‘عائد الى حيفا’ على المسرح في بيروت رغم الطقس العاصف

حجم الخط
0

حكاية تتكثف فيها المشاعر العاطفية والوطنيةبيروت ـ ‘القدس العربي’ – من زهرة مرعي ‘عائد إلى حيفا’ على خشبة المسرح في 62 دقيقة، هي عمر التيه على ضفاف فلسطين. حكاية تفتح على دراما تتكثف فيها المشاعر الشخصية العاطفية، مع المشاعر الوطنية المبدأية، فتبلغ حدود التراجيديا.

هذا الأسبوع أقبل رواد المسرح في بيروت رغم الطقس العاصف جداً بحماس لمشاهدة ‘عائد إلى حيفا’ التي عرضت في مسرح بابل في الحمراء بإنتاج من مؤسسة غسان كنفاني الثقافية.

المخرجة لينا أبيض تولت مسؤولية ليست باليسيرة، لأنها كانت حيال حكاية منتشرة بين الناس، سواء عبر القراءة ـ فقصص غسان كنفاني واسعة الانتشار، ومنها عائد إلى حيفا بشكل خاص ـ أو عبر التناقل الشفهي حيث حكايات إنسانية لا تحصى تتناقلها الإجيال عن الذين أجبروا على الهجرة ونسوا أولادهم أو أجبروا على تركهم. وكذلك عبر التناول الفني، فالحكاية جسدت في أكثر من فيلم ومسلسل تلفزيوني.

التكثيف كان من المهمات الأولى التي تصدت لها المخرجة بنجاح. بين مفصل وآخر من العرض كانت توجز دهراً من الغصة والألم والتساؤل والصبر الذي ينبع من تلك الجملة المعبرة: غاب نهار آخر.. غربتنا زادت نهارا.. واقتربت عودتنا نهارا. كثفت لينا أبيض لكنها ظلت قابضة على روح الحكاية في إرهاصات اجساد الممثلين ومشاعرهم، وفي أكثر من مشهد شكل لحظة قمة في عطائها الفني هذا. في اختصار الحكاية كما ورد في الكتيب المرفق سنة 1948، وبالتحديد الواحد والعشرين من نيسان/ابريل، يرغم صفية وسعيد وهما زوجان شابان على مغادرة مدينتهما بشكل مفاجئ وعنيف. وهذا العنف يمنعهما من اصطحاب طفلهما الرضيع الذي سيبقى في منزلهما. بعد عشرين عاماً، عندما سمح الإسرائيليون للفلسطينيين بزيارة بيوتهم القديمة، يكتشف سعيد وصفية أن بيتهما ما زال كما تركاه، ولكن تسكنه إسرائيلية من أصل بولوني اسمها ميريام ومعها ابنها دوف الجندي الاحتياطي في الجيش الإسرائيلي، وهو ليس إلا ابنهما الذي لم يتمكنا من اصطحابه معهما.

حضور العرض المسرحي غلب عليه عنصر الشباب، كانوا في غاية الإصغاء والترقب لكل مفصل في مسار الحدث والسياق الفني الذي وضع به. جاري في المقعد، شاب في العشرينات غلب عليه التأثر منذ اللحظات الأولى للعرض فأجهش بالبكاء. على مدى زمني طويل قد يكون تخطى نصف زمن البعد عن فلسطين بين عائد إلى حيفا وما تختزنه من دلالات وبين هذا الشاب الذي تعرفت إلى شكل وجهه وأحسست بكم كبير من الكبت الوجداني داخله، وبين تلك الصورة الموجودة فوق سرير ابني حيث كتب عليها بخط اليد ‘فلسطين أكبر من جرح’ تأكدت من أن فلسطين ستعود. لأنها لا تفارق وجدان بشري.

بالعودة إلى مسرح لينا أبيض فهو خشبة لها دلالاتها: سيارة تسير فيها سعيد وصفية، منزل وباب ومفروشات وسيدة تحيك الصوف، عريس وعروس يتابعان الحركة من فتحة لا هي باب ولا هي مكان مفتوح على مدى غير محدود. طفل يحمل بيديه الاثنتين ريشتي طاووس ويتابع السير ببطئ وبحركة لا تتبدل وطوال العرض لم ينبس بكلمة.

صفية وسعيد يتحاوران في معنى زيارتهما لحيفا بعد 20 سنة من الرحيل. هو غير متحمس، وهي تشدها أمومتها للبحث عن خلدون بعد أن باءت كل محاولات السؤال عنه على مدى 20 سنة بالفشل. في هذا الحوار كثير من الدراما ومسحة من الكوميديا السوداء. بعد أن تحزن صفية لأن زوجها لا يحمل ذات مشاعرها حيال رحلة السؤال عن خلدون تقول له: كل الجيران أجو تصوروا جنب بيوتهم إلا إحنا. وفي هذه الجملة قدر عظيم من السخرية والغضب المتمثل في الاقتلاع.

مشهد القمة الأول في هذا العرض تمثل بدخول صفية وسعيد إلى دارتهما وترحيب السيدة اليهودية بهما. يتفقدان مقتنياتهما التي لا يزال أكثرها على حاله. ويتعرفان إلى حكاية دوف الذي هو ابنهما خلدون. ويتكثف زمن انتظار دوف الذي يفوق في ثقله عمر الهجرة، يصل ببزته العسكرية. وتكون الصدمة ومشهد الذروة الآخر وتفجع الأم التي لم تستطع النظر إليه. تتكور على حزنها المدفون في داخلها منذ 20 عاماً وتجهش بالبكاء. ثقل الحياة على صفية وسعيد، عبء الهجرة الإجباري ‘ناس كانو مسكرين طريق رجعتي… سعيد عابطني وحيفا عم تبعد عني..’هذا ما حدث في الواقع. وهذا ما لم يستوعبه دوف فراح في سردية لوم لأهل وصفهم بأنهم لم يسألوا عنه طوال 20 سنة’. كل يحاكم الآخر من مفهومه الخاص. ويُكتب الانتصار للوطن، للقضية وتتخلى صفية عن الصور والذكريات وترحل مع سعيد من جديد بعيداً عن عواطف الأمومة والأبوة. نسأل المخرجة لينا أبيض عن البنية الأساسية التي حكمت رؤيتها المسرحية هذه؟ فتقول: إنهما سعيد وصفية اللذان يتذكران ذاتهما في بداية شبابهما وزواجهما، وقد تمثلت بصورة كل من الرجل والمرأة في ثياب العرس. وكذلك هوسهما بالطفل الذي تركاه في حيفا قبل هجرتهما قسراً. وهذا ظهر في الطفل الذي يحمل الريش ويسير طوال الوقت ببطئ، أو هو ينفخ الشموع على قالب الحلوى في عيد ميلاده، أو هو يلعب بالكلل. إنها النوستالجيا الخاصة بتلك العائلة. لكن بعد كل هذه النوستالجيا يحدث في شخصية سعيد وصفية تحول مهم جداً حقيقتة هي الوعي. فعندما أعادت صفية الصور لدوف فهي حققت انفصالها مع الماضي.* لماذا تعددت القمم في عائد إلى حيفا؟ * ثمة حالات متعددة في هذا النص يمر بها الناس. أهمية المسرح برأي في قدرته على تظهير مثل تلك القمم، التي تنبئ أو تشير إلى تحول الشخصيات.* لماذا هذا الإحساس بالشحن العاطفي الذي يعيشه المتفرج على مدى 62 دقيقة؟* بتصوري أن ‘عائد إلى حيفا’ قصة متجذرة فينا. ليس بتصوري أن إنساناً عربياً أو حتى إن لم يكن عربياً لا يتجاوب مع هذه الحكاية الإنسانية بامتياز. قصة تحمل في بداياتها شوق عائلة لمنزلها وابنها المتروك. بتصوري التفاعل مع هذه القصة ليس مقتصراً على الإنسان الفلسطيني.* تفاعل الناس هذا هل هو دليل على نجاحك؟* ما كنت أخشاه أن يكوني عرضي غارقاً في الشعارات وهذا ما جربت كسره بقوة مع شخصية سعيد عندما يتساءل ما هو الوطن؟ وعندما يفكر أن حيفا تعود بالحرب. من المهم أن ينتبه المتفرج للوعي السياسي الموجود في كل من سعد وصفية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية