامل الشخصيات معه. في الغالب تنطلق المسلسلات الجزائرية من حدث بعينه ـ في حلقتها الأولى ـ ثم نجد أنفسنا، مع توالي الحلقات، إزاء أحداث أخرى صغيرة، تعيق النظر إلى القضية الأساسية التي يفترض أن المسلسل قد كُتب من أجلها. لأن تركيز الكاميرا بات محصوراً في الممثلين، في قدرتهم على تقمص أكثر من دور في مسلسل واحد، وعلى قدرتهم في الإقناع كذلك من غير اهتمام أنهم يخرجون عن الحدث الذي آلفه المشاهد في الحلقة الأولى. هذه الحالة من التفكك تشعر المشاهد كما لو أنه إزاء مشروع دراما وليس دراما مكتملة. كما لو أنه إزاء مسودة وليس نص سيناريو مكتملا. لأن تلك الأحداث الجانبية التي تغرق فيها الدراما ليس لها ارتباط عضوي مع ما يعتقد أنه الحدث الأساسي. المشترك الوحيد بين تلك الأحداث الصغرى كلها هو الشخصيات التي لا تتغير طوال المسلسل. عدا ذلك فكل الجزئيات الأخرى قابل للتغير، بمن في ذلك الممثلون الثانويون، حيث يجري ـ في الغالب ـ التخلص منهم، مع توالي الحلقات، بشكل غير مفهوم: بالموت.
هكذا دون مقدمات نشاهد شخصية في مسلسل درامي جزائري، تموت دون مقدمات. قد يكون السبب في ذلك من أجل تخفيف التكلفة المالية، أو من أجل إتاحة حيز ظهور أكبر للممثل الرئيسي، لكن شكل التخلص من تلك الشخصيات الثانوية بات يثير أكثر من سؤال، نظراً إلى تشابه مصائرهم، بموتهم المباغت، بشكل متشابه من مسلسل إلى آخر. يضاف إلى مشكلة الحدث الرئيسي، إشكالية أخرى، نقصد منها الحوار، فالحوارات التي تتداولها الشخصيات في ما بينها تبدو مثل من يود ملء بئر. المهم أن يدور كلام بينهم من غير اهتمام إن كان يخدم الحدث أم لا، في الغالب لا يخدم الحدث. حوارات مفصولة عن الجو العام للمسلسل، يجري حشوها مثل من يحشو الخبز بالجبن.

لم يسبق أن شاهدنا مسلسلاً درامياً واحداً منشغلاً بما يحصل من التاريخ الحاضر أو الماضي، أو ما يمس حياة الناس من تقلبات كبرى، بل كلها تركض خلف القصص الصغيرة.

الاستهلاك قبل الفن

ما يُحسب للدراما في الجزائر أنها الأكثر شبابية، مقارنة بغيرها من دول الجوار، من منطلق اعتمادها على إدماج ممثلين شباب (بل في سن المراهقة أحياناً) لكنهم ليسوا من خريجي معهد الفنون، بل من خريجي الأنستغرام والتيك توك. في السنوات الأخيرة وقعت إغارة على المسلسلات الدرامية من شباب لا خبرة لهم في التمثيل، ولا ماضٍ لهم في الفنون، لكنهم يحوزون أرقام متابعة فلكية على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أهلهم إلى تقمص أدوار في أعمال تلفزيونية. والغاية من إدماج هؤلاء الشبان ـ على الرغم مما تنطوي عليه من مخاطرة ـ فهي غاية تجارية بالدرجة الأولى.
فكل قناة تلفزيونية، وقبل أن تشرع في عرض مسلسل تبحث عن داعمين، عن شركات تجارية تبث إعلانات، فتضيف لحساب القناة أرقاما مالية. ومن أجل إقناع المعلنين يلجأ أصحاب المسلسلات إلى شباب الإنستغرام والتيك توك، يورطونهم في مسلسل درامي رغبة منهم في المساعدة في الترويج له على حساباتهم، في توسيع الاهتمام الجماهيري بالماركة التجارية التي تدعمه، ولا بأس من أدائهم المتواضع، فقد صارت الدراما مسألة تجارية وليست فنية. من غير داعمين لا يمكن أن نعول على مشاهدة مسلسلات. وهذا الوضع لا تختص به الجزائر وحدها، بل صار متداولاً في أكثر من بلد عربي آخر، إنما الإشكالية التي لا مناص منها ـ كما ذكرنا سلفاً ـ هو العطب الذي أصاب السيناريو، بانشغاله ﺑ «حدوتات» صغيرة، في سرد أحداث لا تخرج عن النطاق الخاص، وإغفاله القضايا الجمعية الكبرى.
لم يسبق أن شاهدنا مسلسلاً درامياً واحداً منشغلاً بما يحصل من التاريخ الحاضر أو الماضي، أو ما يمس حياة الناس من تقلبات كبرى، بل كلها تركض خلف القصص الصغيرة، عن صراعات بين عائلات أو بين جيران أو بين عصابات أحياء، إنها دراما منفصلة عن التاريخ الذي تحيا فيه، ومن المحتمل أن ذلك الأمر يعود إلى الرقابة، أو بالأحرى إلى الرقابة الذاتية التي تسكن عقل كاتب السيناريو، الذي يحرم نفسه من حق الجرأة، فيكتب بشكل ينسجم مع الآمال الصغيرة للمشاهد. وفي ظل هذا الفقر الدرامي، ومع غياب البديل، فمن المنطقي أن يشاهد الناس ـ مرغمون ـ ما يعرض عليهم من مسلسلات، لاسيما في شهر رمضان، يشاهدونها من باب الفضول، فترتفع أرقام المشاهدات على يوتيوب، وتصير تلك الأرقام المخادعة مقياساً في الحكم على مسلسل إن فشل أو نجح، من غير الانتباه إلى أننا نعيش في زمن تصحر السيناريو.

‏روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية