واشنطن ـ من: بات روبر: بدأ أول عقود الإرهاب الأصولي العالمي وانتهى بأسامة بن لادن. وضع اغتيال العقل المدبر لهجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، في أيار/مايو الماضي، كلمة النهاية لعملية مطاردة مكثفة، لكن موروث تلك السنوات العشر باق، في القلق الذي ينتاب دائما أطقم تأمين الطائرات، في انتهاكات حقوق الإنسان، في حربين وفي جبهات جديدة للتطرف. من مدريد لمومباي، من لندن لبالي ومن باكستان لكينيا، لم تسلم من الهجمات الإرهابية سوى بقاع محدودة من العالم خلال ذلك العقد. صحيح أن ‘ربيع العرب’ الذي أزهر في 2011 ، منحنا بريق تفاؤل مع نهاية العقد بتلك الخطوات المتخبطة نحو الإصلاح غير أن النتائج ليست أكيدة. لقد أيقظت عملية اختطاف الطائرات الأمريكية الأربع بكل جرأتها من مطارات أمريكية، وتحويلها بعد ذلك إلى صواريخ قاتلة في ذلك اليوم المشمس من أيام أيلول/سبتمبر، المارد العسكري الأمريكي من سبات ما بعد حرب فيتنام. وقارن المؤرخون بين هذا الهجوم وبين الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر عام 1941 ، بوصفه آخر هجوم تتعرض لها أرض أمريكية، وأدى هو الآخر إلى إيقاظ المارد من سباته. لكن برغم التغيرات الجذرية في موازين الأمن العالمي والتحالفات التي أبرمت، فإن ذلك العقد يكاد لم يشهد ظهور فجر جديد في التاريخ العالمي، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، بل كان مجرد فصل آخر من عهد العولمة الذي بدأ مع انتهاء الحرب الباردة، حسبما يقول جيمس لينزي المحلل بمجلس العلاقات الخارجية بواشنطن. وقال لينزي لوكالة الأنباء الألمانية (د.
ب.
أ):’ ما كشف عنه 11 (أيلول) سبتمبر هو قدرة مجموعة صغيرة، في عالم تسوده (مظاهر) العولمة.. على استخدام التكنولوجيا الحديثة لإحداث قدر هائل من الضرر.. كما أنه ( كشف) بطريقة أو بأخرى عن الحدود الحقيقية للقوة حتى لدى أعتى دول العالم’. لقد بدا عدد الثلاثة آلاف ضحية الذين فقدوا حياتهم في ذلك اليوم المشمس في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا، ضئيلا إذا ما قورن بالخسائر الهائلة التي تقع في صراعات مثل صراعات رواندا والبلقان والعراق، حيث لقي 110 ألف مدني حتفهم منذ الغزو الأمريكي عام 2003 . رد الفعل الذي تلى الهجوم رآه البعض متطرفا للغاية: الإطاحة بطالبان من حكم أفغانستان بحثا عن بن لادن والإطاحة بصدام حسين في العراق. لقد قضت الحربان على أي تعاطف يكنه المجتمع الدولي للولايات المتحدة، التي قادت التحالف الدولي إلى الحرب في أفغانستان وإقناع العالم بقرار جورج بوش غزو العراق 2003 استنادا إلى يقين كاذب بأن صدام حسين كان يمتلك أسلحة دمار شامل. وتواجه البلدان قدرا كبيرا من الشكوك بعد انسحاب القوات الغربية. وقال ريتشارد ماهوني أستاذ دراسات الحرب والسلام”بكلية جونياتا في هنتينجتن بنسلفانيا لـ ‘د ب أ’ :’ (القاعدة) كانت مجموعة مهمشة منحت أهمية كبرى.. وهو ما كانت تصبو إليه.. وقيادتنا منحتهم ذلك.. لقد سلمنا انفسنا استنادا لفهم أصولي خاطئ ودفعنا ثمنا مرعبا’. ومع بدء الانسحاب التدريجي لقوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) من أفغانستان هذا الصيف والانسحاب المقرر لآخر قوات أمريكية من العراق بنهاية العام الجاري، لا تزال هناك أسئلة ضخمة عن مستقبل الحكومتين الجديدتين الهشتين اللتان تشكلتا بتطلعات للديمقراطية، تنتظر إجابات. ويتفق المحللون على أن الفراغ السياسي-فراغ السلطة-لن يولد سوى الفوضى على الأرجح. وكتب معهد ‘بروكينجز’ الذي يتخذ من واشنطن مقرا له في نيسان/أبريل الماضي، إن خروج الولايات المتحدة من العراق سيخلف على الأرجح ‘قضايا كبيرة مثل النزاعات الإقليمية بين الأكراد والعرب والتركمان.. عالقة’. وفي أفغانستان ‘سيتضح جليا (في 2012) أن التحالف يجد أنه لن يتمكن من الانسحاب دون”أن يتفكك نظام كرزاي ودون نصر عسكري لطالبان’ حسبما تنبأ جايلز دورونسورو من معهد كارنيجي للسلام الدولي في واشنطن. وقال حاتم بازيان- وهو محاضر متخصص في شؤون الشرق الأدنى والدراسات العربية والعلاقات العربية الأمريكية بجامعة بيركلي بكاليفورنيا- إنه يشك في إمكانية جمع القطع وترتيبها ثانية دون الكثير من العنف. وقال بازيان لوكالة الأنباء الألمانية (د.
ب.
أ) :’إن شق طريقنا بالسلاح عبر أفغانستان والعراق لا يمثل تحول (البلدين) إلى (مرحلة) تطوير هياكل سياسية مستدامة’. في الوقت نفسه، ظهرت باكستان بوصفها الميدان الجديد للمعركة ضد الإرهاب، جولة جديدة مع متطرفي القاعدة وطالبان على الحدود الأفغانية الباكستانية، وباتت العلاقة التي جمعت بين واشنطن وإسلام آباد في الحرب ضد الإرهاب وما شهدته تلك العلاقة من تطورات بعد 11 أيلول/سبتمبر، أسمالا بالية. كثيرا ما أثارت هجمات الطائرات الأمريكية بدون طيار التي تجتاح الاراضي الباكستانية ثائرة إسلام آباد، غير أن عملية اغتيال بن لادن في أبوت آباد كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. اليمن، بؤرة أخرى تستحوذ على اهتمام واشنطن، فهي مسقط رأس المسلح أمريكي المولد أنور العولقي، الذي ارتبط اسمه بالمجموعة التي اختطفت طائرات هجمات 11 أيلول/سبتمبر، والضابط المشتبه به في حادث إطلاق النار في قاعدة فورت هود العسكرية بولاية تكساس بل وحتى ذلك الشاب الذي حاول بواسطة متفجرات في ملابسه الداخلية تنفيذ تفجير ديترويت. لقد وافق أوباما في نيسان/أبريل 2010 على قتل الإمام العولقي في إطار مساعي كبح جماح تهديد القاعدة المتزايد في شبه الجزيرة العربية، التي تتعرض الآن لهجمات متواترة تنفذها طائرات أمريكية بدون طيار، حيث تنثر القاعدة بذور الاضطراب في اليمن. ومع انتهاء العقد، أصبحت واشنطن تتمتع بحس من الثقة أنها تمكنت من وقف المخططات الارهابية على ترابها. غير أن الغزو الامريكي لدولتين إسلاميتين رفع نبرة العداء لأمريكا في أنحاء العالم الإسلامي. أعمال التعذيب التي يزعم انها تستخدمها، وتسليمها السري لمشتبه بهم في عمليات إرهابية ومركز احتجاز جوانتانامو حيث لا يزال 170 مشتبها بهم يعانون الأمرين دون محاكمة، كلها أمور أثارت انتقاد وإدانة الحلفاء الأوروبيين، لقيام -واشنطن بالتخلى الآن عن شعلة الدفاع عن حقوق الإنسان. يقول بازيان إن عقد بن لادن شهد ‘تراجع الالتزام بمجموعة من الأفكار التي تنطوي عليها القوانين الدولية..(تلك الأفكار) كانت تفرض قيودا على الدول بعد الحرب العالمية الثانية’. وقال’ ظننا أنه لن يطعن أحد على مواثيق جنيف’. (د ب أ).