عقدة العصافير الفلسطينية

حجم الخط
1

هل سيحقـــــق الشعب الفلسطيـــني آفاقا سلمية لاحداث المصالحة الوطنية بين حركة فتح فــــي رام اللــــه وحركة حماس في غزة وإنهاء مآسي الحرب الأهلــــية التي حدثت هناك في غزة؟ وكيف تنظــــر الحركتان الى تلك العربدة الاسرائيلية غير المسبوقة، كالتسريع في بناء المستوطنات وفرض الشروط المسبقة على أية معاهدة متوقعة بينهم وبين الفلسطينيين؟ وما هي طريقة تعاملها أيضا مع تلك المبادرات العربية الباهته لإنهاء الانقسام، التي ان حدثت بين فترة واخرى لا تنفذ قراراتها ولا يؤخذ بها على أرض الواقع.
وكما جاء في وكالة فلسطين برس للانباء مؤخرا فان محكمة تابعة لحركة حماس في غزة حكمت على ناشط في حركة فتح (يوسف عبدالملك أبوربيع) بالسجن 5 سنوات، وهو ناشط فتحاوي يعمل في الحرس الرئاسي برتبة نقيب، ليبدأ بعدها الجدال والطعن من حكومة فتح التي أبطلت هذا الحكم لانه يصدر عن محاكم غير شرعية، وأوضح المتحدث الرسمي لفتح أسامة القواسمي، أن تيار حماس السياسي في غزة يصر على تكريس الانقسام لتستمر حركات الاعتقالات والاهانات من حماس، وبعدها بأيام يستقبل الرئيس محمود عباس في رام الله النائبة المستقلة في المجلس التشريعي في غزة راوية الشوا، ويتناقشان حول القضايا المهمة التي تخص الشباب وتمنيات النائبة بكسر الحواجز وإنهاء الانقسام، كما جاء على صفحتها الفيسبوكية.
ومع هذه اللحظة لاوجود لأية حلول فعلية إيجابية، أو حتى بشائر كلامية على أرض الواقع الفلسطيني، لذا عوملت على أنها مشكلة وطنية شائكة من الطراز الاول، بل صعبة الحل، لأنها مازالت تلقي ظلالها السوداء القاتمة على مسيرة التقدم عند هذا الشعب الذي عانى ويعاني من ويـــلات الاحتلال الصهيوني اليومية المتكررة، فمن جراء ذلك كله نجد أن الشعب الفلسطيني أصبح لا يفكر فـــي إعــــادة حقوقه المشروعة التي سلبت تعسفا وجورا، كالديمقراطـــية أو حرية التظاهر والاعتصام أو حتى المقاومة المشـــروعة دوليا، ما ينتظره فقط ويفكر به الان هو إعادة وحدته الوطــــنية التي سلبتها يد قادته الفلسطينــــيين، ومطالبته المستمرة بالتوقف الفوري عن اية مماطلات سياسية، تصر على بقاء الانقسام على حالته المخزية تلك، وتفتح المجال الواسع لرسم خارطة شرق أوسطية جديدة على حساب القضية الفلسطينية.
لكن المحلل والمهتم لبمواقف الشعب الفلسطيني في رام الله وغزة يلاحظ معها خروج الفلسطينيين في الضفة الغربية يدا بيد في مظاهرات ضد عدوان الايام الثمانية وتضامنا بالمقام الأول مع أهالي غزة، وخروج الأخيرة أيضا هذا العام 2013 في مظاهرات وطنية تطالب بالوحدة الوطنية، ورفض إخراج غزة من المشروع الوطني، ومن قبله وقوف الشعب بأكمله في تشرين الثاني/نوفمبر السابق مؤيدا الرئيس عباس لذهابه الى الجمعية العامة للامم المتحدة، وما حدث في قرية باب الشمس ورموزها الرائعة. كل هذا وغيره الكثير يلقي الشعب من خلاله رسائله المتعددة للحكومتين حكومة حماس (المقالة) وحكومة فتح، بأن الشعب الفلسطيني لديه من الوعي السياسي والثقافي الكثير الكثير، وهو أكثر حيوية وإصرارا ولا يقبل بالفتات ولن يقبل بدولة بالقرب من سيناء أو بالقرب من الشيخ جويد مثلا، وإذا ركزنا قليلا على الشعب الفلسطيني الغزي، فهو من نظَم احتفالا مهرجانيا بمناسبة انطلاق حركة فتح البطولية، لانه يعد نفسه جزءا لا يتجزأ من حياة شعبه المناضل، وتاريخ الفلسطيني الغزي دوما معلن وواضح، فهو من أنقذ منظمة التحرير الفلسطينية عندما بدأت الأنظمة العربية تتجاهل أبوعمار في القمة العربية في عمان الأردن، وغزة هي من انتفضت في وجه فتح في صناديق الاقتراع عندما أحست أن هناك أمرا ممتهنا لابد من الوقوف في وجهه لتغييره، والشعب الغزي هو أول من رفض مخطط دايتون على سبيل المثال، الراغب في القضاء على الحركات السياسية المعارضة لحركة فتح. ومرة أخرى وبصراحة فان الشعب الفلسطيني بجميع شرائحة ونضم معهم بالطبع إخوتنا فلسطينيي عرب 48، ليس قطيعا من الغنم يقاد بل هو شعب مثقف فاهم للاحداث ومحلل لها أكثر من ساسته، وهو المطالب دوما من فترة إلى أخرى بسيادة القانون وإرساء القواعد السياسية والحسم الفوري لاي انقسام، لأن إسرائيل تحاول تأجيله بكل ما أوتيت من قوة لتنفيذ مخططاتها المعلنة وغير المعلنة.
وما أردنا قوله هنا ان هذا الشعب العظيم الذي عانى في حياته على مدار ما يزيد عن الستين عاما لن يستأذن من حكومته المتقاعسة التي لا تهمها الا مصالحها الشخصية، ضاربة بمصالح شعبها المسكين الذي لا يجد في أحيان كثيرة قوت يومه عرض الحائط سينتفض حتما بنفسه وبطريقته الخاصة، إذا لم تتحقق تلك المصالحة الوطنية ويزول هذا التباطؤ المتعمد ويزول معه رفض التسريع في حل المشاكل العالقة كمشكلة البطالة الكبيرة بين الشباب المتعلم وإفرازاتها الاجتماعية المخيفة ولتبق الصراحة الدائمة مع الشعب ونشر البيانات المباشرة وإخراجها علنا فور الانتهاء من أية معاهدة أو مؤتمر رسمي، لأن التغيير القادم الكبير بعد المصالحة مهم جدا وهو الإعلان عن قيام دولة فلسطينية قادرة على لمِ الشمل الفلسطيني والتعبير في نفس الوقت عن آمال وطموحات هذا الشعب المطحون والابتعاد عن أية وصايا خارجية عليه، فالشعب يريد الرعاية وليس الوصاية، إذا وجوب الاستجابة السريعة لرغبة الشارع الفلسطيني في المصالحة الوطنية أولا، خوفا من وقوع الشعب وحكومته في رام الله وحتى في غزة في فخ (عقدة العصافير) التي تحدث عنها القيادي الفلسطيني هاني الحسن، رحمه الله في برنامج ‘بلا حدود’ على قناة الجزيرة، وكيف أن العصفور الذي يمثل الفلسطيني بشعبه وقيادته يخاف ويتجمد عند رؤية الأفعى وعيونها المخفيفة، التي تمثل إملاءات اسرائيل والدول الكبرى، فإنه من المفترض أن يطير فورا، لكنه يصاب بالشلل الفكري فيتجه إلى فم الأفعى من شدة الخوف فيصبح وجبة سائغة وسهلة، لذلك وجب على القادة من فتح وحماس الحذر من الوقوع في هذه العقدة والاتجاه الفوري الى إنهاء الانقسام اللعين واجراء الحوار المباشر بين الاطراف المتصارعة ومطالبة الدول العربية بالضغط الاقتصادي على الدول الكبرى واسرائيل، حتى يتم طرح فكرة السلام مرة أخرى وبصورة جديدة تخدم ايضا المصالح الفلسطينية، والغاء الجدار العنصري، ووقف بناء المستعمرات، والتوقف الفوري عن تغيير الطبيعة الخاصة بمدينة القدس، والشعب لن يتجاوب ويكون له دور فعال الا بوجود المصالحة الوطنية والوحدة الداخلية في أقصى وقت ممكن، مما يتيح فتح فرص العمل للعناصر الشبابية والتفكير بترقية حياة الشعب أولا وأخيرا.
وهذه الامور كلها تدفع أي شعب مناضل الى التحرر من أي احتلال وشروطه التعسفية، لأية اتفاقية يراد عقدها، وهي بذلك ستمنح الشعب الفلسطيني حريته الانسانية المكفولة حسب بنود المنظمات الدولية، وأخيرا لن تتم هذه الأجواء الإيجابية إلا بالمصالحة الوطنية الفعلية لإحداث الوحدة الشعبية المطلوبة بين أبناء الشعب الواحد، وفتح صفحات جديدة بناءة وواعدة للطرفين .

‘ كاتبة فلسطينية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية