سلمى التجاني بعد عشرة أعوام من التعامل مع قضية دارفور أعلنت الحكومة في منتصف يناير الماضي أن توجهاتها المعلنة تجاه القضية هي الحوار فرادى مع حاملي السلاح وفقاً للواء جمال الدين عمر مدير الإستخبارات العسكرية، ويمكن أن نقرأ من هذ التصريح الكثير :فالخبر الجيد أن هنالك خطة لدى الحكومة للتعامل مع هذه القضية المتطاولة، لكن وجود الخطة بالقطع لا يعني نجاحها ، فاتفاق أبوجا في مايو 2006 كان بمثابة تدشين لهذا التوجه، وقد لعب فيه الضغط الدولي وحيرة الحكومة وعدم وجود خيارات دوراً كبيراً، وبرغم عدم قدرة الإتفاق على تحقيق نجاحٍ يذكر على المستوى الأمني والإنساني لكن الحكومة اتخذته كنموذج للتعامل مع القضية مستفيدةً من جانبه الأمني أيما استفادة حتى بدا وكأنها وقعت الإتفاق لأجل هذا الجانب فقط ، فقد هاجمت الحركات التي لم توقع بعد وجففت وجودها في اكبر معاقلها بشمال دارفور في عملية شهيرة أطلق عليها دكتور نافع الممسك بالملف في ذلك الوقت بالتنظيف في أواخر العام 2008 ، بل ويمكن القول أن عملية التنظيف تلك أدت في ذلك الوقت لإضعاف العمل العسكري والسيطرة على المنافذ التي كانت تؤمن الموارد الهامة للحركات، تم ذلك بمساعدة وعبر مواقع الحركة الموقعة على اتفاق أبوجا .إذن التفاوض والتوقيع بالتجزئة وضح منذ أبوجا أنه يحقق المنافع ألامنية على الأرض للحكومة ويكسبها في ذات الوقت وضعا سياسيا مريحا يمكنها من التعامل مع القضية بأكملها بنفس بارد وحبل الصبر الذي يربط ويحل، كذلك يضعها في خانة المهتم للوصول لإتفاق، فمنذ أبوجا دخلت الحكومة في حالة تفاوض وتوقيع مستمر مع حركات دارفور، بل وكانت تساعد في تكوين حركات عبر لملمة بعض الأجنحة في حركة واحدة كما حدث مع حركة التحرير والعدالة الموقعة على اتفاق الدوحة في يونيو 2011 م، وربما تمد يد العون لتختار اسما للحركة، كل ذلك معلن كسياسة للدولة .الغريب أنها تجد من ينفذ هذه السياسة من حركات دارفور، ربما كان البعض من أبناء دارفوريحرص على تحقيق السلام، وقد يطمع البعض الآخر في المنافع التي يحققها عبر الدخول كزبون في متجر السلام بالتجزئة الحكومي، لكنهم على أي حال قدموا ولا زالوا الكثير من العون السياسي والعسكري على الأرض لصالح انجاح توجه وسياسة الحكومة .كذلك ما يُقرأ من حديث اللواء جمال الدين تمسك الحكومة بسياسة الحوار بالتقسيط دون مراجعة، فإن كانت هذه السياسة ناجحة لما انهار اتفاق ابوجا وعاد موقعوه لحمل السلاح من جديد، ولاستطاعت الفصائل المنقسمة من بعضها البعض التي وجدت فيها الحكومة ضالتها للحفاظ على طاولة تفاوض مشغولة بتحقيق السلام المنشود، وأكاد أجزم ان الحكومة نفسها لا تستطيع حصر الفصائل التي وقعت والأخرى التي لا زالت على طاولات تفاوض متعددة، ويصعب عليها ايضاً تحديد عدد المنخرطين في تقديم التسهيلات لهذه العملية اللامتناهية .وإن كانت هذه الخطة ناحجة لما احتاجت الحكومة لإرسال مندوبيها حول العالم لبحث إمكانية التفاوض مع الحركات الكبرى دون جدوى، ولما أصبح هناك المقر الثابت للتفاوض بالدوحة لا يخلو في أي وقت من متفاوض لا يتردد في تكرار تجارب فاشلة سابقة. كل ذلك وهي تنفذ الآن في اتفاق جزئي آخر وقعته في الدوحة نفسها مع حركة التحرير والعدالة منذ أكثر من عامٍ ونصف ولا زال الحال نفس الحال: معسكرات النازحين قائمة كأكبر مظهر للأزمة، ولاجئين لا زالوا بتشاد، بل تفرقوا حول العالم بحثاً عن أمان افتقدوه في بلادهم وجيرانها . هذا على المستوى الإنساني أما على المستوى الأمني فالعنف يراوح محله وصوت الرصاص يعلو والمعارك تدور بمناطق مختلفة من دارفور وجزء من كردفان، بل اصبحت المنطقة قابلة للإشتعال في أي لحظة، فالاتفاقات المجتزأة هذه كانت تحمل فيما تحمل في الغالب نفساً قبليا تعلمه الحركات الموقعة وتدركه الحكومة ما ساعد في انتشار السلاح ، حتى بعض الولاة دخلوا في سباق التسلح هذا وعلى أساس قبلي، وأصبح الجميع في جاهزية للدخول في معارك لمجرد خلاف حتى لوكان على التنقيب عن الذهب كما حدث ويحدث في مناطق متفرقة من دارفور.ولعل الإمساك بحبل المهلة في التعامل مع دارفور والإتفاقات الكثيرة الموقعة مع الحركات إضافة لاسباب أخرى أدت لتراجع الإهتمام الدولي بالقضية، لم يذكرهم دخول أفراد من تنظيم القاعدة قادمين من مالي للمنطقة بأن هناك أزمة لا زالت قائمة، بالاضافة الى نازحين تطاول بهم العهد بعيداً عن مناطقهم وحياتهم التي كانوا يمارسونها حتى أصبحت تتعالى أصوات بعضهم بعدم الرغبة في العودة إلى مناطقه التي جاؤوا منها، كل ذلك لم يذكر المجتمع الدولي بما فعلوه من دورٍ في هلهلة القضية وربما تجفيفها وذلك بدعمهم لاتفاقات تشبه بالكربون اتفاقات سابقة فاشلة .على كلٍ هذه هي عشرة أعوامٍ من الفشل في التعامل مع أمرٍ هام وعادل كقضية دافور، وربمــــا غدا أو بعــــده توقـــع الحكومة اتفاقا جديدا مع احد فصائل حركة العدل الموجودة الآن بالدوحة، وقد يكون هناك فصيل آخر يفاوض عسكريا حكوميا آخر ما يستحق وقفة وتساؤل: هل تجدي هذه الطريقة في حل الأزمة أم أن الحكومة تريد الإحتفاظ بالوضع كما هو لا سلام ولا حرب حتى يعتاد الناس على الوضع القائم؟، فصائل تحارب وأخرى تصالح ونازح يستقر في مكان نزوحه ولا مستفيد، حتى الحكومة نفسها لو كانت تعلم.’ اعلامية من السودان qmdqpt