عماد الوردانيمن أجل عطرك أنا مستعد للخيانة..من أجل هذه الرائحة التي حركت براكيني الآسنة..سأقاسمك فنجاني وأهديك ولاّعتي، ولأنني لا أقدر على مقاومة رائحتك سأسلمك شراعي لتبحري بي إلى جغرافيتك.أنا تاريخ الالتزام، أعرف النهار فقط، ويوم بحثت عن الليل جذبتني قارورة عطر أحمر فأفنيت زمني عابرا إليها بعدما تخلصت من أقنعتي المطاطية، هشمتها يوم قادني أنفي إلى رائحة لا يخطئها القلب، لم أكن لأخجل أو أرتبك، لملمت دهشتي، تأنقت جيدا، حرصت أن أضع عطري المفضل، حملت باقة ورد برية، أطلقت العنان لقدمي لتقودانني إلى ليل اكتشفته في لحظة بحث، لأروي خياشمي بتلك الرائحة التي جعلتني أكبر، وأقدم قرابيني لفينوس الجديدة.وصلت إليها، وفي رأسي مساحة فراغ آن لها أن تمتلئ، قدمت لها ورودي وقلبي، تركتها تقرر إن كانت ستسعد بسفري إلى رائحتها. هي الباحثة عن أنف بلوري يقدر عطرها ويقدسه. ولم يكن أنفي بلوريا، بل كان حساسا يعرف متى يضع المتاريس لروائح قد تتعسه. تعرفتْ على الحكاية واستعدادي للخيانة. ولأن الرغبة في امتلاك الأنف الحساس داهمتها، فتحتْ أشرعتها لي وقادتني إلى تاريخها لأدون فيه بعضا من فراغي.وأنا أعبر إلى رائحتها أوقن أن طريق العودة لم يعد ممكنا، وحدها بقية الطريق إليها معبدة بالنزوات. أنا العابر بأنف لا يخطئ الروائح، هي واقفة في نهاية الطريق تنتظرني لتقودني إلى جزرها العذراء. نزوتي تكبر، وأنفي يباركني، لأتوغل أكثر في ما تبقى من الخطوات التي تفصلني عنها. أصل إليها، تتأملني، أرنبة أنفي تفتح مسامها لرائحتها، رموشها ترقص فرحا بوصولي سالما، عيناي تتطلع إلى الضوء المنبعث منها، شفتاها تمطران نبيذا معتقا، أذني تلتقط موسيقاها، قلوبنا تعزف لحنا دائريا..تمتد يدي، تمتد يدها، تتشابك الأصابع، رائحتها تثملني، تغمض عينيها، أقترب أكثر، نتوغل في ما تبقى من الفراغ، أنفي يلتقي بأنفها، شفاهنا تتوحد، ترسم رائحة ممتدة. والروائح تتهاطل، تصنع رقصتها، أتابع أسواري المهترئة تتساقط، بينما حقولها تتفتح للحياة، تنمو في رأسي رائحة وحيدة هي رائحة عطرها المتجذرة في عروقي. قررنا معا أن يصبح عطرها عطري، وأن الخيانة التي نقترفها هي مجرد خيال، نصنعه لنوهم أنفسنا أننا ملائكة وديعة تدب في الأرض.تواطأنا..، تركنا الروائح تصنع أقدارنا، انتشرنا في الحياة، هي تمشي، وأنفي الحساس يتعقب آثارها، يحيد عن الروائح المزيفة، ويستنفر متاريسه ليمنع أية رائحة دخيلة قد تزعجه. هي حرصت أن تسلب إرادة أنفي، كبلتها، خبأتها في صندوق، وفي لحظة شاردة ضيعتُ خلاصي.في تلك الليلة البيضاء التي قضيناها، ونحن نسافر إلى جزرنا غير العذراء، أمطرت السماء ماء غزيرا اختلط بمياهنا الصافية، كانت حدائقنا عارية تماما، أحسست بأسنانها تصطك، هي السائلة عن سر الصمت، أرنبة أنفي اشتدت حمرتها، وأنفها البلوري يلمع. أوقدتُ نار المدفئة، وظلتْ تشيخ، التجاعيد تنتشر في عنقها ويديها وجبهتها، دمي المسكون بعطرها يجري، يعوي، يتساءل. والصمت يطبق على المدفئة والحدائق، تركتها تكبر بمهل. وهي تكبر أمام المدفئة، يدها المرتعشة تحمل مفتاح خلاصي، والليل الذي قادني إلى رائحتها يوشك أن ينتهي، منحتني خلاصها وخلاصي لأكمل المسير دونها، تهت في طريق العودة لأن أنفي كره كل الروائح، زجاجة عطرها فارغة، وداخلي فارغ، أجمع صورا مهشمة، أحاول أن أحتفظ بذكرى جمعتني بها، لا أجد سوى الفراغ، أوهم نفسي أن ما عشته لم يكن حقيقة، لكن أنفي الحساس أفرط في السؤال عن رائحة تشبه مطر أيلول، قدمت له عطورا بديلة، رفضها، قدمت له بقايا الرائحة المنتشرة في ذكرياتنا، بكاها، رجوته أن يحتفي بالحياة، وأن ما عشناه لم يكن سوى نزوة، فتوشح بالسواد، واختفى..*كاتب من المغرب