عقد على احتلال العراق: ما الذي جرى؟

حجم الخط
0

صار معروفاً للقاصي والداني ما مر بالعراق من غزو واحتلال وعملية سياسية ومقاومة وإرهاب ودمار الدولة وتحلل المجتمع بكل تفصيل، وكتب عنه ما لا يمكن إحصاؤه. غير أن القليل كتب عما أدى إلى هذا الحجم من الخراب، وكيف كان ذلك ممكناً، وكأن المسألة تتلخص في تدمير بلد من أجل التخلص من طاغية، أو أن هذا قاسى اندحاراً عسكرياً دفع حياته ثمناً له. غير أن مقدمات الغزو تكمن في حالة الشعب بعد عقدين من الحروب والقمع المتطرف، إضافة لطبيعة النظام والقوى السياسية والاجتماعية العراقية التي تعاملت مع الكارثة. فمن اللافت للنظر، الذي فاجأ الجميع، هشاشة النظام المطلقة وانعدام أي روح للمسؤولية وحس المبادرة، إن لدى رأسه أو لدى الحزب والمؤسسة العسكرية، حيث اختفت السلطة من دون إنذار وتركت شعبها وجهاز الدولة وهيكلها وقوى الأمن من دون أوامر أو حماية أو رقابة، مما أدى إلى الانهيار المريع ودخول الدبابات إلى قلب العاصمة واستباحة البلد.
لكن النظام نفسه قاد البلد تحت طائلة حصار اقتصادي شديد أرهق المواطنين وكلفهم الكثير، وبدلاً من تقنين الاقتصاد والتركيز على توفير الأساسيات، لجأ إلى المظاهر الباذخة من أجل الايحاء بأن البلد ينعم بالرخاء، فمقابل بيع منشآت القطاع العام وأملاك الدولة، كان يبني القصور والأبراج والجسور ذات الطابقين. وكما ذكر أحد المواطنين، لو أن الرئيس وفر لهم مجرد القوت الكريم لما وطأت قدم غاز أرض البلد. كما أدت السياسة الدموية للنظام، والتضييق على الطقوس الدينية، إلى تعزيز دور المرجعية الدينية في النجف، التي تعاونت مع الغزو ومنعت رعاياها من مقاومته.
لقد واجه النظام الغزو وقوى البلد السياسية – عدا الحزب الحاكم وهو هيكل خاو ينفذ إرادة الرئيس فقط – مشتتة خارج البلد أو مطاردة داخله عدا فئات شكلية تابعة أو غير مؤثرة غايتها الإيهام بصفة ديمقراطية للحكم الشمولي. وباختصار، تعرض البلد للغزو والقوى السياسية الرئيسية مسحوقة عملياً وغير منظمة. أما الفئات أو الشخصيات القومية على وجه الدقة، التي عرضت العودة للبلد للتعاون في صد الغزو، فقد قوبلت بالشكليات ولم تعط أي دور مؤثر، وهي بذاتها عجزت عن تأدية دور فعال في المقاومة، ولجأت للعشائر – ومن مناطقها ومذهبها بالذات – للتعبئة، وسرعان ما قضى المحتل على جهدها.
والعراق كان تاريخياً ومنذ الخمسينات ساحة للنشاط الفعال لحزبي البعث والشيوعي العراقي، وهما اللذان حددا هويته السياسية ومستقبله، ولهما اليد الطولى في شقه إلى كتلتين متعاديتين، منعت الدماء الغزيرة التي سالت بينهما أي إمكانية حقيقية للتعاون، وكان مجرد الانتماء للحزب الشيوعي على عهد صدام حسين حكماً مسبقاً بالاعدام، وقد رأينا عجز البعث المزري عن حماية البلد الذي اعتبره ملكاً شخصياً، واندحاره المخزي في يوم واحد. وهذه كانت فرصة ثمينة للحزب الشيوعي لقيادة البلد في التصدي للغزو، خاصة مع التعاطف التاريخي للعراقيين والوعي الطبقي الحاد لديهم، غير أن هذا الحزب اعتاد منذ إعلان الجمهورية عام ثمانية وخمسين على التحالف مع حكومات اضطهدته جميعاً، وقد فقد زمام المبادرة منذ عقود وقاد كوادره من خارج القطر قيادة رعناء جعلت من شبابهم زاداً للمشانق. لذلك وافق الحزب على الاحتلال وتعاون مع الحاكم العسكري الأمريكي وشارك أمينه العام في مجلس الحكم الذي شكله، ممثلاً لطائفته الدينية لا لحزبه.
أما الاحزاب الدينية فقد كانت على الدوام هامشية ومعادية للتيارات التقدمية في العراق والوطن العربي، إضافة لطائفيتها بحكم الانتماء المذهبي. وكان حزب الاخوان المسلمين مناهضاً للبعث ولعبد الناصر وتياره، وعدواً لدوداً للشيوعيين. هذا الحزب الضئيل التأثير نشط بعد الاحتلال تحت اسم الحزب الاسلامي، وشارك في العملية السياسية من باب تمثيل أبناء طائفته، أي تقاسم الغنيمة مع خصومه من المذهب الآخر. أما حزب الدعوة فقد نشط بصورة خاصة أثناء الحرب العراقية الإيرانية ووقف إلى جانب إيران وتعرض لحملة إعدامات استمرت حتى سقوط البلد، وهو بطبيعته طائفي مدفوع بالحقد ومعاد لفكرة الوطنية والانتماء القومي للعراق، وقد رأس حكومات الاحتلال في أشد فتراته إرهاباً ودموية ولا يزال يقود حكومة المحاصصة ويفجر الأزمة تلو الأزمة مما دفع العراق ودولته إلى طريق مسدود.
الفئة الدينية الأخرى هي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وذراعها العسكري فيلق بدر المتشكل في إيران من عراقيين مهجرين بسبب أصولهم الإيرانية، ومن جنود أسرى لدى إيران. هذا الفيلق قاتل إلى جانب الأخيرة أثناء الحرب، وشارك مشاركة فعالة في الغزو، وقاد حملات الذبح الطائفي من أجل تأجيج الحرب الأهلية، وهو الداعية الرئيسي لتقسيم العراق إلى أقاليم على أسس طائفية.
الفئة الدينية الوحيدة الواعدة والمؤثرة فعلاً والمناهضة للاحتلال هي التيار الصدري، الذي ظهر للعلن بعد الغزو ووقف بوضوح ضده وشارك في مقاومته عسكرياً، وتعاون مع مقاومي الفلوجة وغرب العراق عامة، غير أن السذاجة السياسة لقائده السيد مقتدى الصدر، وخضوعه للابتزاز دفعاه للتعاون مع العملية السياسية التي اغتنمت أول فرصة لمواجهة الفئات الجذرية (الراديكالية) في ميليشيا جيش المهدي مواجهة عسكرية وتصفيتها ميدانيا بصمت من السيد الصدر، مما أخلى السبيل للرعاع في هذه الميليشيا للتمادي في الذبح الطائفي لصالح فيلق بدر، وعلى الضد من مصالح جماهير التيار الفقيرة والمتضررة فعلاً من الاحتلال وذات الولاء الوطني. لقد أثبت هذا التيار عجزاً محزناً عن فرز اي حزب أو كتلة منظمة محددة الأهداف ووطنية التوجه يمكنها قيادة البلد نحو التحرر من الاحتلال، وبؤساً سياسياً جعل منه جعجعة ولا طحن، واقتصر دوره في العملية السياسية على إنقاذ حزب الدعوة من مأزقه مع شركائه في المحاصصة، وظل غير ذي تأثير حاسم في السياسة العراقية، ناهيك عن تسديده الطعنة الأولى والمؤثرة للمقاومة المسلحة العراقية، حيث لم يكتف بخذلانها، بل شاركت ميليشياه مشاركة فعالة في مواجهتها عسكرياً مع قوات الحكومة وفيلق بدر.
على إثر الاحتلال تشكلت هيئة علماء المسلمين برئاسة الشيخ حارث الضاري، وقد وقفت ضد الاحتلال ودعت لمقاومته، ونشطت في فضح جرائم المحتل وحكومته وتوثيق ذلك. لكن سلطة المحتل لم تصبر على الضاري طويلاً حيث اتهم بدعم الإرهاب، مما اضطره لمغادرة البلد. هذه الهيئة بدأت بالتعاون مع المرجع الديني الشيخ الخالصي في حي الكاظمية ببغداد، غير أن الحاجز المذهبي حال دون استمرار التعاون الاستراتيجي، وقصره على مناسبات معدودة. على هذه الخلفية السياسية والاجتماعية وعلى بنية تحتية خربة سقط العراق تحت عنف الجيوش الغازية. وقد كان اندحار العراق وسقوط النظام على الخصوص متوقعاً، لكن غير المتوقع كان سرعة انطلاق المقاومة العسكرية وحجمها وعنفها وتأثيرها، حيث جاء وقت كانت فيه هناك عملية عسكرية كل ربع ساعة، بحيث اضطرت العدو إلى الانسحاب لاعقاً جراحه تحت جنح ليل – على غير عادته – وأجبرت الولايات المتحدة على التخلي عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، وكلفتها تريليونات الدولارات ثمناً للحرب.
ولقد كانت المقاومة في بدئها عفوية وردة فعل مباشرة على الإهانة والعدوان السافر واستجابة لأوامر الدين في الجهاد، وامتداداً لتاريخ طويل من التصدي للغزاة، كان آخره ثورة العشرين التي أجبرت بريطانيا على التخلي عن الحكم المباشر.
يضاف إلى ذلك كون شباب وكهول العراق متدربين جيداً على استخدام السلاح ولهم خبرة ميدانية واعتياد على القتال اكتسبوها من الحروب المتعددة التي خاضها البلد، ثم وفرة السلاح في دولة أرادت أن تكون سبارطية على طريقتها. هذه الحروب المتعددة والحصار طويل المدى والكبت والقمع على مدى عقود جعل من انفجار العنف المتطرف واقعياً، توجه نحو أغراب مرغوا كرامة البلد في التراب وشكلوا تحدياً لشعب يأنف من الإذعان.
لكن طبيعة انطلاق المقاومة والفراغ السياسي في البلد وفرار القيادة الرسمية سلم زمامها لمقاتلين غير سياسيين نشأوا في بيئة منسحبة من وطأة ديكتاتورية شمولية وملتجئة إلى الدين الذي أثبت إمكانية قيادته للشعوب منذ الثورة الاسلامية في إيران، لذلك كان خطاب المقاومة الوطني والمناهض للطائفية محمولاً على شعارات دينية، وذا صفة عمومية تدعو لدحر الاحتلال وتحرير البلد. ومن الملاحظ أن حزب البعث شكل منظمة مقاومة، ولكن باسم رجال الطريقة النقشبندية، وفي ذلك تخل قاطع عن أهداف الحزب ومبادئه، وانغلاق مذهبي ومناطقي شديد. والدعوة الدينية تقوم بطبيعتها على رؤية مذهبية، وهذه تعجز عن التأثير في غير بني مذهبها، وكثيراً ما يكون لطقوسها المحلية تأثير ملموس، خاصة في كون الحاضنة الاجتماعية للمقاومين إما العشائر في المحافظات، وإما الأحياء في المدن الكبيرة كبغداد والموصل، ولهذه طبيعتها المذهبية وطقوسها الخاصة أيضاً.
لم يتقدم المقاومون العراقيون بأي مشروع اجتماعي أو رؤية لما بعد التحرير، إضافة إلى عجزهم عن التنسيق الاستراتيجي وتشكيل مجلس وطني أو قيادة مشتركة وما أشبه، وهذا زاد من التشتت، وظلت التشكيلات المقاومة الرئيسية تعمل في مناطق نفوذ لا تتخطاها، مما حد من تأثيرها على المستقبل السياسي للبلد. هذه الطبيعة العمومية وضبابية الخطاب والفقر السياسي مكن من انسحاب أجزاء مؤثرة من المقاومين لتشكيل قوات الصحوة بدعوى طرد تنظيم ‘القاعدة’ من مناطق نفوذ المقاومين، ولكن بالتعاون مع حكومة المحتل وبقيادة رؤساء العشائر ذوي النفوذ الآن في اعتصامات محافظات الغربية.
لكن المقاومة العراقية، وبعد كل شيء، نجحت في دحر المحتل وإجباره على الانسحاب، غير أنها عجزت عن تحرير البلد، وظلت حائرة إزاء عمليته السياسية التي تمادت في تخريب البلد وشقه طائفياً وعرقياً وسرقة أمواله وإشراع أبوابه للعدو الصهيوني ولكل طامع في خيرات العراق وسوقه. ولقد حرّمت المقاومة الدم العراقي، لكنها كالعادة لم تعرّف هذا الدم؛ فهل فيلق بدر عراقي، أم أن القادمين مع المحتل والمساهمين في نكبة بلدهم عراقيون؟ هذه بالتأكيد ليست تحريضاَ على إراقة الدم، لكنها إشارة إلى قصور واضح في أداء مقاومة أهملت الجانب السياسي وهو المبرر الوحيد للحرب، ورغم أنها قلبت موازين القوى، لكن دورها انتهى كما يبدو مع انتهاء المواجهة العسكرية.
واليوم يعتصم العراقيون في خمس محافظات وينفذون عصياناً مدنياً، ومع أن القيادة بيد رجال الدين، إلا أن للشباب دوراً واضحاً فيها إن من حيث أدواتهم ووسائلهم الحديثة أو من حيث معايشتهم للربيع العربي وتأثرهم بأساليبه. ومنذ أربعة أشهر والمعتصمون صامدون، مصرون على الطابع السلمي لحراكهم ورافضون للاستدراج إلى مواجهة عنيفة، وفي إدراك واضح للضرورة الجوهرية لمشاركة الجنوبيين ومواطني الفرات الأوسط في انتفاضتهم من أجل نقض العملية السياسية برمتها. ومهما كانت نتيجة هذه الاعتصامات، فقد قدمت المثل على قوة المواطنين وإمكانية مواصلة مقاومتهم بطرق سلمية، كما أثبتت أن الدعوة الوطنية والاتجاه إلى كل مواطني البلد هو الذي يمنحهم الشرعية وهو الرد السوي على سلطة المحاصصة الطائفية والإثنية، وهو الذي يجردها من سلاحها في ادعاء الديمقراطية، ويلجئها إلى العنف الذي قامت عليه كما في اقتحام ساحة الاعتصام في الحويجة وقتل وجرح المعتصمين، ويدفعها نحو مزيد من الإفلاس، والسقوط في نهاية الأمر مهما طال زمنها.
الذي جرى في العراق يدمي القلب ويقرح الوجدان، لكنه جرى وانتهى، وهناك ما يجري الآن في مواصلة المقاومة بطرق سلمية بدأت تجلو الغشاوة عن عيون العراقيين وتنير لهم طريقهم وتثبت لهم يوماً بعد آخر أن الحل الوحيد لبلواهم هو وحدتهم في وجه المحتل وعمليته السياسية وطائفيته وإرهابه، وأن لهم ربيعاً قادماً شأن أشقائهم العرب، إن هم أحسنوا فتح أبوابهم عليه.

‘ رسام عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية