لندن ـ من آنا تومفوردة: مضى عام على إطلاق سراح المواطن الليبي عبد الباسط المقراحي من سجنه في اسكتلندا ‘لكي يموت’ في وطنه، ولا تزال السلطات البريطانية تواجه انتقادات عنيفة وتتعرض لضغوط من أجل أن تقدم تفسيرا للملابسات الكاملة التي دفعتها إلى اتخاذ قرار الافراج عنه. فالمواطن الليبي، الذي اعتقدت السلطات الاسكتلندية أنه لن يعيش أكثر من ثلاثة أشهر، عندما تم الافراج عنه في العشرين من آب/أغسطس 2009، لا يزال حيا يرزق، ويقيم في منزل عائلته بالقرب من العاصمة الليبية طرابلس، حيث تفيد تقارير بأنه يخضع لعلاج كيميائي. قد يبدو للبعض أن الجدل الذي ثار بسبب بقاء المقراحي على قيد الحياة أكثر مما كان متوقعا بعد تشخيص إصابته بسرطان البروتستاتا عام 2008، أمر غير لائق، في حين يرى منتقدو خطوة الافراج عنه أن بقاءه حيا حتى الان برهان على ما يساورهم من ريبة في أن قرار الافراج عنه بدافع الرحمة لم تكن مرده أسباب طبية فحسب. في هذا الصدد يقول ريتشارد دالتون السفير البريطاني السابق لدى ليبيا إن النقاش حول بقاء المقراحي على قيد الحياة يعد ‘أخلاقيا، ولكنه بغيض إلى النفس’. وقال دالتون لوكالة الانباء الالمانية ‘د.
ب.
أ’، ‘رغم ذلك يمكن تفهم أسباب استمراره (النقاش) ‘ فقد ظهر أن ما قيل عن أن أمام المقراحي ثلاثة أشهر فقط على قيد الحياة، غير صحيح.. التفجير كان مروعا ورهيبا.. أثارت عملية تحقيق العدالة الجدل’. ولطالما نفى المقراحي (58 عاما) العميل السابق للاستخبارات الليبية، مسؤوليته عن حادث تفجير طائرة تابعة لشركة بان أمريكان أثناء رحلتها رقم 103 فوق بلدة لوكيربي الاسكتلندية في كانون الأول/ ديسمبر 1988، وأودى الحادث بحياة 270 شخصا، بينهم 189 أمريكيا. وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد عام 2001 في ختام محاكمة طويلة ومعقدة، ثم أفرج عنه بعد ثماني سنوات فقط في السجن، وعاد إلى وطنه ليلقى استقبال الابطال والفاتحين. وقد اندلع من جديد غضب أقارب الضحايا الامريكيين على خلفية حالة الغضب العارم الناجمة عن التسرب النفطي الذي تسببت فيه شركة بريتيش بتروليوم في خليج المكسيك، فقد بدأ أعضاء مجلس الشيوخ الامريكي يرددون نفس الاسئلة السابقة حول وجود صلة بين المصالح النفطية البريطانية وقرار الافراج عن المقراحي. وفي اسكتلندا وجدت السلطات نفسها تحت ضغط لكي تنشر السجلات الطبية الكاملة التي على أساسها بنى وزير العدل البريطاني كيني ماكسكيل قراره بالافراج عن سجين لاسباب إنسانية. يأتي ذلك بعد أن تبين أن الاخصائيين الطبيين الاربعة الذين يتردد انه تمت استشارتهم من قبل طبيب السجن الاسكتلندي الذي قرر أن المقراحي لن يعيش أكثر من ثلاثة شهور رفضوا جميعا القول ما إذا كان هذا التقدير ‘منطقيا’. وتصاعد التوتر الناجم عن قضية المقراحي الشهر الماضي إثر رفض وزراء اسكتلنديين دعوات للمثول للتحقيق أمام مجلس الشيوخ الامريكي حول عملية الافراج عن المقراحي. غير أن رئيس الوزراء البريطاني المحافظ الجديد ديفيد كاميرون الذي سبق أن أدان قرار الحكومة الاسكتلندية بالافراج عن المقراحي بوصفه ‘خاطئاً تماما’ استبعد المطالب الامريكية بإجراء تحقيق جديد. من ناحية أخرى، أكد دالتون عدم وجود ‘صلة’ بين الافراج عن المقراحي والمصالح التجارية لشركة بريتيش بتروليوم وقال إنه يجب رفض المطالب بنشر التقارير الطبية. وقال السفير السابق ‘أرى أن التقارير الطبية لن تكشف شيئاً سوى محتواها. كما أن السلطات الاسكتلندية لا تخضع للمساءلة أمام مجلس أجنبي’. وفي حين ستظل الظروف السياسية والمصلحة التجارية المحتملة المرتبطة بقضية المقراحي أمرا مبهما، يزداد الغضب الاسكتلندي من استمرار الانتقاد الامريكي حدة. فقد اتهم الكاردينال كيث أو براين كبير أساقفة كنيسة سان أندريوز وادنبرة، الولايات المتحدة بانتهاج موقف ‘انتقامي’ من مرتكب حادث لوكيربي مضيفا أن جذور النزاع تعود إلى ‘صدام الحضارات’. وأردف كبير الاساقفة ‘في اسكتلندا غرسنا على مدى أعوام عديدة من خلال نظامنا القضائي ما يمكنني أن أصفه بـ (ثقافة الرحمة)’. وتابع ‘من ناحية اخرى لا يزال يوجد في أجزاء كثيرة في الولايات المتحدة إن لم يكن في كل بقاع البلاد اتجاه يتبنى مفهوما للعدالة يمكن أن يوصف فقط بـ ‘ثقافة الانتقام’.(د ب أ)