عادل ابو شنب: الشعر اصيب ببلاء هائل والقصة القصيرة تراجعت على يد شباب متسرع في الكتابة

حجم الخط
0

روايته ‘ذكر السلحفاة’ طبعت في بيروت ومنعت في دمشقفاطمة عطفةدمشق ـ في الأيام الأخيرة من رمضان، ومع رحلة طيران الاتحاد من أبو ظبي إلى دمشق، جلست أتأمل القادمين وكل يأخذ مكانه، وإذ بشاب وسيم يجلس في المقعد المجاور. كان يحمل بيده كتابا بعنوان ‘فتح القسطنطينية’، ولأول مرة أشعر بالغيرة وهي بعيدة عن طبعي، لكن هذا الشاب الذي يحمل الكتاب ذكرني بأنني، وبسبب سرعتي، نسيت كتاب ‘مملكة التنين’ للروائية إيزابيل الليندي، وكنت قد وضعته جانبا ليرافقني في سفري. وما ان جلس الشاب حتى بادرته بقولي: أهنئك أنك لم تنس أن يكون الكتاب رفيقك، فرد بكل احترام: بإمكانك، بعد انتهائي من القراءة، أن تستعيريه. شكرته وعرفته بنفسي حتى لا أبدو متطفلة، وعرفني باسمه ثم أضاف: ‘أنا عمي عادل أبو شنب’. ومن في دمشق والوسط الثقافي السوري لا يعرف عادل أبو شنب؟ تركت الشاب لكتابه وعدت بذاكرتي أستعرض أسماء وصورا لعدد من أعلام الأدب والثقافة العربية الذين عطروا حقبة زمنية بأهم ما فاضت به الأقلام والصحف والإذاعة والتلفزة من هواجس الثقافة وقضايا الأمة وتطلعات مبدعيها طوال النصف الثاني من القرن الماضي، وما زال بعضهم أطال الله أعمارهم- مصابيح إبداع، ومن هؤلاء الأعلام عادل أبو شنب. استأذنت الشاب وطلبت رقم هاتف عمه، فهذا أديب من رواد القصة القصيرة في سورية أعطى الكثير في القصة والمسرح والرواية والدراسات، إضافة إلى المقالات الدورية والمساجلات الصحافية. وكانت هذه المصادفة الطيبة محطة انطلاق للبحث عن هؤلاء الرواد والحوار معهم. ولعل الواجب يقضي بأن نهتم بهم وبأعمالهم، أكثر فأكثر، ونتابع ما قدموه وما يقدمونه حتى الآن للأجيال التي جاءت بعدهم. وفي مكتبه الخاص في مقهى الروضة، كان هذا اللقاء.*الأستاذ عادل أبو شنب من مواليد عام 1931 وأول مجموعة قصصية له كانت بعنوان ‘عالم ولكنه صغير’، هل ما زال العالم الأدبي في البلاد العربية صغيرا؟* ‘لما كثر الإنتاج ودخل عالم المال إلى الأدب وكبرت الشللية، وبذلك صارت تجمعات الأدباء تعني أن يكتب أفراد، وكان دور النقد موجودا. الآن، بوجود مواقع بالإنترنت تتعرض إلى هذه الكتابات النقدية بدأت تظهر نقود حول الحركة الأدبية ولكن على استحياء، هذه الأبواب بالإنترنت مكرسة للسياسة أكثر منها الأدب، إلا أنني أرى عودة إلى النقد، رغم أن الشللية ما زالت قائمة حتى الآن، بشكل ما. مثلا، هناك أديبة كتبت رواية عن شذوذها حمست بعض الأدباء ممن يحبون هذا النوع من الأدب أن يكتبوا عنها وأن يشتموا الذين يناهضون فكرها، مع ذلك أنا أرى أن هناك تباشير بحركة نقدية يشارك فيها الإنترنت والوسائل المطبوعة أيضا’.* طبعا سننتقل من الأدب إلى الأطفال، كنت رئيس تحرير مجلة أسامة قبل أكثر من أربعين سنة، ما هي علاقتك بالطفل؟ وعلاقة الكلمة بالأطفال ودرجة تأثيرها؟* ‘حسنت وزارة الثقافة والإرشاد أحوال الأدباء فوجدتني أصلب عودا فاختارتني لتأسيس مجلة أسامة. سألت نفسي: ما الذي يجب أن يقدم للأطفال؟ وجدت المجلات التي كانت سائدة في ذلك الزمن، بعد نكسة حزيران/يونيو، مجلات مصرية وأوروبية كـ ‘تان تان’ وغيرها، ووجدت بأن بعضها يمجد البطولة الفردية، ويمجد القتل المجاني. وكانت حركة الفدائيين على أشدها، فاخترت لمجلة أسامة بطلا من الأطفال له ميزات السوبرمان، ولكنه يعمل لصالح قضيتنا الفلسطينية ولصالح الجهاد من أجل فلسطين، ولذلك عملت على إعداد سيناريوهات توجه هذا الطفل وتروي بطولات عنه. ولذلك، أحب الأطفال العرب هذه الشخصية. تصوري أننا كنا نطبع خمسين ألف نسخة من كل عدد، بعد ساعتين من صدورها لا يوجد أي عدد من المجلة. للأسف بعد أن تركت هذه المجلة واخترت لها هذا النوع من الأدب، غرقت المجلة في كتابات ليست صالحة للأطفال، لأنه معلوم أن نكتب للأطفال غير أن نصنع أدبا للأطفال، وأنا كنت أريد أن أصنع أدبا للأطفال لا أن أكتب للأطفال. لكن ما أراه الآن في مجلات الأطفال التي تصدر في العالم العربي، سواء كان في مصر أو سورية أو أي بلد عربي هو كتابة للأطفال ليس أدبا للأطفال، وهنا يكمن الفرق الجوهري في الكتابة للأطفال. تسألين ما هي الكتابة الأدبية للأطفال؟ يجب أن تختاري ألفاظك بحيث تناسب عقل الطفل ومفهومه وقدرته على الاستيعاب، وهنا لا يمكن أن يأتي أديب من الشارع ويكتب للأطفال لأنه سيكتب للكبار وليس للصغار، هذا هو الفرق بين الكتابة الحقيقية للأطفال وبين الكتابة المزيفة. أنا بالحقيقة لا أمتدح نفسي، ولكنني كتبت ضمن هذا المنهاج، كتبت أدبا للأطفال من قصص قصيرة وسيناريوهات مصورة، أردت أن أركز على المعاني السامية عند الفرد، المعاني التي تحرر الإنسان من زيف الفردية المستوردة، ومن زيف النزعة الأمريكية التي عجنت حياتنا حتى وصلت إلى الأفراد. اليوم في جريدة تشرين التي أكتب بها دوريا، تجدين مقالة كتب بها عن ألعاب تعلم القتل، صار هناك أكثر من مئة لعبة بواسطة الإنترنت والتلفون المحمول تعلم أطفالنا القتل المجاني، هذا شيء أنا أرفضه لأنه نقيصة تسبب لنا هذا التخلف إذا أحببت أن تسميه’.* لابد من أن نشير إلى أدب المقاومة وأنت من عاصرت هذا الأدب، وعاصرت بداية العمليات الفدائية الفلسطينية، ما هي الأسباب التي أدت لتراجع أدب المقاومة؟ هل التوجه للحلول السلمية وراء هذا التراجع؟* ‘عندما دخل الفدائيون في فلسطين وأبلوا بلاءً حسناً، حمستني هذه الظاهرة على كتابة مسرحية سميتها ‘في آخر الليل’، وتبناها المسرح العسكري في سورية وأعطاني عليها جائزة ثانية، ومثلت على المسرح العسكري سنة 1969 تحدثت فيها عن المقاومة، وكنت أستبشر خيراً في هذه المقاومة التي هي سبيلنا الأوحد لاسترجاع حقنا في فلسطين. لكنني عجبت ودهشت وذهلت عندما وجدت أن الفلسطينيين ممن هم أصحاب الحق يقامرون بفلسطينيتهم في سبيل ما يسمى بالسلام المخادع الذي أراد الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، أن يزرعوه في عقولنا على أنه هو السلام الذي نبتغيه، من المؤسف أنهم زرعوه في قسم من إخوتنا الفلسطينيين الذين يفاوضون الآن على سلام لن يستطيعوا أن يأخذوه، أعود إلى كلمة عبد الناصر (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) هذه حقيقة يجب أن يضعها الفلسطينيون أمام أعينهم عندما يتصدون للصهيونية.* أنتم الرواد في الإبداع الأدبي، هل يوجد اهتمام رسمي أو من الأصدقاء وخاصة أن عادل أبو شنب من الرواد الأوائل الذين تركوا بصمتهم الواضحة في تاريخ الأدب العربي الحديث؟* ‘أنا شخصياً كرمت مرتين، مرة كرمتني هيئة المسرح في سورية على إنجازاتي في المسرح مادياً ومعنوياً، كما كرمني التلفزيون في ذكرى مرور نصف قرن على تأسيسه على أنني واحد من الرواد الذين شاركوا بعمل التلفزيون وأسسوا الدراما في سورية، كما أن وزارة الثقافة تريد تكريمي قريباً. أما بالنسبة للأصدقاء هناك قسمان، قسم توفاه اللّه إلى رحمته تعالى والقسم الباقي لهم ظروف خاصة بهم.’* كيف تمضي أوقاتك؟ أخبرنا عن مكتبتك وأهم الكتب التي تحتويها؟* ‘تضم المكتبة أكثر من خمسة آلاف كتاب جمعتها، منذ أن كان عمري عشر سنوات، خلال سبعين سنة جمعت هذه المكتبة الغنية وأنا أتركها لأولادي وأحفادي، وفي الواقع أنا أقابل الصحافيين وأصدقائي هنا في مكتبي، في مقهى الروضة، لأنني لم أعد أطيق أن أجلس وحدي. عندي مكتبان مليئان بالكتب، لم أعد أذهب إليهما لأنني بلغت من العمر الثمانين. لكني، والحمد للّه، مازلت أنتج وأكتب زوايا في الصحف وفي المجلات، كما أكتب في مجلة ‘المعرفة’ السورية، وقد نشرت فيها عددا من المقابلات مع بعض الكتاب المشاهير، وأصدرت من هذه الحوارات كتاب ‘مشاهير من دمشق’ عام 2008 عندما كانت دمشق عاصمة الثقافة العربية، وسأصدر ‘مشاهير من سورية’ حوارات مع عدد من الكتاب والأدباء في سورية، حتى الآن مازلت أعمل’.*هل تذكر أول كتاب قرأته، وأي من هذه الكتب لكاتب عربي أو أجنبي مازلت تذكره وتأثرت به؟ ومن من الشعراء تستمتع بقراءته؟* ‘الحقيقة، لا أذكر الكتاب الذي قرأته أول مرة بسبب قراءاتي الكثيرة في المكتبة الظاهرية بدمشق. عندما كنت في عمر عشر سنوات، كنت أذهب إلى المكتبة أقرأ حتى منتصف النهار. أذكر أني قرأت قصصاً لـ ‘غي دي موباسان’ أول مجموعة مترجمة. لم أكن أتقن اللغة الإنكليزية أو أية لغة أخرى، بعد ذلك عرفت اللغة الإنكليزية بسبب أسفاري الكثيرة إلى مختلف أنحاء العالم. أعتبر نزار قباني شاعراً لا يعوض لأنه صاحب مدرسة ومؤسس للشعر، هو أسس الشعر الذي يقترب من لهجاتنا المحكية في لغتنا العربية، هذه الميزة جعلته شاعراً متميزاً في البلاد العربية’.* كتبت كتابا عن الفنان الرائد عبد الوهاب أبو السعود، ما مدى علاقتك به؟ وكيف تعرفت على أعماله؟* ‘عبد الوهاب أبو السعود لم أره في حياتي مطلقاً، كان مسرحياً ورساماً تشكيلياً، كنت أعمل في جريدة ‘الوحدة’ عندما حدث الانفصال فسرحت من الجريدة، كان مديرها المرحوم سامي الدهان وقد جاء في عهد الانفصال كمشرف على الجريدة. بعدها اتصلت بي وزارة الثقافة وكلفتني بكتابة كتاب عن عبد الوهاب أبو السعود، وكان قد توفي، فلجأت إلى معارفه وإلى ابنته الأستاذة إلهام أبو السعود وعدد ممن عاصروه، واستطعت أن أكتب كتابا عنه موثقاً بشهادات الذين تتلمذوا على يديه، سواء بالمسرح أو بالفنون التشكيلية، وحصلت على شهادة من ابنته التي أمدتني بصور عنه وصور عن أعماله المسرحية والفنية، فخلال 35 يوماً أنجزت الكتاب، كتبته برؤية قصصية كأنني أكتب قصة. وبعد أن طبع هذا الكتاب بالوزارة، أعادني سامي الدهان إلى ملاك الجريدة، بعد أن كان قد سرحني منها’.* رواية ‘وردة الصباح’ هل تبعتها أعمال أخرى؟ ولماذا لم يكن هاجس الرواية كبيرا لديك كما في القصة والدراسات؟* ‘كتبت رواية وردة الصباح، و’الأول والأخير’، و’الثالثة كانت ذكر السلحفاة’، وهذه الرواية الثالثة منعت في سورية وطبعتها في بيروت. أما رواية وردة الصباح، فهذه مختمرة في ذهني لأنها تمثل بيئتي التي نشأت فيها، وهي حي القيمرية في دمشق، هذه البيئة وشخوص الرواية مستوحاة من حي القيمرية ذاته، سواء كان الوافد إلى هذا الحي أو المقيم فيه، ونهايتها عنيفة لأني شهدت هذه النهاية رؤية العين. كنت حاضراً لرؤية الرجل المطلوب من العدالة يختبئ قرب خزان الماء المغلي، وعندما داهمت السلطة الحمام بحثاً عنه سار على طرف خزان الماء المغلي ولكنه تعثر ووقع في المياه المغلية واحترق وانفصلت أعضاؤه عن بعضها في مشهد درامي نادر الوجود، حولت هذه الرواية إلى دراما تلفزيونية أخرجها الأستاذ لطفي لطفي للتلفزيون العربي السوري’.* برأيك من هم رواد القصة القصيرة في سورية في بدايتها، مع زكريا تامر، لماذا لم يتطور هذا النوع من الأدب؟* ‘سأحدثك عن جيلي في القصة القصيرة، أعرف منهم سعيد حورانية، شوقي بغدادي، فارس زرزور، وطبعاً زكريا تامر. سامي عطفة كان قاصا وباحثا، رجلاً ودوداً بكل معنى الكلمة. كنا نجلس في مقهى الهافانا أقرأ قصصه ويقرأ قصصي، كنا نتخاطب بروحية انسانية. من المؤسف أن الفن القصصي قد تطور في الخمسينات والستينات، ثم جاءت إليه نخبة من الشبان سريعي الكتابة أو أنهم يرتجلون القصة، لذلك فقدت القصة أهميتها كنوع أدبي. الكتاب القدامى وأنا منهم مازلنا نحافظ على أسلوبنا القصصي، هناك تباشير لكتاب قصة جدد لا بأس بهم، أذكر منهم رياض طبرا وله مجموعتان قصصيتان وهو يعد الثالثة، ولديه نزوع للابتكار في القصة القصيرة وربما كان هناك آخرون لم أتابعهم’.* بالنسبة للشعر وتطور الحركة الشعرية سواء في سورية أو في الوطن العربي، التفعيلة أو النثر، من سيأخذ مثل مكانة نزار أو غيره من الشعراء الرواد؟* ‘الشعر أصيب ببلاء هائل، الشعر المنثور الذي هو نوع من الخواطر التي تسمى شعرا وليست هي شعرا، لأنني مؤمن بأن الشعر يجب أن يكون موزونا وذا قافية وذا وزن، وبدون ذلك لا يسمى الشعر شعرا. ومن المؤسف أن الشعراء الكبار كأدونيس ومحمود درويش وغيرهما، نزعوا في مراحلهم الأخيرة إلى أن يكونوا شعراء من النوع الأخير، شعراء يرتجلون الكلام من دون وزن، يحافظون على الموسيقى ربما ولكنهم لا يعيرون الوزن أي اهتمام. وهذا يفقد تراثنا أهم ميزاته وهو الشعر الموزون. أنا أذكر الشاعر محمود درويش عندما يقول: ‘وطني يعلمني حديد سلاسلي/ عنف النسور ورقة المتفائل’، ولا أذكر شيئا من شعر محمود درويش الذي يعتمد على الكلام المرصوف إلى جانب بعضه بعضا. أذكر شعر نزار قباني الذي يعتمد الوزن ويعتمد الروي والموسيقى، أحفظ كثيرا من شعر نزار بينما لا أستطيع أن أحفظ أي شعر من هذا النوع الذي جاء بالشعر المترجم المقلد’.* هل تتابع أدونيس وأعماله حتى هذه الأيام وهل تعتبره شاعرا أو مفكرا، أو الاثنين معا؟ وماذا أضافت له لبنان وأوروبا؟* ‘أنا أحب أدونيس في بواكيره، ولا أحب أدونيس في شعره المليء بالألغاز التي يستعصي علي فهمها، فكيف على جمهور القراء؟ أحب مقالات أدونيس في جريدة ‘الحياة’ وأقرأها، ولكن أدونيس الأول هو أدونيس الراسخ في ذهني.* اسمك متألق في القصة القصيرة، فأي الفنون الأخرى أخذت من اهتماماتك؟ *عملت في البحث والتأليف المسرحي والفني، بالإضافة إلى ذلك عملت في الدراما الإذاعية والتلفزيونية، ولي في الدراما التلفزيونية أكثر من عشرة مسلسلات مشهورة جدا. هذا التعدد فرض علي ولم أختر نوعا معينا، وأعتقد أني أصبت في مختلف هذه الأنواع، لأنني كنت أنصرف وأعمل في هذا النوع لحقبة طويلة من الزمن. بعد أن كتبت الدراما، عملت مستشارا لدار أبي ذر الغفاري التي تصدر مجلة للأطفال اسمها ‘سامر’. لذلك انصرفت إلى كتابة قصص الأطفال، ولي عدد من قصص الأطفال. أي نوع من الأنواع أجد نفسي فيه أنصرف تماما إليه في حقبة من الحقب، هكذا فرض علي بسبب كثرة الكتاب في زماني. أما الآن عندما صارت الكتابة تعطي جهلا معينا أصبح المشتغلون بالكتابة كثيرين جدا، أصبحوا يكتبون لينالوا أجرا وليس لمتعة الكتابة. أما عندي فالكتابة جزء من التنوير والنهضة الأدبية التي كانت معششة في رأسي عندما بدأت الكتابة’.* طالما اقتربنا من الدراما قبل أن نتكلم عن المسرح، لماذا الدراما في سورية بالذات أخذت هذا السبق بعكس الأدب الروائي أو الأنواع الأخرى من الأدب؟ كيف ترى الضخ الدرامي، هل هو لصالح الدراما؟* ‘يا سيدتي هذا الضخ الدرامي الذي بدأ منذ عشر سنوات تقريبا، بدأ يفقد جاذبيته ويفقد معالمه. وبالمناسبة كنت أول من كتب الدراما للتلفزيون العربي السوري بمسلسل ‘حكاية حارة القصر’ 1969- 1970. عندما كان التلفزيون في بواكيره، ثم كتبت أول دراما لتلفزيون اليمن عندما كانت جمهورية اليمن في بواكيرها، كتبت مسلسل وضاح اليمن، كنا نعمل عملا دراميا يفرز وجوها. الآن الدراما السورية تنحسر لأنها تبنى الدراما على نجم من النجوم، بينما لا يبنى النجم على الدراما. أنا أنتظر للدراما مستقبلا غير ناضج أبدا، ابتداء من هذه السنة. هذه السنة الدراما السورية أحط ما يمكن أن تكون عليه الأعمال الدرامية’.* لماذا بقيت السينما بعيدة عن الأدباء، وماذا عن ضعف الإنتاج السينمائي، ما هي الأسباب؟* ‘الأسباب لأن مصر عندما بدأت صناعة السينما فيها بدأت برأس مال وطني وظف أمواله في عمل أفلام تعززت زمن الحرب بأفلام كثيرة، صحيح أنها ليست بمستوى متقدم ولكنها من حيث الكم لها جمهور كبير في العالم العربي. هذا أضعف السينما الأخرى التي بدأت في نفس المرحلة التي بدأت فيها السينما المصرية. في سورية لم توظف رؤوس الأموال في صناعة السينما وإنما جاءها مغامرون بسبب وهج السينما المصرية، حاولوا أن يستفيدوا من ربح السينما المصرية فخسروا ولم يعودوا ولم يكملوا مشروع السينما المحلية في سورية أو العراق أو الأردن، في حين أنها في مصر اتسعت السينما وكبرت وصار لها جمهور يفهم ويستطيب اللهجة المصرية، وهذا كله أدى إلى انحسار موجة السينما وعدم تعامل السينمائيين، على قصر المدة التي عملوا فيها في البلاد العربية، مع الأدباء والكتاب الذين كانوا يمكن أن يطوروا السينما بفكرهم في تلك الفترة’.* من السينما إلى المسرح، أول مسرح عربي كان في كتاب الأستاذ عادل هو ‘مسرح كركوز’، لماذا انتهى ولم يتطور، كيف جاءت البداية؟* ‘كنت أريد أن أكتب كتابا عن حياة الفنان أبو خليل القباني، عندما نهضت لهذا المشروع في بداياتي 1960. في بداية كتابتي للأبحاث، تساءلت: ماذا كان قبل أن يأتي أبو خليل القباني بمسرح شخوص من لحم ودم، وهو مماثل للمسرح الموجود في أوروبا؟ بحثت عن هذا فوجدت عدة ظواهر أدت دور المسرح من دون أن تكون هي مسرحا متكاملا، منها ‘خيال الظل’ الذي هو شخصيتا ‘كركوز وعيواظ’ وهو يحتاج إلى بحث مستقل، ولذلك ألفت كتابا اسمه مسرح عربي قديم كركوز وعيواظ. وقد ساعدتني في ذلك وزارة الثقافة، عندما ذهبنا إلى أسرة اسمها ‘أسرة حبيب’ التي كانت تهتم، أبا عن جد، بهذا الفن الذي كان يؤدى بواسطة شخوص من الجلد الملون، يؤديها شخص واحد يحرك هذه الجلود على شاشة منارة بفانوس ترى النظارة هذه الشخوص وهي تتحرك، وتقص قصة معقولة فيها كل مقومات المسرحية الحديثة. لذلك كتبت هذا الكتاب عام 1964، وأعيدت طباعته 2004 عن وزارة الثقافة، وفيه أحييت هذا الفن على الأقل، لأني عرضته أمام جمهور الباحثين والمهتمين. إضافة إلى ذلك، هناك ظواهر مسرحية أخرى كالحكواتي، صندوق الدنيا، عروض الشيعة عندما يحتفلون بعاشوراء، هذه تدخل ضمن العرض المسرحي أو عرض ظاهرة مسرحية تكرر كل سنة. ذكرت كل هذا وقلت إن أنضج هذه الظواهر، خيال الظل الذي هو كركوز وعيواظ باسم الشخصيتين الموجودتين في سورية. وللأسف انحسر اليوم هذا الفن، وإن هذا الانحسار يعود لظهور الإنترنت والتلفزيون والسينما، بدل استخدام هذه الشخوص الجلدية الملونة رغم أنني أشاهد في تركيا مازالوا يحافظون على هذا كجزء من تراثهم الموجود عندهم في تركيا. طبعا، هذا جاءنا من جنوب شرق آسيا هذا الفن في البداية عندما بدأ كان فناً معترفاً به، وكان فناً للخاصة إلا أنه تحول في أوائل القرن العشرين إلى فن بذيء وفيه ألفاظ غير مستحبة، ولكنه يجب أن يحفظ كتراث من تراثنا الذي استمر عددا من السنوات’.* كانت هناك في الخمسينات حركة نقد أدبية واسعة، ومن الممكن أن نسميها معارك أدبية خاضها بعض الكتاب في الصحافة السورية، لماذا نرى تراجعا بالحركة النقدية؟ * ‘التجمعات الأدبية في الخمسينات كانت تجمعات تتوخى قراءة الإنتاج ونقده سواء كانت عن طريق المشافهة أو عن طريق الكتابة. في سنة خمسين، أي قبل ستين سنة، كان هناك جريدة تدعى ‘النقاد’ وكان رئيس تحريرها سعيد الجزائري. جاءني ذات يوم وقال لي: لماذا لا تكتب نقدا لما يكتب في المجلة؟ بدأت أكتب من الأسبوع التالي وصار هذا تقليدا. طبعته في كتاب اسمه ‘معارك النقد الأدبي في سورية’. وعلى غرار هذا الكتاب كان هناك كتب كثيرة تصدر وتتعرض للإنتاج الأدبي الذي يصدر في تلك الفترة’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية