علاقات صعبة: هل «الحب» مستحيل في أيامنا؟

ينتشر كل فترة، على مواقع التواصل الاجتماعي العربية، «تريند» جديد حول العلاقات الشخصية والحميمية. غالباً ما يتعلّق الأمر بلفظ باللغة الإنكليزية، يصف نوعاً مفترضاً من الشخصيات، أو العلاقات، أو الميول، أو الاضطرابات النفسية، ويترافق مع نصائح أو تحذيرات، ما يثير موجة من النقد، الذي يغلب عليه طابع السخرية والتهكّم للحال الذي وصل إليه التواصل الإنساني، وفهم الذات والآخر في عصرنا. ويخلص كثير من المتابعين إلى أن الحب نفسه، بتعريفاته المألوفة، بات متعذّراً في الشرط الحالي، تحت ضغط التعريفات والمصطلحات والتصنيفات الجديدة. وهي نتيجة قد تكون صحيحة، إلا أنها تنسى طرح سؤال مهم حول مفهوم «الحب» نفسه: لماذا يجب أن تظلّ هذه الصيغة في التواصل وبناء العلاقات سائدة ومتّبعة، رغم تغيّر الشروط التاريخية والاجتماعية؟
كثيرون لاحظوا تخلّي جانب مهم من الثقافة الجماهيرية المعاصرة عن الصيغ الرومانسية، والانتقال إلى ما يمكن تسميته خطاب «الحمائية الذاتية»، أي الميل إلى حماية الذات الفردية من «اعتداء» الآخر بكل أشكاله، واستعراض الصدمات والآلام النفسية، واعتبارها أشبه بميزة، تستحق تعاطف المجتمع ودعمه. ولهذا الانتقال بالتأكيد أسبابه ومبرراته، ضمن شروط عدم الاستقرار والضغط النفسي الشديد، التي يعيشها معظم الأفراد اليوم. تبدو الرومانسية، والقدرة على الاندماج بالآخر، أو الوله الشغوف به، مجرّد «تسميم» للمساحات الخاصة، التي يجب استثمارها إلى أقصى درجة، لتأمين الاستمرار في مجتمعات تزداد تعقيداً، وتقلّ فيها فرص الدعم المجتمعي. وبهذا المعنى فمن المنطقي أن يسعى البشر إلى حماية أنفسهم من كل آخر يشوّش قدراتهم الذهنية، وينتقص من إمكانياتهم في «تطوير» الذات وتسويقها.
إلا أن تفسير الميل إلى «الحمائية» بهذه الافتراضات، لا يجيب عن أسئلة متعددة، بخصوص التكاثر الشديد للمصطلحات والتسميات، التي باتت الرطانة بها (والسخرية منها) من سمات العصر: من أين تأتي فعلاً تلك المصطلحات؟ هل يمكن إيجاد جذور علمية أو سيكولوجية أو أيديولوجية لها؟ ولماذا تكتسب هذه القدرة الهائلة على الانتشار، وكأنها «ميم» يشاركه الناس في مدوّناتهم اليومية؟ ثم لماذا لا يستطيع الناس حماية ذواتهم الفردية، إلا إذا أغرقوا في تصنيف أنفسهم والآخرين؟ أليست تصنيفات اختزالية، بهذه الطريقة، معادية بالأساس لمفهوم الذاتية وفرادتها؟ ربما يقود التفكير بالآليات التصنيفيّة المعاصرة إلى ما هو أبعد من الأفراد، و«التريندات» المنتشرة بينهم، أي إلى ظروف الاجتماع والسياسة، التي تعطي منظوراً أشمل عن «الفرد» «»التريند».

جذور العلاقة الصحيّة

ارتبط التصنيف في العصر الحديث بممارسات علمية وبيروقراطية صارمة، اتبعتها مؤسسات، يميل عدد من مؤرخي العلوم لوصفها بـ»السلطوية»، ومن أهم أمثلتها مؤسستا الطب والطب النفسي، فقد كان إطلاق نعت مرضي على أي شخص، مؤدّياً، في حالات كثيرة، للحجر عليه، أو عزله وسجنه، أو إخضاعه لعلاج إجباري. تفككت بالتدريج صرامة تلك المؤسسات، نتيجة جدل وصراع طويل، على المستوى العلمي والنظري والاجتماعي، وبات تعيين حدود «الصحي» و»الطبيعي» أكثر مرونة، فيما أمسى كثيرٌ مما كان يعتبر شذوذاً أو مرضاً ممارسات اجتماعية مقبولة، أو سمات جسدية ونفسية يجب مراعاتها. إلا أن هذا لا يعني أن الولع بالتصنيف قد تراجع، بل على العكس، تزايدت التصنيفات والتسميات، بشكل تصعب متابعته أو أرشفته، ولكنها باتت خارج أسوار المؤسسات الانضباطية، ولم تعد تؤدي لنتائج مهدّدة بشكل مباشر للسلامة الجسدية أو الحريّة. لا يرتبط التصنيف اليوم، في البلدان الأكثر تقدّماً، بتحديد مجال معياري لما هو «سليم»، يجب أن تنتظم ضمنه أغلبية مواطني دولة ما، عبر إخضاعهم لعمل و»علوم» مؤسسات معيّنة، بقدر ما بات أسلوباً للتعامل مع «الاختلاف»، بوصفه أحد أهم أسس المجتمعات المعاصرة، المولّدة لجانب أساسي من «ثرائها»، المادي والثقافي، خاصة مع تقدّم ما يسمى «العمل العاطفي» واقتصاد الخدمات.

ربما كان من العبثي البحث عن أي جذور علمية للمصطلحات المنتشرة حالياً على مواقع التواصل، في ما لا يمتّ ما يسمى «سيكولوجيا البوب» لمدارس علم النفس الفعلية بأي صلة يمكن أخذها على محمل الجد. الأجدر ربط تلك الألفاظ الإنكليزية بظواهر مشابهة لها، مثل مصطلحات الأبراج، واليوغا، وما تقدّمه ثقافة البوب الغربية على أنه «فلسفات شرقية»، هندية أو صينية.

بمعنى أن المؤسسات العامة، مثل التعليم والإعلام والصحة، وأحياناً القضاء؛ وكذلك المؤسسات الخاصة، مثل الشركات ومؤسسات التوظيف، باتت أكثر راحة في التعامل مع مجموعات وأفراد، يقدّمون لأنفسهم تصنيفاً واضحاً، ويمكن قبوله، حتى لو لم يُعترف به رسمياً بعد ضمن السجلات البيروقراطية المعتمدة. يمكن القول هنا إن التصنيفات الجزئية باتت رمزاً أو علامة معبّرة عن الذات، وجانباً أساسياً من حضورها في كل المجالات، ومَنْ لا يستطيع تقديم تصنيفات مُقنعة عن نفسه، في سوق العمل أو المنح الدراسية أو منظمات الرعاية الاجتماعية، سواء كانت حكومية أو «غير حكومية»، فسيخسر كثيراً من المكاسب والفرص التي يؤمنها المجتمع المعاصر، والتي تتناقص بالتدريج، ما يدفع البشر دوماً لابتكار تصنيفات أكثر فرعية، وأشد جاذبية. تدريجياً، تصير الذات هي الرموز والعلامات المقدّمة عنها، لا أكثر، أي أن الأفراد، في سعيهم للاستمرار، يميلون للتماهي مع العلامة الجذّابة، على المستوى الثقافي والجنساني والجندري والعرقي. وإذا كان هذا التحول الاجتماعي مؤدّياً لما يكن تسميته «الأقللة»، أي تكثير الأقليات في المجتمع، أو تحويله لتجمّع أقليات، فإنه، للمفارقة، يؤدي أيضاً إلى نمط جديد من المعيارية، إذ على كل فرد أن يغرق في «الاعتراف»، عن ميوله وصدماته وثقافته وجذوره، أثناء تقديمه لنفسه، كي ينال قبولاً في المؤسسات وأمام بقية الأفراد. فتصير القدرة على «الاعتراف» المقنع والمقبول معيار ما هو صحي وسليم.
ينعكس كل هذا بالتأكيد على العلاقات العاطفية والحميمية، لأن الذوات، المنحلّة في علامات متعددة ومتكاثرة، ستطمح دائماً بعلاقات «صحيّة»، بالمفهوم المعياري المذكور أعلاه. وهذا يعني مزيداً من الاعتراف، المؤدي لمزيد من التصنيفات. سيطالب الشركاء بعضهم بتقديم تسميات وألفاظ مناسبة عن تجاربهم ومشاعرهم وميولهم، على النمط السائد، وسيعتبرون كل سوء تفاهم أو مُسبّب للخلاف دلالة على «امتياز» أو صدمة، أو نمط شخصية، أو ميل لا واع، أو حتى مرض.

المنجّمون الجدد

ربما كان من العبثي البحث عن أي جذور علمية للمصطلحات المنتشرة حالياً على مواقع التواصل، في ما لا يمتّ ما يسمى «سيكولوجيا البوب» لمدارس علم النفس الفعلية بأي صلة يمكن أخذها على محمل الجد. الأجدر ربط تلك الألفاظ الإنكليزية بظواهر مشابهة لها، مثل مصطلحات الأبراج، واليوغا، وما تقدّمه ثقافة البوب الغربية على أنه «فلسفات شرقية»، هندية أو صينية. توفّر هذه المعتقدات، المنتمية غالباً للخرافة أو العلم الزائف، منجماً لا ينضب من التصنيفات والمسمّيات.
يساعد التصنيف عادةً على تبسيط تعقيد العالم، عبر فرزه واختزاله ضمن قوالب ونماذج منظّمة، وهذا ما تحققه حتى العلوم الزائفة ونظريات المؤامرة، إلا أن التكاثر الحالي للمصطلحات والمسمّيات لا يساهم بالتبسيط بقدر ما يزيد الأمور تعقيداً. كثيراً ما ابتكر المحبّون في ما مضى خرافاتهم الخاصة، التي تساعدهم على بناء سياق تواصلي مشترك، كأن يؤمنوا بتوافق بين برجين فلكيين، أو تطابق رؤى روحانية ما، أو حتى «كيمياء» لا يمكن تفسيرها بين الشخصيات، فيما تبدو الخرافات الحالية أسلوباً لتعيين المحاذير والحدود وإشارات الإنذار والمخاطر، بما يجعل التواصل شديد الصعوبة. بهذا المعنى فحتى «السحر»، ومجال اللاعقلانية، الذي تتضمنه العلاقات الحميمة، تعرّض لـ»غزو» مصطلحات، تشبه شكلاً اللغة القانونية أو الطبية أو السيكولوجية، رغم أنها لغة زائفة، وخاوية تماماً من المعنى.

نحو ترميز جديد

سبق لعالم الاجتماع الألماني نيكلاس لومان تفسير نمط الحب الشغوف، الذي انتشر حول العالم بفضل الأدبيات الرومانتيكية، باعتباره «وسيلة تواصل معممة رمزياً»، بمعنى أنه ترميز منتشر اجتماعياً، ويعتمد على تراث ثقافي واسع، يساعد الأفراد على إقامة علاقات شخصانية، ضمن الأنظمة غير الشخصانية، التي تنظّم حياتهم في المجتمع الحديث، مثل أنظمة السياسة والقانون والاقتصاد.
خسارة هذه الوسيلة التواصلية في المجال الحميمي، بسبب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة، التي يعيشها معظم الناس، ستساهم بالتأكيد بزيادة ظواهر العزلة الاجتماعية، والاضطرابات النفسية، والاكتئاب، كما أنها ستعرقل بناء الأفراد لتجاربهم الذاتية والأخلاقية الفعلية، وليس تلك التي يلفّقونها، بما يتناسب مع سياسات هذه المؤسسة أو تلك.
رغم ذلك لا معنى في أيامنا لدعوة البشر للحب على طريقة الشعراء العرب، أو الرومانتيكيين الفرنسيين والألمان في القرن التاسع عشر، فتلك رموز ونماذج تواصل مضى زمنها، وغالباً ستنشأ أشكال جديدة من الارتباط، بل ربما أنماط أسريّة غير متوقعة، لها وسائلها في تأسيس مجال الحميمية، وهو تطور لا يمكن رصده بالتأكيد على «السوشيال ميديا»، وإنما في السلوكيات التكيفيّة الفعلية، التي يبتكرها البشر للتعامل مع ظروفهم الصعبة. وإلى أن تظهر ترميزات جديدة للحب، قابلة للانتشار اجتماعياً، فربما كان رفض «التريندات»، وتصنيفاتها جذرياً، أفضل فعل يمكن أن يقوم به الإنسان في حيّزه الخاص، فالخرافات تصير أشد ضرراً، عندما تكون خاوية من الجماليات والسحر.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية