إسطنبول-“القدس العربي”: حتى قبيل ساعات من سيطرة طالبان على العاصمة كابول، كانت المصادر الرسمية التركية تؤكد أن المباحثات التركية الأمريكية ستصل إلى تفاهم -خلال أيام- حول إدارة تركيا لمطار حامد كرزاي الدول في العاصمة الأفغانية عقب انسحاب الناتو، إلا أن التطورات المتسارعة خلطت الأوراق بشكل غير محسوب وبات السؤال الأهم في تركيا حول طبيعة الحكم المقبل في أفغانستان ومصير مئات الجنود الأتراك التي تبدو الحكومة راغبة في استمرار مهمتهم وتطالب المعارضة بسرعة سحبهم.
ويتواجد في كابول قرابة 600 جندي تركي يعملون في إطار قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) ويتولون في السنوات الأخيرة مهمة الحماية الخارجية لمطار كابول، وتشدد أنقرة على أن مهمتها تختلف عن باقي الدول في أفغانستان وأن جنودها لم يشاركوا في أي أعمال قتالية على الإطلاق وليس لديهم أي عداء مع أي من الأطراف داخل أفغانستان وأن مهمة الجيش التركي اقتصرت على المساعدة في خدمة الشعب الأفغاني وتشغيل المطار وتقديم المساعدات الإنسانية والتعليمية والصحية وغيرها.
وانطلاقاً من هذا الطرح، سعت أنقرة بقوة لاستغلال القبول الواسع لها في أفغانستان والاستمرار في لعب دور أكبر عقب انسحاب الناتو في إطار مساعيها البارزة في السنوات الأخيرة لتعزيز نفوذها في آسيا الوسطى والمنطقة بشكل عام، لكن التطورات المتسارعة خلطت الأوراق وجعلت المهمة التركية المقبلة تبدو أكثر خطورة وسط معارضة وتحديات داخلية أكبر، حيث تعارض الرفض الداخلي للاستمرار في التواجد بأفغانستان عقب سيطرة طالبان على الحكم باعتبار أنه تنظيم -متشدد يتعارض مع مبادئ العلمانية للجمهورية التركية-.
وعلى خلاف الكثير من الدول، تعاملت تركيا بـ”هدوء أعصاب” مع دخول طالبان إلى كابول ولم تدخل قواتها أو بعثتها الدبلوماسية في حالة إرباك، حيث اكتفت وزارة الخارجية بالقول إنها اتخذت الإجراءات اللازمة لحماية بعثتها دون الحديث عن سحبها أو حتى تقليصها، في حين نقلت الخطوط التركية عدة مئات من المواطنين الأتراك -الراغبين في المغادرة- ولم يجري الحديث عن أي سحب للقوات التركية أو البعثة الدبلوماسية أو الهيئات الإغاثية التركية العاملة هناك.
والثلاثاء، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن تركيا تجري محادثات مع جميع الأطراف في أفغانستان، ومنها حركة طالبان، وتنظر بشكل إيجابي إلى رسائل الحركة منذ سيطرتها على البلاد، مضيفاً: “ننظر بشكل إيجابي إلى الرسائل التي وجهتها طالبان حتى الآن، سواء للأجانب أو للدبلوماسيين أو لشعبها. نأمل أن نرى ذلك قيد التنفيذ أيضا”.
وقال جاويش أوغلو في مؤتمر صحفي مع نظيره الأردني على هامش زيارته لعمان: “نواصل الحوار مع جميع الأطراف، بما في ذلك طالبان.. سوف تتفاوض (الأطراف الأفغانية) على كل هذه القضايا فيما بينها – من سيكون في الحكومة الانتقالية، وما نوع الحكومة التي ستكون هناك… سنناقش كل هذه الأمور، لكن البلاد بحاجة إلى الهدوء الآن”.
والاثنين، نقلت وكالة رويترز عما قالت إنهما “مصدران أمنيان تركيان” قولهما إن أنقرة تخلت عن خططها للسيطرة على مطار كابول بعد انسحاب حلف شمال الأطلسي، لكنها مستعدة لتقديم الدعم الفني والأمني إذا طلبت طالبان ذلك، وقال المصدر: “في ضوء الفوضى الكاملة في المطار، فإن عملية تولي الجنود الأتراك السيطرة… توقفت تلقائيا، ومع ذلك، في حالة طلب طالبان دعما فنيا، يمكن لتركيا توفير الدعم الأمني والفني في المطار”.
ويرى مراقبون أن خطة بقاء القوات التركية في مطار كابل قط سقطت ضمنياً بفعل سيطرة طالبان على العاصمة والانسحاب المرتبك للقوات الأمريكية وباقي دول الناتو، وبالتالي فإن أي اتفاق مقبل لإدارة أو حماية مطار كابول يتطلب مفاوضات جديدة مع حركة طالبان وليس مع الولايات المتحدة والناتو.
وفي هذا الإطار، فإن الكثير من المؤشرات السياسية في أنقرة تقول إن الحكومة التركية ليس لديها أي مشكلة مبدئية في إقامة علاقات كاملة مع نظام الحكم الجديد في أفغانستان بقيادة طالبان إلا ان أنقرة تفضل التروي قليلاً حتى تتضح طبيعة الحكم المقبل ومواقف الحركة لا سيما عقب التكهنات عن إمكانية إعلان الحركة “إمارة إسلامية”.
وفي تحد آخر، فإن المهمة التركية منذ بدايتها في أفغانستان قبل عقدين وحتى اليوم قامت على مبدأ السلمية وعدم الدخول في أي مواجهة عسكرية من أي طرف أفغاني، وبالتالي فإن أي قرار تركي مستقبلي بإبقاء القوات التركية مرتبط بمدى موافقة حركة طالبان على ذلك والتوافق معها عليه، لكن الحركة بادرت بالإعلان عن موقفها الرافض لبقاء القوات التركية وطالبت بسحبها مع باقي القوات الأجنبية بحد أقصى 11 سبتمبر المقبل.
وقال زعيم المعارضة التركية كمال كليتشدار أوغلو: “لن نترك جنودنا ضحية لحماية المكان الذي فر منه الآخرون دون أن يلتفتون خلفهم، لا يوجد أي قيمة للوعود التي تقدم بشكل شخصي من تحت الطاولة (في إشارة لاتهامه لأردوغان بالتوصل لاتفاق غير معلن مع بايدن)، أخاطب السلطة اسحبوا فوراً جنودنا وبعثتنا الدبلوماسية من أفغانستان، جيشنا يخدم مصالح أمتنا فقط”.
وفي ظل القرار المبدئي بعدم الدخول في أي مهمة قتالية بأفغانستان، ورفض حركة طالبان بقاء القوات التركية -في إطار الناتو وبصيغتها الحالية- وتعاظم ضغوط المعارضة التركية وتحذيراتها من زج الجيش التركي في أي مهمة قتالية هناك ومطالبتها بسحب القوات في أسرع وقت، فإن بقاء القوات التركية بالصيغة الحالية يبدو غير ممكناً، لكن ذلك لا يعني على الإطلاق عدم إمكانية التوصل لاتفاق بين تركيا وطالبان على بقاء القوات التركية بصيغة جديدة مختلفة.