القاهرة ـ «القدس العربي»: بمرور الوقت تجد السلطة الحاكمة في القاهرة أنه لا سبيل أمامها سوى الاتجاه صوب ساحة القتال للقضاء على أكبر تهديد يواجه المصريين، متمثلاً في العطش الذي بات أقرب من أي وقت مضى. واللافت أنه ما من يوم يمرّ إلا والشواهد تشير إلى أن إثيوبيا تتلاعب بالمفاوضين المصريين، وعلى الرغم من ذلك، فالقاهرة مستمرة في طرق الأبواب، مطالبة العالم بالضغط على آبي أحمد، كي يقبل بالمطالب العادلة لمصر والسودان، غير أنه لا ينصت لتلك المساعي، ماضياً نحو الملء الثاني للسد.
في ظل وضع كهذا يشعر كثير من الكتّاب، ومن خلفهم أغلبية أجبرتها الظروف الراهنة على الصمت، بأن إثيوبيا انتقلت من حالة الخداع لمرحلة “جر الشكل” مع المصريين وحكومتهم، التي تحلت بالصبر طيلة أعوام.. الشواهد على عدم اكتراث أديس ابابا بما يصدر عن القاهرة عديدة، بل كما رجح أكثر من مراقب، فإن رئيس الوزراء الإثيوبي يبدو راغباً في اندلاع حرب ضد مصر، إذ يعتقد أن من أبرز ثمارها توحد شعبه الذي يواجه التشرذم، ويعاني حروباً داخلية تهدد إثيوبيا بالفناء وتنذر بتفككها.
ومن أخبار صحف أمس الخميس 8 إبريل/نيسان، نفت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، إلغاء الدراسة في جميع المدارس بدءاً من شهر رمضان، أو اعتماد نتيجة شهر مارس/آذار كنتيجة نهائية للفصل الدراسي الحالي
ستلجأ لهذا
استبق عماد الدين حسين في “الشروق” كثيرين بتوقع السيناريو الإثيوبي المقبل: “سمعنا لغة إثيوبية عنترية فجة وجوفاء لا تتناسب مع الواقع إطلاقا تجاه مصر طوال السنوات الماضية. والسؤال المهم: كيف ستتصرف إثيوبيا بعد الخط الأحمر، الذي أعلنه الرئيس عبدالفتاح السيسي من مقر قناة السويس في الإسماعيلية يوم الثلاثاء قبل الماضي، وقال فيه بوضوح إنه «لا أحد يستطيع أن يأخذ نقطة مياه واحدة من مصر، ولا أحد يتخيل أنه بعيد عن قدرة مصر. وإن المساس بالمياه خط أحمر، وسيعرض المنطقة لحالة من عدم الاستقرار». هذا الخط الأحمر كرره السيسي خلال افتتاح مجمع إصدار الوثائق المؤمنة. السيناريو الأول هو أن تعلن إثيوبيا أنها لن تضر بحقوق مصر والسودان المائية، وأنها منفتحة على المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الافريقي، وفي الوقت نفسه تصر على إكمال الملء الثاني لسد النهضة، حتى لو لم يتم التوصل لاتفاق قانوني وملزم. هذا السيناريو، أعلنته إثيوبيا بالفعل، ورفضت خلاله أي تأجيل للملء الثاني بحجة أنه يجعلها تخسر 2 مليار دولار. وأغلب الظن أن إثيوبيا ستكون حريصة جدا وهي تنفذ الملء الثاني على عدم تأثر حصة مصر من المياه هذا العام، حتى تقول للعالم كله: نحن نفذنا الملء، وفي الوقت نفسه لم تتأثر حصص مصر والسودان. وسيكون من حسن حظ إثيوبيا أن يأتي إيراد النيل عاليا هذا العام، مثلما كان العام الماضي، بحيث إنه أدى إلى فيضانات كثيرة في السودان. السيناريو الثاني، هو التصعيد وهو ليس مستبعدا، بل هو مفيد جدا لآبي أحمد لتوحيد الجبهة الإثيوبية الداخلية شديدة الهشاشة، التي زادت في الشهور الأخيرة بعد حرب آبي أحمد وجماعته العرقية الأورومو، ومعهم الأمهرة وإريتريا، ضد عرقية التيغراي”.
ربما توحدهم
واصل عماد الدين حسين: “الحرب الأهلية تركت ندوبا وجروحا وتشوهات في إثيوبيا، يصعب أن تلتئم بسهولة، بل المرجح هو حرب عصابات مستمرة اعترف بها أحمد قبل أيام. المجتمع الإثيوبي يعاني مشاكل اجتماعية وإثنية وسياسية واقتصادية كثيرة جدا، والعلاقات بين عرقياته شديدة التوتر والتوجس والريبة، ورأينا كيف تحالف كثيرون ضد التيغراي، للانتقام من تفردهم بالسلطة منذ إطاحة نظام منغستو هايلي ماريام الماركسي، أوائل التسعينيات من القرن الماضي. أحمد يراهن على أن أي مواجهة مع مصر تعني توحيد البلاد الممزقة، خصوصا أن قادة إثيوبيا منذ مئات السنين يخدعون شعبهم، بأن كل مشاكلهم خصوصا الفقر والتخلف سببها مصر، يكذبون عليه، ويقولون له إنها تحصل على الحصة الأكبر من مياه النيل، علما أنها تحصل على 55 مليار متر مكعب فقط، مقابل أكثر من 900 مليار متر مكعب لإثيوبيا، والمشكلة الأساسية لديهم إضافة إلى الهضاب غير المستوية، هي غياب الموارد والتمويل والكفاءة الفنية. قد يكون رهان آبي أحمد صحيحا على أن المواجهة ستوحد الإثيوبيين مؤقتا وتفيده انتخابيا بعد شهور، لكن الصحيح أيضا أنها قد تعجل إذا تمت بسقوط نظامه، لأنها ستبعث برسالة مهمة لشعبه، بأن أحمد غامر وقامر بشعبه. وبالنسبة لنا في مصر، فالأمر لا يعنينا أن تؤدي المواجهة إلى توحيد أو تفرقة الشعب الإثيوبي”.
مع سبق الإصرار
أكد الدكتور أحمد المفتي الخبير الدولي وممثل الخرطوم السابق في مفاوضات سد النهضة، أن إثيوبيا أفشلت اجتماعات كينشاسا بنسبة 100%. وأضاف المفتي، لـ”مصراوي”، أن إثيوبيا استغنت عن عبارة (الملء والتشغيل من أجل توليد الكهرباء)، والتي خدعت بها السودان ومصر طوال 10 سنوات، واستخدمت عبارة (المحاصصة والبيع) بدلا منها. وأوضح المفتي، أنه لا خيار أمام السودان ومصر سوى تدخل مجلس الأمن لوقف أنشطة إثيوبيا في السد، بما في ذلك الملء الثاني، لحين الوصول إلى اتفاق ملزم يرضي الدول الثلاث. ولفت إلى أنه في حال اللجوء لمجلس الأمن سيكون طلب مصر والسودان من المجلس، إصدار قرار ملزم لإثيوبيا بوقف عملية بناء السد لحين التوصل لاتفاق ملزم وعادل بين الأطراف الثلاثة، فضلا عن وقف الملء الثاني، الذي تحدثت عنه أديس أبابا. وحول جدوى اللجوء لمجلس الأمن، أوضح الخبير الدولي: يمكن لمجلس الأمن إلزام إثيوبيا بذلك، لكنه قد لا يفعل، والمهم لا تملك مصر والسودان أن يتحركا في الحل العسكري قبل اللجوء إلى مجلس الأمن. وأشار خبير التفاوض الدولي، إلى أنه في حال فشل الخيار الخاص باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، لوقف عمليات بناء السد، لن يكون هناك أي خيار آخر سوى الحل العسكري، في ظل رفض إثيوبيا التوصل إلى اتفاق ملزم.
من يحميها؟
أسئلة تتردد في أذهان الكثيرين سعى للإجابة عليها سامي صبري في “الوفد”: المصريون يتساءلون: لماذا تتصلب أديس أبابا؟ ولماذا الآن فقط ترفض الاعتراف باتفاقيتي تقسيم مياه النيل؟ وهل هناك دولة بعينها تحميها وتقف خلفها وتدعمها في الخفاء؟ وأليس هناك رجل رشيد يفهم هؤلاء ويوعيهم بمخاطر وعواقب الرسالة القوية، التي بعث بها الرئيس السيسي خلال تصريحاته الأخيرة، يحذر فيها وبشدة من المساس بحقوق المصريين في مياه نهر النيل؟ ألا يوجد من يترجم لهم معنى صبر مصر، وقيادتها السياسية طيلة السنوات الماضية من المماطلة والتسويف والغطرسة، وقول الرئيس «المياه خط أحمر.. والعمل العدائي يؤذي الشعوب»؟ من الواضح أن فشل الحكومة الإثيوبية داخليا، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، هو ما يدفعها لهذا الإصرار على الملء الثاني للسد والمحدد له يوليو/تموز المقبل، لتحقيق هدفين رئيسين لا ثالث لهما: الأول، محاولة توحيد الشتات الداخلي تجاه قضية معينة تلهي الشعب عن إخفاقات الحكومة وفشلها الذريع في إنقاذ إثيوبيا من الإفلاس، والثاني هو إشعال المنطقة بمحاولة دفع القيادة المصرية لاتخاذ القرار الصعب، لإيهام العالم بأن مصر هي التي بادرت بالاعتداء، وتعريض القرن الافريقي للخطر. القيادة السياسية تعي تماما هذا المخطط، ولا تريدها حربا تقلب كل موازين المنطقة، ورسالة الرئيس كانت واضحة وضوح الشمس «إذا أحد جرب..» ومع ذلك يواصل أبي أحمد وفريقه إغلاق كل نافذة أمل في أصعب ملف تشهده القارة السمراء في القرن الحادي والعشرين، ولكن ما العمل الآن؟ فلو تركت مصر إثيوبيا تقوم بعملية الملء الثاني سيكون من الصعب جدا بعد ذلك إثناء أديس أبابا عن أي قرار، بل على العكس ستواصل عنادها. إثيوبيا التي لم تنسَ عداءها التاريخي مع مصر، تريد فشل المفاوضات، حتى تسير في طريقها لملء السد وفرض سياسة الأمر الواقع.
إثيوبيا وذيولها
إصرار إثيوبيا على المضي قدما في تنفيذ خططها للملء الثاني لسد النهضة بدون الاتفاق مع مصر والسودان طبقا لإعلان المبادئ، يعد وفق رأي علي الفاتح في “البوابة نيوز” حرب مياه متكاملة الأركان ضد 150 مليون مواطن مصري وسوداني. والمؤكد أن تداعيات هذا الملء ستتفاقم لاحقا، وهذا ما يعني بعبارة أخرى أن أديس أبابا بتعنتها وموقفها المتسلط بصدد شن حرب مياه ضد الشعبين المصري والسوداني، بكل ما تعنيه الكلمة. تصريحات المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإثيوبية دينا مفتي بشأن بيع الفائض من مياه النيل، بعد استكمال بناء السد، تؤكد أن حكومته بالفعل بصدد إرهاصات هذه الحرب، فالأمر لا يختلف بين استخدام أقوى أسلحة الدمار الشامل، أو بناء سد لحجب المياه، إذا كانت النتيجة في النهاية واحدة.. ما انتهى إليه الموقف الإثيوبي تجاه مفاوضات سد النهضة يؤشر إلى أن أديس أبابا ماضية في مخططها لارتكاب أبشع الجرائم، فبعد أن كان حديث المفاوضات مركز على ضرورة وجود اتفاق قانوني ملزم بشأن سنوات الملء، بدأت إثيوبيا تتحدث عن ضرورة إعادة تقسيم حصص مياه النيل ضاربة، الحائط بكل الاتفاقات الدولية التي أبرمت منذ عام 1902 وتضمن حصول مصر والسودان مجتمعين على 70 مليار متر مكعب فقط من إجمالي المياه التي تجري في النهر، والتي يتجاوز حجمها أكثر من 1000 مليار متر مكعب. لن يسمح أبي أحمد بجريان ولو قطرة مياه واحدة في مجرى النيل الأزرق، هذا ما يمكن فهمه على الأقل من سياق تلك التصريحات والمواقف. الاتحاد الافريقي برئاسة دولة جنوب افريقيا أضاع مئتي يوم على الأقل في مفاوضات عبثية. كل الخيارات مفتوحة تمنح أديس أبابا بدائل جديدة وفرصة أخيرة قبل الخيار الأخير، الذي ستكون انعكاساته على الاستقرار في المنطقة أقل فداحة بكثير من ترك إثيوبيا تستكمل حرب التعطيش ضد شعبين عبر سد الخراب.
لن نتساهل
خلال أقل من أسبوع، كانت هناك أحداث ورسائل متعددة من مصر للداخل والخارج، كلها كما تأملها أكرم القصاص تتعلق بفكرة الأمن والتنمية الحاضر والمستقبل، وعلى الرغم من تعدد الأحداث وتنوعها باتجاهات مختلفة، فقد ربطتها فكرة واحدة، بدءًا من إنهاء أزمة السفينة الجانحة، مرورا بتنظيم موكب المومياوات الملكية، وحتى افتتاح مجمع الوثائق المؤمنة، الذي يرتبط بالكثير من التفاصيل التي تتعلق بحياة الناس، وحفظ الأوراق والبيانات واستخراجها وتوثيقها، وإنهاء عصر الأوراق والأختام. افتتاح مجمع الوثائق المؤمنة في العاصمة الجديدة، خطوة في طريق حفظ الوثائق والمعلومات، وتسهيل إصدار البيانات والمعلومات، وما يتعلق بضبط المعلومات الخاصة بإدارة الدولة، والجهات الحكومية، والتعليم، والضرائب والقضاء وغيرها، وكلها أمور تتعلق بالدولة والمواطن. افتتاح المجمع كان مناسبة لإعادة تأكيد موقف مصر من سد النهضة، باعتبارها القضية الأهم في الفترة الأخيرة، التي تتضمن الكثير من التساؤلات، لأنها تتعلق بقضية مصيرية لا يمكن التساهل فيها بأي درجة. الدولة في مصر لم تتوقف خلال السنوات الماضية عن العمل في الملف، بكل التفاصيل والخيارات، وفي المقابل فإن مصر تدرك مبكرا أن هناك أطرافا، ربما لا تكون لديها الإرادة أو القدرة لحوار جاد. مصر تطرح أولا الحلول السلمية والتفاوض والاستناد إلى الحقوق التاريخية والقوانين الدولية، مع حفظ حقوق مصر، خاصة أننا نتحدث عن آلاف السنين ظل فيها النيل يتدفق إلى دول المصب، وبالتالي فلا يمكن أن يكون محل نقاش أو خلطا للأوراق.
ما لا يسركم
كشف أكرم القصاص، عن أن الرئيس السيسي جدد موقف مصر من أن الخيارات كلها مفتوحة، والتعاون أفضل من المواجهة، وأن مصر احترمت حق إثيوبيا في التنمية بشرط عدم المساس بمصالحها، ومن الواضح أن الجانب الإثيوبي يمارس المناورة ويسعى لتضييع الوقت، في ما يتعلق بالمفاوضات، ولهذا فقد انسحبت مصر من آخر جولات التفاوض، بعد تأكد رفض إثيوبيا للمقترحات المصرية والسودانية. كلام الرئيس تأكيد لما سبق وأعلنه في قناة السويس، أن مصر لا تتنازل عن نقطة مياه واحدة، وأن الصبر والتعاون أفضل من الصدام، الذي لن يكون في صالح أي طرف من الأطراف، وأيضا سوف ينتج عدم استقرار في افريقيا والمنطقة والعالم، لأنه يتعلق بمنطقة حيوية ودقيقة، وسبق وأكد الرئيس أنه لا يفترض لأي طرف أن يظن أنه يمكن أن يفرض أمرا واقعا يغير به تفاصيل آلاف السنين، وكرر هذا الكلام أثناء افتتاح مجمع الوثائق المؤمنة، حيث أكد أن مصر تقدم الحوار، لكنها تحتفظ بكل الخيارات والأوراق في قضية لا يمكن التهاون بشأنها. وأن مصر والسودان ينسقان العمل معا، باعتبارهما دولتي المصب للنيل، فضلا عن أن الضرر الأكبر من أي مشكلات تتعلق بسد إثيوبيا تصيب السودان بقدر ما تؤثر في مصر، وهو ما يعني مصالح مشتركة للبلدين، كل هذه الخطوط والخطوات المصرية الأخيرة، تضع كل السيناريوهات للتعامل مع قضية المياه والنيل.
لا مفر منه
ما زال محمود غلاب مصراً كما قال في “الوفد” على بقاء حبل الود متصلاً مع إثيوبيا: رغم المماطلة الإثيوبية، ورغم الشحن ضد الصلف الإثيوبي إلا أننا نريد أن نبقى في معركة التفاوض للوصول إلى حقوق مصر والسودان في المياه، وحق إثيوبيا في التنمية، ولا نريد حرب الضرورة، ولكن إثيوبيا تماطل لإضاعة الوقت، ولا يمكن الاستمرار في التفاوض إلى ما لا نهاية، والوضع أصبح مؤسفا، ووضع المجتمع الدولي ايضًا يدعو للأسف. وأمام هذا الصلف الإثيوبي، فإن الخروج من هذا المأزق يتطلب مراجعة إثيوبيا لحساباتها، وأن يقوم المجتمع بتنبيهها إلى هذه المخاطر، نحن مع شعب إثيوبيا في الخروج من أزماته بالتنمية، ولكن لا نقبل المساس بحقوقنا التاريخية في مياه النيل. هناك نظرة أخيرة قد تنقذ الموقف المتأزم، قد يلجأ إليها رئيس الكونغو الديمقراطية، باعتباره رئيس الاتحاد الافريقي، وهي اللجوء إلى القمة الرئاسية لدعوة رؤساء الدول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوضع المتدهور في المفاوضات، رغم أننا حضرنا قمما كثيرة قبل ذلك وأجهضتها إثيوبيا، حاليا الفكرة ليست في التفاوض، ولكن في شكل التفاوض، لأن مائدة المفاوضات مع إثيوبيا، كما عرفتها وزيرة خارجية السودان تدور في شكل دائري، أي لا تتوقف عند هدف يراد تحقيقه. الهدف الذي لن يتنازل عنه المصريون هو الحفاظ على حقوقنا من مياه النيل، بدون انتقاص قطرة واحدة، نحن لا نهدد أحدا، كما قال الرئيس السيسي، وحوارنا دائما رشيد. نحن نتمسك بسلام القوة، وننفذ جميع الخطوط الحمر التي نضعها، والرئيس السيسي يملك تفويضا من أكثر من مئة مليون مصري بالإجراء الذي يراه مناسبًا بما فيه خيار القوة. في إمكان إثيوبيا أن تبقي على سد النهضة من أجل الخير والنماء وتساعدها مصر في ذلك، ولكن إذا استمر عبثها فقد أعذر من أنذر.
الجميع خاسرون
جميع الأطراف خاسرة في أي حرب، بمن فيهم المنتصر. هكذا استشهدت نشوى الحوفي في “الوطن” بكلمات الحكيم الصيني سون تزو منذ ما يزيد على 2500 عام في كتابه الخالد «فن الحرب». تابعت الكاتبة، قد تتساءل كيف للمنتصر أن يخرج خسراناً من الحرب؟ فيجيبك سون تزو بأن المنتصر يوجّه كل إمكانياته العسكرية والاقتصادية للحرب لينتصر فيها، وهو ما يؤثر في حركة التنمية الداخلية في بلده. إذن هل يعني هذا أن سون تزو لا يحبّذ خيار الحرب؟ نعم ولذا جعله آخر خيار عليك اللجوء إليه، إذا ما اضطرتك ظروف الأزمة المحيطة بك إلى ذلك. بمعنى لا تجعله خيارك الأول بل الأخير. ربما يجيب ذلك على البعض ممن تابعوا تصريحات الرئيس السيسي التي قال فيها: “نحن لا نُهدّد أحداً، ولكن لا يستطيع أحد أخذ نقطة مياه من مصر، وإلا ستشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد، ومن يريد أن يجرّب فليتفضل”. كان تصريح الرئيس حاسماً وقاطعاً انتظره كثيرون منذ سنوات بدء التفاوض على مياه السد وتوقيع اتفاق حُسن النوايا بين مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015، لكن مقولة سون تزو تفسر لك صبر مصر لمدة ست سنوات قضتها في التفاوض رغم يقينها من عدم جدية الطرف الآخر، فالعقلية العسكرية المصرية تؤمن دوماً بالحرب كخيار أخير. إذن ما المتوقع في الأيام المقبلة، وهل تعني تلك التصريحات وصول الأزمة إلى حائط مسدود؟ ربما، ولكن هناك بعض الأخبار التي يمكن منها فهم استمرار التفاوض وبقوة لإحداث التأثير المطلوب على موقف إثيوبيا، بشتى الطرق ليكون خيار المواجهة هو الأخير إذا اضطرتنا إثيوبيا إلى ذلك.
تنتظر الثمن
وجَّه الرئيس السيسي رسالة للمسؤولين في إثيوبيا قائلا: «بلاش مرحلة إنك تمس نقطة مياه من مصر.. الخيارات كلها مفتوحة.. التعاون أفضل». تحذير يراه حمدي رزق في “المصري اليوم”، لا لبس فيه، مياه النيل خط أحمر، والخيارات كلها مفتوحة، والتعاون أفضل.. هذا خطاب مصر الرسمي بلا عنعنات أو مرويات أو حكي منقول، لسان القيادة المصرية صريح وواضح وقاطع. مصر الكبيرة تتعامل بشرف في زمن عزَّ فيه الشرف، مصر عند كلمتها، كلمة شرف، وملتزمة بها التزام دولة تحترم اتفاقياتها الدولية، وتحرص على حسن الجوار، نتعاون في ما اتفقنا عليه، ونتوافق في ما اختلفنا فيه. غيرنا هو من تغير وتبدل، وحنث بالقسم الذي أقسمه أمام البرلمان المصري، رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، حامل نوبل للسلام، تولى يوم الاتفاق، وتكشفت نواياه، وعمد إلى تفشيل المفاوضات تواليا، ويجترئ على الحق المصري الثابت في المياه، قسمة السماء عنوانها العدل، وليس لبشر أن يغير إرادة الله، وعلى قول الرئيس «اللي عمله ربنا مش هيغيره بشر». الموقف الإثيوبي المتعنت ليس تعبيرًا عن غيبة الإرادة السياسية فحسب، بل وحضور «العداء السياسي»، إثيوبيا تستفز جارتيها (مصر والسودان) استفزازا ممنهجًا لجر المنطقة إلى ويلات الحرب على المياه، مدعومة من قوى تستبطن العداء لمصر، ومصر تجتهد في المفاوضات من منطلق قوة، اتساقًا مع منهجها السلامي الذي تنتهجه في المنطقة.
قط أسود
وواصل حمدي رزق في “المصري اليوم”، إثيوبيا، ومنذ بدء المفاوضات قبل عشر سنوات، تراوغ وتماطل على طاولة المفاوضات مع تصعيد إعلامي ممنهج قابلته مصر بالصمت الجميل، استنادا إلى موقف سياسي ثابت لا يتغير، المفاوضات هي الحل، وإن جنحوا للسلم. هناك «قط أسود» في ظلام المفاوضات، هناك من يشجع أديس أبابا على نهج العداء، هناك من يخطط لحرب مياه في المنطقة، يستحيل أن يتشكل الموقف الإثيوبي عدائيًا بكل هذا الصلف بدون ظهير دولي يسنده، مَنِ المستفيد من بناء السد بهذا الحجم؟ تحديدا من يكمن خلف حائط السد، من موَّل ويموِّل بناء السد؟ الـ«بير» (عملة إثيوبيا) لا يقيم سدا، هناك عملات أقوى في تمويلات السد، كهرباء السد ليست الهدف، لكن الطمع في إعادة تقسيم مياه النيل الأزرق خصما من حصة مصر والسودان، إثيوبيا باعت مياه النيل الأزرق خارج الحوض، وتنتظر الثمن من عطش المصريين. القيادة السياسية الحكيمة حددت الخط الأحمر، حصة مصر الثابتة تاريخيًا في مياه النيل الأزرق خط أحمر، ومن يقربها يجرب، وعلى إثيوبيا أن تتدبر قول الرئيس السيسي، وتتفهم أن مصر لا تقبل لي الذراع، وظهرها ليس إلى الحائط، وخياراتها وطنية، والحق في المياه حق في الوجود، ولن تقف القيادة السياسية مكتوفة الأيدي وإثيوبيا تسلب من شعبها الحق في الحياة، كل الخيارات مفتوحة.
وماذا بعد؟
ما زال محمد أمين كما أخبرنا في “المصري اليوم” متأثراً باحتفال نقل المومياوات الملكية: كان العرض مبهرًا لأنه اعتمد على تضافر جهود الدولة والشركة المنظمة والأفراد المشاركين.. فرأينا عملًا جمعه الحب فوصل إلى قلوب مشاهدي العالم.. هذا هو ما أعنيه وهو أن تحب ما تعمل وتعمل ما تحب، لتكون منتجا ومبهرا.. وقد قلت بالأمس أن سر خلود ملوك مصر العظام، كان إتقان العمل، وأضيف اليوم وحرية التفكير والاعتقاد.. فقد صدَّروا للعالم اختراعات سبقت عصرهم بآلاف السنين، لأنهم فكروا بحرية.. نحن أمة زراعية وصناعية منذ آلاف السنين.. أيضًا أمة تعزف الموسيقى، وقد رأينا آلة الهارب على جدران المعابد والمقابر. وأرجو أن ننتقل من حالة الإعجاب إلى حالة التنفيذ.. فبالتأكيد العمل الذي يخرج نتيجة تنسيق وتعاون أطرافه، غير أي عمل يتشاجر أعضاؤه ويتحولون إلى قبائل متحاربة، وكل فريق يقف عند أخطاء الطرف الآخر.. والكلام هنا عن منظومة الإعلام.. والخناقة الدائرة الآن بين وزير الإعلام ورؤساء التحرير والفضائيات.. يحدث هذا في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لإدارة العمل بروح الفريق.. عندنا تحديات تحتاج إلى الاتحاد والتضافر من الشجار والخناقات. ما يحدث يشير إلى أن منظومة الإعلام سوف تسقط بيد أبنائها أكثر من أي خصم آخر.. وهو أمر غريب ينبغي أن يتوقف في الحال.. نريد أن تتدخل الدولة بكلمة.. أن تقول للإعلاميين كفاية، أو تقول لوزير الإعلام شكرًا.. هل هذا صعب؟ نحن نفقد مصداقية الإعلام بهذه الحروب القبلية.. كل قبيلة تحشد رجالها وتسن سكاكينها، وهذا غير مقبول في العمل العام في أي حال من الأحوال. باختصار، هذه الدولة تريد أن تنجح.. وقد نجحت بالتعاون والتنسيق.. ويجب أن نستنسخ التجربة في كل مكان.. فالإعلام لا ينجح بالتشتت والفرقة.. إنما ينجح بالتنسيق والانضواء تحت راية فريق واحد متناغم ومتناسق غير متناحر. وأخيرا فلو تعاملنا بمهنية وكل واحد يعرف تمامه على المدفع، لن تكون هناك هذه الحروب، التي يخسر فيها الكل، قبل الدخول في المعركة.
غير مرغوب فيه
عثر وزير النقل الملاحق من قبل عدد من الكتاب والإعلاميين، الذين يطالبون بإقالته على من يدافع عنه.. أحمد عبد التواب في “الأهرام”: “كان يمكن تدعيم منطق المطالبين بإقالته، إذا كانوا نادوا بتحقيق يحدد المسؤوليات، فإذا ثبت أنه مسؤول فما كان يمكن استنكار طلبهم. ولكن الواقع يقول إن هذه الحوادث المفجعة، التي لا يجوز تبريرها، ولا إعفاء المسؤولين عنها، قديمة ومتكررة منذ عقود نتيجة إهمال حكومات متعاقِبة، مع تراخٍ تفشى لدى بعض العاملين، جعلهم يشوهون صورة زملائهم الملتزمين، بل إن الوزير جاء في عقب كارثة كبيرة، بتكليف محدد أن يقضي على أسبابها، وأن يحقق تطويراً نوعياً في قطاع النقل. فأما الخطأ الكبير فهو توقع أنه كان يمكنه، هو أو غيره، أن يحقق كل الآمال فوراً بعصا سحرية. وأما الحقيقة الواضحة فهي أن الرجل استكمل جهوداً ضخمة بدأت قبله بسنوات قليلة، فانتقلت مصر في التصنيف العالمي لجودة الطرق 90 مركزاً، من المركز 118 إلى المركز 28، بإنجازات يراها المصريون في نحو 600 كوبري جديد، إضافة إلى 325 كوبري ونفقا جارٍ تنفيذها، مع تطوير شبكة مترو الأنفاق، ومشروعات المونوريل والقطار الكهربائي والقطار السريع، إلخ. وقد سبق كل هذا بعمله العظيم عندما كان رئيساً للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بالإشراف على حفر 5 أنفاق عملاقة أسفل قناة السويس. لاحِظ أن الحوادث المؤسفة تقع قبل وبعد كارثة قطار سوهاج، وبعضها لا دخل للهيئة فيها. ففي دمياط (5 مارس/آذار) لقي فتى عمره 14 عاماً مصرعه في عبوره المزلقان أثناء مرور القطار! وأيضاً في الأقصر (6 إبريل/نيسان)، كان يمكن أن تقع حادثة أخرى عندما فوجئ سائق قطار أثناء مروره البطيء بحمار مربوط على شريط السكة الحديد، فنزل السائق من القطار، وفك رباطه واستكمل الرحلة”.
حلم اللقاح
تجربة مريرة مرّت بها كريمة كمال وهي في انتظار الحصول على لقاح كورونا بصحبة صديقة لها، حيث غادرتا المركز الطبي: “سرنا قليلا لنجد حديقة مغلقة بباب من الحديد، دفعناه ودخلنا، وبحثنا عن أكثر بقعة تخترقها الشمس واستسلمنا لدفئها الذي يتسلل إليك فيخدر جسدك كله، وجلسنا قرب الساعة عندما فُتح باب الحديقة ليدخل رجل يجر خرطوما طويلا، وما أن رآنا حتى اقترب منا ليقول لنا إنه ممنوع دخول الحديقة، فسألته أليست حديقة عامة؟ أجاب بالإيجاب، لكنه أردف أنه ممنوع الدخول والجلوس فيها، وعلمنا منه أن هناك حفلا من أجل يوم اليتيم سوف يقام فيها في المساء.. فقلنا له اعتبرنا من الأيتام، نحن نشعر بالبرد ونبحث عن الدفء، فرّق قلبه وقال إذا ما جاء أحد وسألكم أخبروه أنكم تبع الحفل. وعندما عدنا إلى مركز اللقاح كان الازدحام قد ازداد بشدة، وعندما سألنا عن الرقم الذي تم الوصول له، تبينّا أن ثمانية فقط قد تلقوا اللقاح، والسبب أن «السيستم وقع»، فقررنا العودة إلى المنزل ثم العودة بعد الظهر. يومان كاملان ما بين الذهاب والعودة حتى تلقينا اللقاح في اليوم الثاني في الثامنة مساء بعد أن تشاجرنا وصرخنا من عذاب الانتظار يومين كاملين، وبعد أن اكتشفنا أن الموظف نسي أن يضع لنا رقمنا فأصبحنا من المنسيين. بشعور شديد بالإرهاق عدنا إلى المنزل حيث للعجب كان يتم الإعلان عن قرارات رئيس الوزراء من أجل منع انتشار كورونا، التي كانت تنص على منع التجمعات وفي الوقت نفسه تتوارد الأخبار عن مهرجان الأقصر للسينما والاستعداد لإقامة غيره من المهرجانات، بل تتوارد دعوات من وزارة الثقافة لعمل إفطار في أيام رمضان.. فهل هذه حكومة واحدة؟ وهل يسيرها عقل واحد؟ وهل يتم حقا التصدي للوباء؟
رغم أنفه
مجزرة عائلية بطلها أب وضحيتها عائلته واهتمت أسماء أبو السعود في “الوطن بتفاصيلها: “زياد” تلميذ نابة في الصف الأول الابتدائي، كان المدرسون ينادونه بـ«الدكتور زياد»، متوقعين له أن يُصبح طبيبا عبقريا دفعه والده إلى طريق الإجرام رغماً عنه، بعدما استعان به في ارتكاب جريمة بشعة وُصفت بـ «مجزرة الفيوم». كانت ضحيتها أسرة الصغير، خالته وشقيقه اللذين لقيا مصرعهما على الفور، بينما والدته وشقيقاه وجدته، تم نقلهم إلى المستشفى وهم يصارعون الموت. زياد، هدده والده بالقتل واصطحبه لمنزل أسرة والدته، وطلب منه أن يحمل كيس الطلقات، وقف الطفل إلى جوار والده الذي أطلق النيران على شباك «ألوميتال» حتى تمكن من كسره، ثم طلب من طفله أن يسند له السلم الخشبي، ليتمكن من الصعود والدخول إلى المنزل، ثم طلب من طفله صعود السلم والدخول معه ومناولته «الطلقات الآلية» أولاً بأول. دخل زياد رفقة والده إلى منزل جدته، ثم دخلا إلى غرفة النوم فوجدا والدته وأشقاءه وخالته وطفلها وجدته يختبئون في غرفة النوم خوفاً من والده وترجوّه كثيراً ألا يقتلهما، وهم يتمهلونه بالوعود «كل شيء سيحل بالتفاهم»، ولكنه كان قد اتخذ قراره مُسبقاً بقتلهم. فتح والده النيران على ضحاياه من دون رحمة، وكلما نفذت الرصاصات منه طلب من «زياد» مناولته طلقات أخرى، حتى سقط الجميع غارقين في دمائهم، حيث انفجر رأس شقيقه الصغير «آدم» وأصيب نصف وجه والدته بطلقة أفقدتها عينها، وغرقت خالته في دمائها، وأصيب شقيقه وشقيقته كل منهما بطلقة في قدمه. أنهى عمرو الربعاوي الذي اشتهر بـ «سفاح الفيوم» جريمته واصطحب طفله للاختباء في منزل مهجور لمدة يومين، قبل أن تأتي قوات الشرطة التي نجحت في إخراج زياد بعد تصفية والده، وأمرت النيابة بإيداع زياد في إحدى دور الأيتام لعدم تقدم أي شخص لاستلامه.