عطوان أو الاستثناء ‘السيادي’ في الصحافة العربية

ترجل فارس ‘القدس العربي’ الصديق الأستاذ عبد الباري عطوان في الظروف التي ألمع إليها في مقالته الوداعية المؤثرة هو أحدث الأدلة على مدى هشاشة الإعلام في البلاد العربية. إعلام لم ينشأ استجابة لقوانين العرض والطلب في اقتصاد حر أنضجته تحولات المجتمع المدني المالك لأمره السيد على نفسه. إعلام ليس قراره في يده. إعلام ملزم بأن يعرف قدره في مجتمعات لم تحسم أمرها في أي من الخيارات الحضارية الكبرى ولم تكسب حتى اليوم ولو معركة واحدة من معارك الحداثة. إعلام مسالم في الداخل، ولكن إرغامات البقاء لا تعفيه من شروط المسالمة والموادعة والانخراط في حالة الإجماع السائدة حتى لو اتخذ من المهجر ملاذا (نظريا). إعلام عربي لا استثمار فيه تقريبا إلا بالمال السياسي.
وقد أثبتت الثورات الشعبية العربية، وما واكبها وأعقبها من أحداث وظواهر، أن المال السياسي قد يرخي العنان أحيانا، بل أعواما، لأدواته الإعلامية من جرائد وإذاعات وفضائيات حتى يخيل للجمهور أنها مؤسسات تسير بقوة الدفع الذاتي أو تطير بأجنحة الجدارة، أي تستمد مقومات بقائها من اندراجها الناجح في منطق الاقتصاد الحر. ولكن الفترة، الطويلة نسبيا، التي انتشر فيها هذا الانطباع قد انقضت. أي أن الاستثناء قد انتهى لتستعيد القاعدة إطلاقيتها. قاعدة يعبر عنها المثل الانكليزي الشائع: من يدفع للعازف هو الذي يختار المعزوفة.
ملاحظتان. الأولى أن الأستاذ عبد الباري (أو ‘باري’ كما درج على مناداته مقدم برنامج ‘دايتلاين لندن’ على تلفزيون بي بي سي، غافن أزلر) قد يكون رئيس التحرير الوحيد في البلاد العربية الذي لم يكن يبذل جهدا في الاهتمام (ناهيك عن الالتزام) برأي الجهات التمويلية في القضايا السياسية ذات الأولوية بالنسبة إليها. بحيث أنه كان يتمتع بوضع ‘سيادي’ -انتزعه لنفسه انتزاعا- لم يكن يحتكم بمقتضاه إلا لرأيه الشخصي. وهذه حالة فريدة من الاستقلالية الراديكالية التي عزّ نظيرها في الإعلام حتى في أعرق الديمقراطيات الليبرالية. إذ لا يمكن لرئيس تحرير جريدة التايمز، مثلا، أن يتجاهل آراء روبرت مردوخ وميوله السياسية. ولعل رئيس التحرير الوحيد الذي ناور بنجاح في هذا المجال هو أندرو نيل الذي كان رئيس تحرير الصنداي تايمز (وهو الذي نشر عام 1986 تسريبات موردخاي فانونو عن البرنامج النووي الإسرائيلي) وتمكن من مغادرتها، منتصف التسعينيات، دون أن يقدم لمردوخ أي تنازلات في المسائل التحريرية. ويمكن لمن يتابع برامجه السياسية الشيقة على البي بي سي أن يلاحظ أن الرجل ثابت على استقلالية فكرية منعشة هي جوهر الشخصية المحترمة لذاتها عبر احترامها للآخرين. الملاحظة الثانية أن في المال السياسي العربي من تقلبات المزاج أكثر مما فيه من ثوابت السياسة، حيث أنه لم يبد حتى اليوم درجة معقولة من التماسك الاستثماري إلا ربما في حالة الإعلام السعودي. ولهذا فطالما ظل الإعلام العربي معتمدا على المال السياسي، أي على الحكومات أو الجهات القريبة منها، فإنه سيبقى ‘مستطيعا بغيره’، أي رهن المنح والمنع. قضية تقع في المركز من تطلعات المرحلة القادمة وتحولاتها: أن يتحرر المواطن ويستقل المجتمع المدني بحيث تكون مؤسسات الإعلام الحر ثمرة لحركيات اقتصاد وطني إنتاجي لا ريع فيه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية