عقوبات ترامب على إيران: مفاقمة معاناة الإيرانيين والدفع نحو تشدد النخبة

 إبراهيم درويش
حجم الخط
0

أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في نيسان (إبريل) أن الولايات المتحدة ستتوقف عن منح الإعفاءات من العقوبات للدول التي تستورد النفط الإيراني وأضاف الجمعة قرارات جديدة في لعبة العقوبات التي باتت تمارسها إدارة دونالد ترامب ضد أي عدو أو يشتبه بعداوته لها، وهذه المرة لضرب النشاطات النووية المدنية.

 فحسب “ذي أتلانتك” (3/5/2019) أصدرت الولايات المتحدة حتى الآن 7,967 عقوبة على دول وأفراد وكيانات مثل ملك المخدرات المكسيكي المعروف جاكوين “إل تشابو” كوزمان ومحلات لبيع الهدايا بل وعلى مؤسسات دولة كاملة مثل الحرس الثوري الإيراني. بل وهناك عقوبات على حلفاء أمريكا الذين لا يتوقفون عن شراء النفط الإيراني في محاولات الإدارة تشديد العقوبات على الجمهورية الإسلامية لدفعها إلى التفاوض على اتفاقية تشمل مجالات جديدة لم تتطرق إليها تلك التي وقعتها إدارة ترامب عام 2015 أي برامج الصواريخ الباليستية والتأثير الإيراني في منطقة الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي تؤكد فيه إدارة ترامب أنها لا تهدف لتغيير النظام الإيراني ولكن سلوكه في المنطقة، إلا أن رجال الإدارة من الرئيس إلى وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي جون بولتون هم من مؤيدي تغيير النظام الإيراني، بل وكتب بولتون مقالا قبل اختياره مستشارا للأمن القومي دعا فيها علانية لتغيير بنية النظام الإيراني، وتحدث عن قص شريط السفارة الأمريكية في طهران في العيد الأربعين للثورة الإسلامية التي حلت ذكراها قبل شهرين.

وتعتقد الإدارة الأمريكية وصناع السياسة فيها أن الضغط على النظام الإيراني من خلال بروتوكول مشدد من العقوبات سيؤدي لانهيار البلاد، كما يحدث الآن في فنزويلا التي تعرضت لعقوبات مشددة في محاولة واشنطن تنصيب رئيس محل نيكولاس مادورو. ففي تشرين الثاني(نوفمبر) فرضت الإدارة 700 عقوبة على إيران التي تعد الهدف الأول للعقوبات الأمريكية.

ويزعم دعاة العقوبات أنها كانت السبب الذي دفع كوريا الشمالية للتفاوض حول برامجها النووية مع الولايات المتحدة وهي التي دفعت طهران سابقا للتفاوض مع إدارة أوباما. وشرحت إدارة ترامب استراتيجيتها من خلال 12 مطلبا أعلن عنها بومبيو وتشمل التوقف الكامل للنشاطات النووية ووقف دعم الجماعات الوكيلة مثل حزب الله التي تعتبرها أمريكا إرهابية والإفراج عن المواطنين الأمريكيين المعتقلين في السجون الإيرانية. وأعلن القادة الإيرانيون في الماضي أنهم ليسوا مستعدين للتفاوض حول هذه المطالب إلا أن حديث وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قبل فترة عن تبادل السجناء ربما كان إشارة لليونة في الموقف الإيراني. ويرى الكثيرون أن المطالب الأمريكية لا يمكن تحقيقها، ويقولون إن العقوبات وحدها لا تغير سلوك الأنظمة على المدى القريب، ويشيرون إلى العقوبات الدولية على العراق التي لم تؤد إلى سقوط نظام صدام حسين بل الغزو الأمريكي عام 2003. وإيران ليست جديدة على العقوبات فهي تعيش تحت وطأتها منذ وقت طويل. ومشكلة إيران أن اقتصادها يعتمد في معظمه على النفط، وهدف ترامب هو أن يتوقف تصدير النفط بشكل تام ما سيفاقم من مشاكل إيران الاقتصادية، ويزيد من نسبة التضخم والأعباء على الشعب الإيراني الذي سيكون الهدف الحقيقي للعقوبات وليس النخبة الحاكمة.

ومن هنا تأمل الإدارة الأمريكية أن تؤدي المعاناة الاقتصادية لحالة من السخط التي سادت البلاد العام الماضي وأدت لاحتجاجات في مشهد انتشرت للأرياف التي تضررت من تراجع الفرص الاقتصادية وزيادة الفقر. إلا أن ممارسة “الضغوط القصوى” على إيران تحمل في طياتها الكثير من المخاطر التي رأينا ملامحها من خلال تهديدات الحرس الثوري بقيادته الجديدة إغلاق مضيق هرمز، مع أن القيادة أكدت انها ستلجأ لهذه الخطوة حال تعرض السفن الإيرانية للهجوم. وهددت إيران بالخروج من الاتفاقية النووية التي تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن طهران لا تزال ملتزمة ببنودها. ولو فعلت هذا فيعني استئناف البرامج النووية والعودة إلى المربع الأول.

دور الإقليم

ولا يمكننا في الحديث عن إيران تجاهل الدور الإقليمي في دفع ترامب لمواقفه من إيران، فقد بات معروفا أنه يقوم بتنفيذ رغبات الأنظمة المستبدة التي أصبحت حليفته القوية، باستثناء فنزويلا، فمطلب إلغاء الاتفاقية النووية هو إسرائيلي وسعودي. فمن المعروف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سعى منذ البداية لتقويض الاتفاقية وحرض المشرعين الأمريكيين على رفضها حتى مجيء ترامب الذي لبى له رغبته بل وزاد على الهدية هدايا أخرى كانت آخرها اعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل. ولهذا رحبت إسرائيل وحلفاؤها الجدد في الخليج، السعودية والإمارات بالعقوبات المشددة باعتبارها مفيدة لأمنها وقد تستفيد تجاريا منها، خاصة أن دول الخليج النفطية ستبيع مزيدا من النفط لتعويض خسائر السوق العالمي من النفط الإيراني. وهناك مستفيدون آخرون مثل المهربين والمحامين بالإضافة لإدارة ترامب الراضية عن حرمان الاقتصاد الإيراني من أي دولار يصل إليه. وترى هذه ان 20 في المئة من اقتصاد إيران هو بيد الحرس الثوري الذي صنفته كمنظمة إرهابية، وأن أي دولار لا يصل إلى إيران يعني عدم إنفاقه على الجماعات الوكيلة أو الصواريخ الباليستية. ومن هنا ترى مجلة “ذي أتلانتك” (1/5/2019) أنه كلما حرمت إدارة ترامب إيران من السوق الشرعي والاستثمارات الخارجية كلما فتحت المجال أمام المهربين والتجارة غير الشرعية ولدى إيران خبرة ثلاثة عقود في البحث عن وسائل تتجنب فيها العقوبات من التمويه على ناقلات النفط إلى المقايضات، كما أن لدى الحرس الثوري شبكة عميقة من الواجهات التجارية التي تساعده على إخفاء أمواله. وترى الإدارة أن تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية يعني أن أي تعامل تجاري معه سيعتبر خرقا للعقوبات وفعلا جنائيا مما سيحرم البلاد من الاستثمارات الخارجية، خاصة أن الحرس مندمج بشكل كبير في اقتصاد البلاد. وتضع العقوبات الأمريكية عددا من الدول الحليفة مثل تركيا والهند ودول الاتحاد الأوروبي التي لا تزال متمسكة بالاتفاقية النووية تحت ضغوط، وهي غاضبة من العقوبات الفردية التي تصدرها أمريكا. والسؤال لا يتعلق في النهاية بنجاعة العقوبات من الناحية الاقتصادية ورضى إدارة ترامب عن النتائج ولكن على الاعتماد عليها كخيار فعال لدفع الدول ومنها إيران على تغيير سلوكها أو تغيير النظام بشكل كامل كما في فنزويلا. فلا توجد أي إشارة مثلا عن توقف نشاطات الحرس الثوري التجارية ولم يوقف دعمه للجماعات الوكيلة.

ميليشيات إيران

وفي هذا السياق فالعقوبات لا تكفي لطرد إيران من سوريا والعراق، فهي متمكنة في هذين البلدين وتخوض حربا بالوكالة في اليمن وتسلح وتدرب مقاتلي حزب الله ومناطق أخرى، واستطاعت بناء شبكات تأثير اقتصادية وعسكرية في العراق بسبب أفعال الولايات المتحدة التي منحتها الفرصة لاختراق البلد. واستخدم النظام الإيراني الاحتلال الأمريكي كعربة لتوسيع وجوده في العراق وكورقة نفوذ إيديولوجي لدعم تدخله. وأسهمت السياسة الأمريكية الطائفية في العراق بتوثيق علاقات إيران مع شيعة العراق وساعدت في الوقت نفسه على بناء شبكة من الميليشيات التي قاتل أفرادها الأمريكيين ولا يزالون يمثلون تهديدا.

امتحان العراق

ورغم العقوبات الأمريكية ووجود القوات الأمريكية في العراق إلا أن هذا لم يمنع إيران من ممارسة دور سياسي واقتصادي وإيديولوجي على البلاد. ووصف مسؤول إيراني بارز العراق باعتباره “قناة أخرى لتجنب العقوبات الأمريكية الظالمة”.  وفي هذا السياق تضع العقوبات الأمريكية العراق المندمج اقتصاده وثقافته مع إيران أمام امتحان عصيب. ويقع النظام العراقي اليوم بين هيمنة إيران وضغوط أمريكا التي أسهمت بهزيمة تنظيم “الدولة” وتحتفظ بقوات عسكرية فيه. وبات النظام العراقي والحالة هذه يتأثر بالعلاقة العدوانية بين أمريكا وإيران فكلما زادت العدوانية كلما ضعفت الحكومة العراقية. وحسب “فورين بوليسي”(30/4/2019) فالتوتر الحاصل بين طهران وواشنطن يترك أثره السلبي على العراق بشكل يجعله ساحة حرب سياسية أو حرب حقيقية بين البلدين، وهو ما يخل بالتوازن الداخلي الهش للبلد ويجعله في حالة من الاضطراب.

ووجدت أمريكا وإيران منذ الغزو الأمريكي للعراق طرقا للتعايش، مع ان الحرس الثوري دعم قوى وميليشيات لضرب القوات الأمريكية إلا أن العقوبات الجديدة تضع طبيعة التعايش الهش على المحك. فربما حاولت طهران ضرب أمريكا عبر وكلائها وحلفائها لإخفاء مسؤوليتها المباشرة. وحسب مسؤول أمني إيراني تحدث سابقا للمجلة فسيكون العراق في الواقع المسرح الأكبر احتمالا للقيام بمثل هذا العمل. وأصبحت مخاطر حرب مفتوحة اليوم أكثر احتمالا من ذي قبل. ففي أيلول (سبتمبر) 2018 سعى مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون إلى الرد على هجوم بالهاون على منشآت دبلوماسية أمريكية في بغداد والبصرة بشن غارات مباشرة على الأراضي الإيرانية. إلا أن وزير الدفاع جيمس ماتيس عارضه. ولم يعد هذا موجودا ليمنع وقوع مثل هذا، ففي المرات المقبلة قد يتحول ما يريده بولتون إلى واقع. وهناك خيارات أقل خطورة لطهران. فبإمكان إيران أن تطلب من أعضاء البرلمان العراقي تحدي التواجد العسكري الأمريكي في العراق. وبعد زيارة ترامب غير المعلنة للجنود الأمريكيين في قاعدة عين الأسد الجوية في العراق في كانون الأول (ديسمبر) قام وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف بجولة لمدة خمسة أيام في عدة مدن عراقية، وتبعه الرئيس حسن روحاني في آذار (مارس). ومما سرع تراجع العلاقة إعلان ترامب في شباط (فبراير) عن ابقاء قوات أمريكية في العراق.

وبغض النظر عن الأوضاع السائدة في العراق فزيادة الضغط الأمريكي يفاقم الاستقطاب السياسي. ففي آذار (مارس) قامت وزارة المالية الأمريكية بإدراج حركة النجباء، وهي ميليشيا شيعية، على القائمة السوداء، متهمة اياها باستقبال مساعدات من الحرس الثوري الإيراني. ومع قرار تصنيف الحرس فستكون آثار هذين التحركين عكسية. وقد تدفع بالميليشيات الشيعية المدعومة من إيران والتي تنضوي الآن تحت مظلة الحشد الشعبي بالخروج من تحت سيطرة رئيس الوزراء العراقي مشكلة كيانا عسكريا وحكما وبنية سياسية موازية تتنافس مع الحكومة المركزية. كما أن عددا من قيادات الميليشيات دخلوا الانتخابات البرلمانية وفازوا في أيار (مايو) 2018 ويمكنهم بعد وضع ميليشياتهم على القائمة السوداء الضغط على البرلمان لإنهاء الوجود الأمريكي في العراق.

وفي المحصلة تتعلق المعركة بين أمريكا وإيران الآن بشكل أساسي بالعقوبات التي تحاول واشنطن فرضها على إيران في كل أنحاء العالم، بما في ذلك في العراق والتي تحاول إيران من جانبها أن تتحايل عليها وخاصة في العراق. ويعلم المسؤولون الأمريكيون أن العراق يحتاج لسنوات طويلة للوصول إلى الاستقلال في مجال الطاقة، ومع ذلك فإنهم يضعون ضغطا قويا على الحكومة العراقية للتقليل من اعتمادها على الطاقة الإيرانية. ولا تسعى إدارة ترامب فقط لالتزام العراق بالعقوبات ولكن تطلب منه دعم الحملة ضد إيران وتهدد بإنهاء القروض والمساعدات. وهذا ضرب من الخيال فقد عملت إيران على تشبيك الاقتصاد العراقي مع اقتصادها ومن المستبعد أن تتنازل الآن عن استثماراتها.

زمن الجنرال

وفي النهاية سيؤدي التشدد الأمريكي لتشدد إيراني مماثل وصعود المعسكر المتشدد الذي لام المعتدلين على توقيع الاتفاقية النووية. ولهذا السبب توقع مقال في صحيفة “فايننشال تايمز”(1/5/2019) صعودا للجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، وتمهد له الطريق لكي يكون الرئيس الإيراني المقبل. وهو الشخص المهتم أصلا بالعراق والتأثير الإيراني بالمنطقة عامة. وإن لم يصبح سليماني رئيسا فسيكون صانع الملك الذي يحدد هوية المرشد الأعلى بعد آية الله علي خامنئي. وقالت إن الموقف الأمريكي الراديكالي يغذي التطرف الإيراني، وهو ما يعطي قاسم الجنرال فرصة. وترى الصحيفة أن إشعال اضطرابات داخلية تؤدي للإطاحة بقيادة الجمهورية الإسلامية هو ما تهدف إليه أمريكا وحلفاؤها. والجنرال في موقع مهم للتأثير نظرا لعلاقاته مع المتشددين والمعتدلين، وقد يجد فيه الإيرانيون منقذا لهم من الغطرسة الأمريكية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية