د. ثامر مرزوق السعيد
أفردت د. مضاوي الرشيد مقالات عدة تهاجم فيها المملكة العربية السعودية بصحيفة “القدس العربي” وسوف أحاول أن أعقب علي احد هذه المقالات وبالتحديد المقال المنشور بعنوان الزهار في السعودية خاطب الشعب لا النظام بتاريخ 24/3/06 وقد اندهشت للغة التي كتب بها المقال والتي تنم عن كراهية كاتبة المقال للمملكة العربية السعودية والتي قللت كثيرا من قيمة المقال من الناحية الفكرية والعلمية. فالأكاديمية قد تخلت عن دورها الاستقصائي العلمي الي دور المرارات والنزاعات الشخصية التي تواجهها في الغرب بحكم وضعها المعروف. فالأمانة العلمية تتطلب منا نحن الأكاديميين أن نتطرق بشكل مجرد وأمين لمحاسن ومساوئ اية قضية نتناولها بالنقاش وبشكل موضوعي وبدون أن نصبغ آراءنا بشبهة تحيز تنسف تماما دورنا العلمي، وألا نكون كمن يصرخ في الشارع السياسي في الهايد بارك. لقد جانبت د. مضاوي الحقيقة تماما عندما تغاضت وبشكل خطير وغير مسبوق عن دور المملكة العربية السعودية مهما كان هذا الدور ثانويا وبالتالي يحق لي كأكاديمي وباحث في هذا المجال ولكل من قرأ المقال المذكور التشكيك في مقاصد المقال وقيمته العلمية.
نعم قد يقول ألف قائل بان دور المملكة لم يكن كما ينبغي مثلا ولكن ازدراء التاريخ ونفي المعلوم لديها والاستماتة في التخوين هو في الحقيقة كان هدف المقال، نعم يعرف القاصي والداني أن قضية فلسطين كانت محور اهتمام العالم العربي بشكل عام والمملكة بشكل خاص قد نتفق ونختلف بنسب متفاوتة عن هذا الاهتمام ولكن يجب ان نعترف للقيادة السياسية في المملكة بأنها لعبت وما زالت تقوم بدور واضح في نصرة الشعب الفلسطيني وقضيته.
وسوف أذكر بشيء من العجالة ما قدمته المملكة العربية السعودية تجاه القضية الفلسطينية منذ تأسيسها. المملكة العربية السعودية ممثلة في الملك عبد العزيز رحمه الله الذي كان قد رفض المساومة مع الحكومة البريطانية عام 1345/1926علي فلسطين عندما طلب البريطانيون منه اعترافا بمركزهم الخاص في فلسطين مقابل الغاء معاهدة دارين. في عام 1929 استنكر الملك عبد العزيز رحمه الله الاعتداء اليهودي علي المصلين في المسجد الأقصي وكتب الي ملك بريطانيا في ذلك الوقت برفضه واستيائه لهذا الاعتداء ومبينا لملك بريطانيا موقف المسلمين جميعا من هذا الاعتداء. دعم الملك عبد العزيز أعمال اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني في القاهرة في عام 1929. وأوفد رحمه الله ابنه سعود الي فلسطين عام 1935 لمعرفة أوضاع الفلسطينيين حيث قام سموه بزيارة عدة مدن فلسطينية كالقدس و يافا ونابلس. وحين اندلعت الثورة الفلسطينية عام 1936 قدم الملك عبدالعزيز الدعم المالي والسياسي الممكن في ذلك الوقت لاخوته في فلسطين وأبدي حرصه علي الوقوف ضد هجرة اليهود الي فلسطين. قام الملك عبدالعزيز بدور مشهود مع الحكومة البريطانية لايضاح الوضع الحقيقي للفلسطينيين ونبه لموقف الحكومة البريطانية المتردد الذي يسهم بشكل مباشر في تهجير اليهود الي فلسطين. وقد كلف الملك عبد العزيز الشيخ كامل القصاب بالسفر الي فلسطين لينقل للشعب الفلسطيني مساندة الملك لهم وسعيه الحثيث لايقاف الهجرة اليهودية.
عارض الملك عبدالعزيز تقسيم فلسطين الي ثلاث مناطق حسب ما نادت به توصية بيل الشهيرة وقد تمكن الملك عبدالعزيز من خلق دعم شعبي وديني وأوفد مبعوثيه الي الدول العربية وبريطانيا، موضحا بشكل صريح عدم عدالة واستحالة قبول سياسة البريطانيين لتقسيم فلسطين وقد أوضح الملك عبد العزيز رفضه للتقسيم للحكومة الأمريكية التي قد ألمحت تأييدها التقسيم بضغوط من الدعاية الصهيونية. وقد أرسل الملك رسالة الي الرئيس الامريكي روزفلت في تشرين الثاني (نوفمبر) 1938 يوضح فيها عروبة فلسطين. وقد أرسل الرئيس الامريكي احد مستشاريه الي فلسطين وتم عقد لقاء بين الملك عبد العزيز والرئيس الامريكي في شباط (فبراير) 1945 و قد أوضح الملك عبدالعزيز للرئيس الامريكي موقف العرب والمسلمين من قضية فلسطين وطلب منه التدخل لايقاف الهجرة اليهودية والضغط علي بريطانيا لكي لا تقوم بأي عمل ضد العرب لمصلحة اسرائيل.
عارضت المملكة العربية السعودية قرار التقسيم الصادر عن هيئة الأمم المتحدة في ايلول (سبتمبر) 1947 وقد أوضح الملك عبد العزيز لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا أن موقفيهما من التقسيم قد يهز من علاقاتهما بالدول العربية والاسلامية. وقد شاركت المملكة العربية السعودية في حرب عام 1948 مع بقية الدول العربية وقدمت كل التزاماتها التي أقرها مجلس جامعة الدول العربية في عام 1947 وهو الاجتماع الذي رفض فيه قرار التقسيم واتخذ فيه أيضا القرارات العسكرية والاقتصادية الخاصة بمنع اقامة الدولة اليهودية والاحتفاظ بفلسطين عربية موحدة. وبالفعل قامت المملكة العربية السعودية بارسال جيش مكون من ثلاثة الاف مقاتل بجميع معداتهم العسكرية حيث شاركوا مع الجيش المصري في الحرب ضد اسرائيل. وكان الدعم الشعبي والمادي من الشعب السعودي معقولا بحسابات تلك الفترة وقد قدرت المعونات بحوالي خمسة ملايين ريال سعودي عدا الدعم العيني والذي شمل الخيام والمؤن الغذائية والمركبات.
لا احد ينكر دور أبناء سعود في دعم القضية الفلسطينية فالملك سعود وبعده الملك فيصل والملك خالد والملك فهد رحمهم الله والملك عبد الله أمد الله في أيامه كلهم وقفوا موقفا مشهودا لهم من القضية الفلسطينية من دعم مالي واقتصادي وسياسي في مختلف المحافل الدولية وهم قدموا كل هذا بدون من وبدون مظاهرات سياسية للمتاجرة بالقضية الفلسطينية ولن يفعلوها اليوم لأنهم قادة علي قدر عال من الثقة بالله والثقة بالنفس وهم في غني أن يجحف حقهم المتاجرون بقضية فلسطين. فالملك عبدالعزيز هو الذي وقف ضد العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956 والتي كانت اسرائيل طرفا فيها الي جانب بريطانيا وفرنسا ووضعت المملكة كل امكانياتها تحت تصرف القيادة المصرية بل قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع كل من بريطانيا وفرنسا وأعلنت حظر تصدير النفط اليهما.
لقد قام الملك سعود بن عبدالعزيز بدعم القضية الفلسطينية علي كل المستويات الاقتصادية والعسكرية، ففي مؤتمر القمة الذي عقد في بورسعيد في عام 1964، وافق الملك سعود علي المبالغ المالية اللازمة لاستغلال مياه نهر الأردن الذي سيعود بالنفع علي الفلسطينيين النازحين الي الأردن ووافق أيضا علي توفير الدعم المالي اللازم لتغطية 22 مليون جنيه استرليني لتعزيز القدرات العسكرية العربية.
في عهد الملك فيصل رحمه الله كانت القضية الفلسطينية الشغل الشاغل للمملكة باعتراف حتي خصوم الملك قبل أصدقائه حيث حشد الملك فيصل رحمه الله كل الطاقات لدعم القضية الفلسطينية عربيا واسلاميا ودوليا. فعربيا عمل جاهدا علي تبني التضامن العربي كأداة لمواجهة الخطر الصهيوني والالتزام بتضامن المملكة العربية السعودية عسكريا وماديا ومعنويا مع دول المواجهة التي شاركت في مؤتمر الخرطوم في عام 1967 حيث التزمت بتسخير جزء من عائداتها النفطية لدعم دول المواجهة ووعدت بتقديم خمسين مليون جنيه استرليني سنويا لدعم الصمود العربي. وقد وظفت المملكة العربية السعودية علاقاتها القوية مع دول العالم لخدمة القضية الفلسطينية وقد كان الملك فيصل بزعامته وقوة شخصيته ورجاحة عقله سببا في اقناع دول عدة بعدالة القضية الفلسطينية، وقد أعلن الملك فيصل رحمه الله أمام الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون أثناء زيارته للمملكة عام 1974، أن الظلم الذي وقع علي الشعب الفلسطيني ظلم عظيم قل ما تجد له مثيلا حتي في العصور المظلمة، وقد شدد الملك فيصل في ذلك اللقاء علي انه لا سبيل لاقرار السلام الدائم في المنطقة دون استعادة العرب لأراضيهم المحتلة وتحرير القدس وعودتها للسيادة العربية والاعتراف بالحق الفلسطيني.
بقي لي أن أعقب علي ما لمسناه من اجتراء علي الحقيقة والاصرار علي تناول قضايا التاريخ بمنظور أحادي ومجحف لدور لا ينكره احد للمملكة العربية السعودية، ونأمل أن يتحلي بعض الكتاب والاكاديميين بالموضوعية العلمية وان يبتعدوا عن الانفعال الذاتي الذي يكشف عن بواطن الغرض والمرارات القبلية والتاريخية. فهناك فارق بين الكتابة الموضوعية التي هي سمة الأكاديميين الأصيلين وكتابات الغرض السياسي القائم علي افرازات التغريب عن الوطن من جهة والتقرب من الغرب بكل الأشكال والألوان من جهة أخري. وسأعود لموقف المملكة العربية السعودية ودورها المؤثر في دعم القضية الفلسطينية في الفترة من 1974 وحتي 2006 في مقال آخر ان شاء الله.
ہ كاتب من السعوديةالمراجع1 ـ خير الدين الزركلي، شبه الجزيرة في عهد الملك عبدا لعزيز، الجزء الثالث، بيروت: دار العلم للملايين، 1977، صفحة 1003 ـ 1073.2 ـ أمين سعيد، تاريخ الدولة السعودية، بيروت: مطبعة كرم، صفحة 331 ـ 336.3 ـ عبدالله الاشعل، الأصول التاريخية للموقف السعودي من الصراع العربي الاسرائيلي: مرحلة الملك عبدالعزيز 1915 ـ 1938 الدارة، العدد الأول السنة الثانية عشر، 1986، صفحة 134 ـ 139.4 ـ عائشة علي المسند، المملكة العربية السعودية وقضية فلسطين، 1939 ـ 1949، الرياض: دار المريخ، 1992، صفحة 120 ـ 122.8