قصد الشعراء قديما سوق عكاظ ليعرضوا ما ابتدعته قرائحهم من قصائد وأراجيز بعد أن يكون الشاعر منهم قد انفق الحول كله وهو يهذبها ويغربلها. فتخرج القصيدة تختال في أبهى حلة وأشرف معنى. فيتلقفها النقاد وأغلبهم من الجمهور العارف بأسرار جودة الشعر ومهاوي سقطاته. فيحكموا للقصيدة أو عليها وللشاعر باستحقاق الفحولة أو الوقوف دونها.
ويقصد التونسيون اليوم عكاظ الأحزاب رغبة في البحث عما يقنع من البدائل التي يطرحها فحول أحزاب أعيت من رام عدها وإحصاءها. فيتوهون بين شعاب أسمائها ومفاوز خلفياتها الإيديولوجية فلا هم ممسكون منها بما يرتضون ولا هم قاطعون منها الرجاء. فالمرء واجد من جهة أحزابا قديمة معروفة يمينية أو يسارية أو عروبية ظلت سجينة إيديولوجيات تقليدية غير ‘محينة’. و مازال فحولها أسرى البلاغة القديمة و لم يغادروها إلا قليلا. على أننا نحترم هؤلاء المناضلين في غير تقديس ونقدر ما بذلوه من تضحيات تقديرا. ولئن لم نكن ضد هذه البلاغة القديمة في مختلف تمظهراتها إسلامية كانت أو يسارية أو عروبية فإننا مع أن ننزلها مكانها من التاريخ.
وإذا كان لا بد من فتح جراب الإيديولوجيا فإنه يتعين على الفاتحين إعادة النظر في صلاحية ما يحملون من أفكار رأفة بهذا الشعب. والمرء واجد من جهة ثانية أحزابا منسوخة من حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الميت نسخا بيولوجيا يعيد إلى الأذهان فتوحات علم البيولوجيا في الجامعات الأمريكية. لكن إذا صح ـ دينا- أن يخرج الحي من الميت فهل يصح فيما نحن بصدده أن يخرج الحي من الميت والولود من العاقر؟
لعل في ذلك آية لأولي الألباب. يعود المرء دكاكين هذه الأحزاب ومحلاتها فلا يكاد يجد على خوانها غير فتات إيديولوجيا مجها العقل أو علب من الاتهامات القديمة يتسلح بها الأشياع والمريدون ليرموا بها غيرهم من أنصار الأحزاب الأخرى في الفينة بعد الفينة. ألا أيها الفحول أليس جديرا بكم وقد مكن لكم هذا الشعب بعد أن كنتم أشتاتا ألا تخذلوه فتترفعوا عن هذا الاستقطاب المقيت؟ أتؤججون الخلافات إمعانا في تشويه بعضكم ورغبة في توسيع قاعدة التأييد لهذا الحزب أو ذاك؟ أهذا ما يرجوه التونسيون منكم؟ أهكذا يكون الوفاء لدماء الشهداء؟ طبعا يدرك التونسيون أن مسائل عديدة ستبقى خلافية. وهذا أمر طبيعي نظرا لتباين المشارب الفكرية والخلفيات الإيديولوجية التي تمتح منها هذه الأحزاب. لكن ما نرفضه هو تعمد قادة بعض الأحزاب وأشياعها ا توخي ضروب من الخطابات متهافتة تعزف على أوتار التونسيين الإيديولوجية وتدغدغ مشاعرهم ‘الحزبية’ وتوخي بعضها الآخر ممارسات خلناها ذهبت بذهاب الحزب المنحل تستهدف استدرار التأييد لا غير. هذه الممارسات وتلك الخطابات لا تكشف وجاهة أطروحات هذه الأحزاب وإنما تفضح جوعا للسلطة شديدا. فهل غادر قادة الأحزاب من متردم؟ يرجو التونسيون أن تكسر الأحزاب أسجية الإيديولوجيات الدوغمائية وأن تعمل على تنسيب ما تقدمه من ‘حقائق’ وأن تشرع في تدبيج بدائل اقتصادية واجتماعية… على قاعدة قراءة علمية واصفة لحاجات المجتمع الحقيقية لا المتوهمة حتى تكون هذه البدائل هي ميدان التنافس ومضمار التسابق لنيل رضى التونسيين. على هذه السبيل دون سواها يستعيد الشعب التونسي حقه في الحكم لهذا البرنامج أو ذاك. وعلى هذه السبيل نؤثث عكاظ أحزاب حقيقي. نوار ضو