عقدة قصر الشعب في دمشق الي الابد : استفتاء الرئاسة في سورية بدون مرشحين ولا منتخِبين!

حجم الخط
0

عبد الرحمن الحاج

10/5/2007: رئيس محكمة الجنايات الاولي بدمشق يصدر حكماً بالسجن المؤبد علي الناشط المعارض كمال اللبواني ـ الذي اعتقل في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2005 في مطار دمشق لدي عودته من واشنطن بعد جولة التقي خلالها مسؤولين في البيت الابيض الامريكي ـ ويخفضه الي السجن 12 عاماً بتهمة الاتصال بدولة اجنبية بقصد تحريضها علي العدوان علي سورية.10/5/2007: أدي اعضاء مجلس الشعب السوري في جلسته الاولي القسم الدستوري ويوافقون بالاجماع علي ترشيح بشار الاسد لولاية دستورية جديدة مدتها سبع سنوات تبدأ من 17 تموز/يوليو المقبل.

ان يكون اقسي حكم علي معتقل رأي يصدر في اليوم نفسه لاعادة ترشيحه لولاية رئاسية ثانية فذلك يعني ان علي الجميع ان يفهم بان قبضة الاسد قوية كفاية ليبقي ونظامه متماسكين ومستمرين كلاعب اساسي في الاحداث التي تجري في المنطقة، وانه لا يمكن لمعارضيه ان يدافع عنهم احد مثل جورج بوش او غيره، وانه قوي كفاية لمقاومة الضغط علي نظامه من الداخل والخارج، فالاستفتاء الرئاسي الذي تم تقديم موعده شهرين (المفترض انه حزيران/يونيو 2007) جاء بناء علي توقعات موعد اقرار المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة، انه من المفهوم اذاً لِمَ حظيت المحكمة الدولية بجزء مهم وغير عادي من خطابه الذي القاه في مجلس الشعب (في اليوم الذي اعيد فيه ترشيحه) وتأكيده فيه علي ان المحكمة الدولية موضوع خاص بين لبنان والامم المتحدة، وليس معنياً بها بصورة مباشرة، ولا بأي ملاحظات وبأي رأي تجاهها، لكن استحقاق المحكمة الدولية ـ الذي يدرك انه يهدد نظامه؛ فسورية هي الجهة الوحيدة المتهمة وفق تقارير المحققين الدوليين: ميلس وبراميرتس ـ جعله يستبق الحدث ليتمكن من التفرغ لمواجهته خوفاً من ان تخلق المحكمة الدولية مناخاً للحديث عن رئيس بديل في موسم الانتخابات الرئاسية وفي خضم احداث ستكون بلا شك بالغة السخونة.

في عام 2000 عدل الدستور السوري خلال نصف ساعة، وتم تغيير المادة الدستورية الخاصة بعمر الرئيس ليتسني لبشار الاسد ان يتبوأ منصب الرئاسة، كان هذا حدثاً دشن رسمياً وعلنياً لعدم احترام الدستور والاستهانة به. لقد كان الأب حريصاً علي احترام الدستور شكلياً، لكن عهد الابن بدأ بعدم احترام الدستور حتي شكلياً، ومن المنطقي ان اصبح مقام الرئاسة اقل هيبة منه في عهد الاسد الأب، فالتوجه الي الرئيس ومطالبته بالاصلاحات فور توليه الرئاسة ما كان ممكناً في عهد الأب، واليوم يطالب الناشطون داخل سورية بالتنافس علي منصب رئيس الجمهورية عن طريق الانتخاب وليس الاستفتاء، والي تعديل الآلية الدستورية التي يتم بموجبها انتخاب رئيس الجمهورية، لضمان تعددية سياسية وامكانية المنافسة بين اكثر من مرشح.

لم يكن بامكان الرئيس الشاب ان يواجه تركة ابيه بمفرده، لم يستطع التحرر منها، ولم يستطع هو ومعاونوه ادراك اختلاف الظروف والمعادلات الدولية والاقليمية، التي كانت قد بدأت مؤشراتها بانسحاب اسرائيل من جنوب لبنان قبل وفاة الأب بأشهر قليلة عام 2000، فقد ادي الانسحاب الاسرائيلي الي مطالبة الجيش السوري بالانسحاب من لبنان تنفيذاً لاتفاق الطائف (1989)، لكن العقل السياسي السوري الذي حكم لبنان قرابة ثلاثة عقود ونصف لم يتغير، قرر الرئيس الاسد ضرورة التمديد للرئيس اللبناني اميل لحود، وادي هذا القرار الي اصطفاف حاد في الطبقة السياسية اللبنانية بين المعارضة والمولاة، وجاء القرار الدولي 1559 الذي يطالب الجيش السوري بالانسحاب من لبنان، ثم حدث مقتل رئيس الوزراء رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005 ليحول لبنان الي لعنة فرعونية، فقد دولت القضية اللبنانية وأضحت العلاقات السورية ـ اللبنانية رهينة قرارات دولية متتالية، غير ان الأهم في كل ذك والأخطر علي النظام السوري هو اتهامه من قبل المحققين الدوليين بالضلوع في مقتل الحريري.

كانت لبنان بالنسبة لبشار الاسد العلاقة مع لبنان الشقيق هي نموذج للعلاقة بين بلدين عربيين (خطاب القسم 2000)، واصبحت خلال ولايته الرئاسية الاولي اسوأ نموذج لعلاقة بين بلدين جارين، حاول الاسد مقايضة الامريكيين الملف اللبناني بالملف العراقي ويبدو انه كان ثمة تفكير بأن الضغط في العراق سيجلب الامريكيين راكعين في بيروت، لكن ذلك لم يحدث، سورية اليوم بنظر الامريكيين زادت الوضع في العراق سوءاً (الجنرال بترايوس، قائد القوات الامريكية في العراق 26/04/2007). ويرفض الامريكيون الحوار معها، وفي وقت من الاوقات بدا ان بامكان سورية ان تكون صديقاً للامريكيين، لكن بعد ما حصل في لبنان والعراق الامر اختلف تماماً.

سلسلة طويلة من الاخفاقات ادت اليها السياسات الخاطئة طيلة الولاية الاولي للرئيس بشار الاسد، فقدت فيها سورية علاقاتها وتعاطف جيرانها العرب (ممن سماهم الاسد في خطاب حماسي: انصاف الرجال ) واصدقاءها، وخلال اربع سنوات خسر الاسد جميع حلفائه الدوليين الفاعلين، باستثناء الدول الشبيهة (ايران وكوريا وكوبا)، ربما لقد كان متفوقاً في انجاز ذلك بسرعة ملفتة للنظر! وبدلاً من ان يحاول الاسد كسب العلاقات العربية، فهو يؤمن ـ كما في خطاب القسم للولاية الرئاسية الاولي ـ بأن جهودنا الحثيثة لتدعيم اوضاعنا الداخلية تعززها علاقاتنا مع الدول الاخري ألقي جميعها في سلة ايران، واصبحت أعلام حزب الله اللبناني ترفع في المناسبات الرسمية و اعراس الديمقراطية اكثر من العلم الوطني.

سورية اصبحت في عزلة، وبات من المنطقي ان تكون لدي الاسد حساسية عالية جداً تجاه التدخلات الاجنبية، فهو يري انه يمر بـ اصعب الظروف التي يمكن ان تمر بها دولة (قناة دبي، 23/8/2006)، وكل شخص ستتدخل ايّ من الاطراف الدولية من اجله سيوصف بالخيانة والعمالة.

طريقة تولي بشار الاسد منصب الرئاسة بالتوريث بشكليات جمهورية هزيلة كانت سبباً رئيساً في ولادة ربيع دمشق عام 2000، ثم ان المنطق الذي عُومِل بها نشطاء ربيع دمشق (الاعتقال والسجن لخمس سنوات)، والوعود بالاصلاح التي لم ينفذ منها شيء يستحق الذكر الي توحيد المعارضة في الداخل والخارج، صحيح ان ثمة اصلاحات اقتصادية أدت الي نمو بمعدل 5%، لكن هذه الاصلاحات فصلت علي مقاس اقربائه ومقربيه، الذين كانت فائدة النمو الاقتصادي محصورة بهم، واما القضاء فقد بقي فاسداً، وقانون الطوارئ ما زال سارياً منذ اربعة واربعين عاماً، وظل الاصلاح السياسي محرماً من محرمات الدولة حتي اليوم، لم يصدر حتي اليوم قانون يقر التعددية الحزبية، رغم الوعود المتلاحقة به، والافق السياسي الذي كان يبشر بالانفتاح في ربيع دمشق قد سد الآن تماماً. ما الذي بقي من وعود الاصلاح؟ في الواقع لم يبق سوي الكلمات، واما احترام القانون الذي كان الاسد يعلم جيداً ان فيه حفاظ علي كرامة المواطن من قبل الدولة وعلي كرامة الدولة من قبل المواطن وفيه ضمان لحريتنا وحرية الآخرين، (خطاب القسم 2000) فقد كان آخر امر يمكن التفكير فيه، فثلاثة احكام صدرت باسم القانون ضد معتقلي الرأي في شهر واحد قبل اعلان التجديد او لنقل التمديد لولاية رئاسية ثانية علي الارجح سينال نسبة مشابهة لنسبة ولايته الرئاسية الاولي (97.29%)، وبدلاً من ان يصبح القانون ضماناً للحريات استخدم اساساً لعقاب المعارضين. كل هذا حفز المعارضة لتوحد مطالبها تحت مظلة اعلان دمشق للتغيير الديمقراطي (تشرين الاول/اكتوبر 2005) الذي جمع لاول مرة في تاريخ سورية المعارضة في الداخل والخارج علي مبادئ العمل السياسي الوطني وتغيير النظام (سلمياً) بدلاً من اصلاحه. انا لست الشخص الوحيد الذي من حقه ان يكون رئيساً (الرئيس بشار الاسد في حديثه لقناة (CNN) 12/10/2005)، والدستور يمنح هذا الحق لكل مواطن سوري، والواقع ان يكون تولي منصب الرئاسة حق كل مواطن شيء، وان يُمارس باعتباره حقاًَ لشخص واحد شيء آخر، في هذا الاستفتاء ـ كما في عهد الأب ـ ليس هناك مرشحون لا حقيقيون ولا وهميون، لانه لا يُسمح لأحد بالترشح، (وجه المحامي عبد الله الخليل، ناشط حقوقي، رسالة الي القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم في سورية يعلن فيها عن رغبته بترشيح نفسه للمنصب الرئاسي، استناداً الي مواد الدستور السوري، صحيح ان طلبه لم يلق رداً، ولم يؤخذ طلبه من قبل السوريين في الداخل علي محمل الجد، الا انه كان من المستحيل تخيل ان يتشجع احد ويطلب ترشيح نفسه لمنصب الرئاسة)، اما المنتخبون فليس الانتخاب امراً يمكن الامتناع عنه، يجب عليهم جميعاً التصويت بـ نعم، لان التصويت بنعم لبشار الاسد واجب وطني (كما تقول احدي اللافتات في ساحة السبع بحرات بدمشق). البعض من الآن علق علي لافتات التأييد في ساحات دمشق عبارة بشار الاسد الي الابد، هذه العبارة التي تقال له بعد سبع سنوات من تسلمــــه منصب الرئاسة لم يتجرأ الاسد الأب لكي ينـــادي له بها في اقل من عشرين عاماً! اذا كنت ديكتاتوراً فان الناس سيكرهونك، لا تصدق ان الناس تحب الديكتاتور! (الاسد لقناة (BBC)، 10/10/2005) وتصديقاً لذلك فقد كانت الشعار الأبرز الذي اتفق عليه مديرو عرس الديمقراطية (العبارة التي يستخدمها الاعلام الرسمي لوصف الاستفتاء الرئاسي) هو: منحبك (باللهجة الشامية)، كما لو ان علي السوريين ان يحبوه رغماً عنهم كي لا يكون دكتاتوراً. من سيخلف بشار الاسد؟ (صحافية سألت الرئيس الاسد علي هامش مقابلة)، طبعاً حافظ الاسد! (اجاب الرئيس بشار الاسد مبتسماً)، وسواء أكان القصد هو حافظ اسد الأب او كان حافظ اسد الحفيد (ابن الرئيس بشار) فانه يبدو ان قصر الشعب لن يدخله احد من الشعب، ولتذكير الزائر لدمشق فانه علي ابواب دمشق وعند ملتقي الطريق من بيروت الي دمشق، ومن القنيطرة الي دمشق تصادف القادمين لوحة مرورية مكتوب عليها: عقدة قصر الشعب، ولا بد للآتي الي دمشق من المرور عبرها.

ہ كاتب سوري، باحث في مركز دمشق لدراسات حقوق الانسان8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية