عالم الاجتماع علي الوردي: مراجعة واعادة اكتشاف!

حجم الخط
0

عبداللطيف السعدون كما كان عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي ‘ مالئا الدنيا وشاغلا الناس’ منذ أن أطلق تسمية ‘ وعاظ السلاطين’ على الذين يمالئون الحكام ويتزلفون اليهم مما دفع بعض أئمة الجمعة الى تكفيره وتحريم كتاباته، واعتباره السبب الثالث من أسباب فساد الشباب الى جانب سببين آخرين هما الخمر والميسر، فقد ظل وحتى ما بعد رحيله عام 1995 موضع اكتشاف متجدد من قبل كتاب وباحثين وجامعيين وقراء عاديين رأوا في نظرياته وآرائه المعين الذي لا ينضب لاستجلاء خفايا الحلقات المغيبة من التاريخ العراقي المعاصر، وبخاصة ما يتعلق بالتطور الاجتماعي والعقد التي تتحكم فيه، ومبعث استمرار هذا الاهتمام الاستثنائي الذي قلما حظي به عالم عراقي من قبله هو جرأة الوردي في تجاوز المالوف وتخطي العادي، وسعيه لتغيير المخيلة الاجتماعية العراقية الراهنة التي انصرفت، وطيلة عقود طويلة، عن ملاحظة تلك الحلقات المغيبة التي سلط عليها الوردي الضوء من خلال اساس نظري علمي رصين شكل النواة لما يمكن أن نعتبره تأسيسا للمدرسة العراقية في علم الاجتماع. والكاتب والباحث سلام الشماع في مقدمة من عمل على اعادة اكتشاف الوردي في سلسلة من الكتب والمقالات والأنشطة البحثية، آخرها وليس أخيرها محاولة الغوص في عالم الوردي الشخصي والسعي لكتابة سيرته الذاتية، من خلال مجموعة من حوارات كان أجراها معه ثم أعاد ترتيب مضامينها ليجعل منها حديثا متصلا لا حوارا متقطعا، او قل هي اطلالة على ‘ سيرة ذاتية ‘ كان الراحل الكبير سيكتبها لو امتد به العمر، لكنه عاجلنا بالرحيل فلم نحظ بما وعدنا به أكثر من مرة، وخسرنا فرصة نادرة كان يمكن أن يقول فيها الوردي ما لم يقله من قبل، أو ما كان يخشى أن يجاهر به او يعلنه. واذا ما اضفنا الى كل هذا ما أبلغنا به الشماع الذي كان لصيقا به ومتابعا لنشاطاته وكتاباته على مدى اكثر من عشرين عاما أنتجت علاقة ‘ عميقة وصادقة’ بين الاثنين كما وصفها الشماع نفسه، من ان هناك ثمة شكوكا في ان يكون الوردي قد كتب بالفعل سيرته في مذكرات خاصة حجبها عن النشر خشية أن يتعرض لغضب ‘ السلاطين’ أو ‘ الأئمة’ آملا ان تنشر بعد وفاته، اذ أن ما قيل عن كتابته لمذكرات كهذه لم يتأكد حتى لدى اسرته ولم يتم العثور على شيء من ذلك حتى اليوم. اذا ما عرفنا هذا كله أدركنا الاهمية الخاصة للحوارات التي أجراها الشماع معه والتي ضمها كتابه الذي نحن بصدده والموسوم ‘ من وحي الثمانين’ والذي طبع من قبل، ويعاد طبعه اليوم في طبعة مزيدة في إحدى دور النشر العربية. في الحوارات موضوع البحث نجد الوردي يركز على ‘ الازدواجية’ التي يعاني منها البشر اذ أنهم ‘ يبطنون غير ما يظهرون، ويظهرون غير ما يبطنون’ – مفهوم الانا الفردية والأنا الجمعية لدى جورج هربرت ميد -، ويعترف الوردي شخصيا ‘ ان الانا الاجتماعية كانت مسيطرة عليه في المرحلة الأولى من حياته، اما المرحلة الثانية فقد بدأت الانا الفردية تلعب دورها’ ويبدو أنه أدرك ذلك في سنواته الأربع التي قضاها في أميركا ( 1946- 1950 )، ويعترف الوردي أنه ‘ يشعر بالثورة على الكثير من القيم والمعتقدات السائدة في مجتمعنا غير أني لا أستطيع اعلان ذلك على الناس، وكثرا ما أحاول مداراة العوام ودغدغة عواطفهم’. ويضيف الى ذلك قوله ‘ مرت بي بعض الفترات حاولت فيها أن أكون صريحا في كتاباتي حيث جابهت الناس بالحق الذي أراه، ولكن تلك الفترات كانت قصيرة اذ لم أكد ألمح بعض بوادر السخط من الناس حتى تراجعت أمامهم وعدت الى ديدني القديم في المداراة والدغدغة’! ووقف الوردي مع مفهوم ‘ الصراع بين البداوة والحضارة’ الذي قال به ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع مشيرا الى أن هذا الصراع خلف نوعا من الازدواجية لدى الانسان العراقي في مرحلة تاريخية معينة، وقد شاهدنا أناسا ‘ يزعمون أنهم مثقفون ولكنهم في الوقت نفسه متعصبون لكل ما نشأوا عليه مهما كان سيئا، وهم لا يكتفون بذلك بل نراهم يعلنون سخطهم على كل من لا يؤيدهم في تعصبهم’ ( ص 85). هل كان الوردي الراحل يقرأ التاريخ العراقي اللاحق عليه؟ هل كان يستشرف آفاق مرحلة تعصب وانغلاق لم نشهد مثلها من قبل، وهي ماثلة أمامنا اليوم في مجموع الظواهر السلبية التي لا يزخر بها مجتمعنا فحسب، انما تتماهى معها عقول النخبة السياسية التي ابتلي بها بلدنا بعد الاحتلال؟ يقول الوردي ‘ ان القيم والعادات الاجتماعية التي شاعت في الفترة المظلمة لم تختف بمجرد انتهاء الفترة، بل هي ظلت تؤثر فينا قليلا أو كثيرا، زمنا غير قصير’، ولعلها كانت مكبوتة فانطلقت في اعصار جارف اخذ مداه منذ يوم السقوط الثاني لبغداد في التاسع من نيسان ( ابريل) 2003، وما زلنا نعاني من مفاعيله وآثاره، ولا تبدو هناك كوة امل في الخلاص منها في المدى القصير. ويضيف أن ‘ ازدواج الشخصية غير منحصر في الشعب العراقي وحده، اذ ‘ ثبت علميا ان الازدواج موجود في جميع المجتمعات تقريبا، انما هو يتفاوت في درجة شدته وسعة انتشاره من مجتمع الى آخر تبعا لاختلاف الظروف فيها’ ( ص 108)، ولعل الوردي في تأكيده هذا كان يرد على بعض المتحذلقين الذين وجهوا سهام اتهامهم له مدعين بأنه يريد النيل من ‘ الشخصية العراقية’ التي اعطوها طابع الفرادة والتفوق على الآخرين، وهو نوع من التعصب الذي كان يضيق به. ويقدم لنا الوردي الراحل مثالا على ذلك من التاريخ العراقي القريب حيث ‘ كان الازدواج واضحا في العراق في العهد العثماني اذ كان الفرد يسمع المواعظ الدينية من جهة وهي المواعظ التي تدعو الى أخلاق الحلم والتقوى والاخاء والزهد والتواضع، بينما هو من الجهة الأخرى يرى الناس يقدرون ( الشقي) الذي يوصف عادة بأنه ( سبع) و( زلمة) وأنه ( يغلب ولا ينغلب) .. الخ ( ص 108)، ولنا أيضا مثال حي ماثل أمامنا في عراق اليوم حيث معظم رجال النخبة السياسية الحاكمة يدعون الفضيلة والتقوى ومخافة الله لكنهم ارتكبوا ويرتكبون في حق شعبهم وبلدهم، وحتى في حق دينهم ما لا ترتكبه الشياطين! وكما شهد العراق عند سقوط الدولة العباسية على أيدي المغول في القرن الثالث عشر ‘ فترة انحطاط حضاري تعد ـ بحسب الدكتور الوردي ـ أفظع فترة في تاريخ العراق الاجتماعي’، فاننا نشهد اليوم فترة انحطاط حضاري على أيدي المغول الجدد ربما تبدو أسوأ وأكثر فظاعة من سابقتها! ويذكرنا الوردي بما فعله مؤسس العراق الحديث الملك فيصل الأول وأعوانه ‘ الذين بذلوا جهودا كبيرة في نشر الحضارة الحديثة في العراق عن طريق التثقيف التدريجي، وهذا لا بد أن يؤدي الى نشوب الصراع بين القيم الحضارية الجديدة والقيم العشائرية القديمة، وهو الصراع الذي ما زلنا نعاني منه حتى الآن.. ‘ ومن عجب أن ما كنا نطلق عليها تسمية ( القوى الثورية) أي القوى الساعية للتغيير والتحول الاجتماعي والتي تسلمت السلطة في بلادنا أو اقتربت منها بشكل من الاشكال بعد زوال النظام الملكي لم تتوان عن الاتكاء على القبلية والعشائرية والطائفية بخلاف ما كان ينتظر منها، وقد أعادت الروح لتقاليد العشيرة وسعت لترييف المدن والحواضر العراقية، على نحو أعاد بلادنا للوراء عقودا من الزمن، وربما كان سوء الحال هذا هو الذي دفع الوردي الراحل للقول في آخر لقاء له مع التلفزيون العراقي كما ذكر لي صديق مطلع أنه لو عاد النظام الملكي لأصبح شاعر البلاط، الا أن ادارة التلفزيون حذفت هذه العبارة في حينه! كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية