محمد عبد الحكم دياب
كنت قد انتهيت من واحد من موضوعات عدة واجبة التناول؛ ترصد توابع زلزال التزوير الأكثر فحشا في تاريخ الانتخابات المصرية، بعد أن حرصت على متابعة الانتخابات التشريعية الأخيرة ومعايشتها ميدانيا. كان موضوع البداية حول ما دار من أحداث وتطورات داخل وبين أروقة ‘الحزب الديمقراطي العربي الناصري’، كمرآة عاكسة لحرب جديدة اشتعلت داخل أحزاب وجماعات مصر السياسية والدينية الكبرى؛ حرب يمكن وصفها بالحرب الأهلية السياسية، أو الحرب الحزبية الداخلية. وقررت تأجيل النشر مع اقتراب لحظة الحقيقة في تحديد مصير السودان، وكان موضوعه يطرق الرؤوس بشدة في مرحلة تاريخية فاصلة وحرجة، ولها تداعياتها ليس على مصير السودان وحده إنما على مصير محيطه العربي والافريقي. فمن المتوقع أن تتغير وتتبدل بعدها بوصلة النزاعات والصراعات والانقسامات العرقية والدينية والقبلية، لكن مع استئناف مخطط تقسيم وتفتيت المنطقة العربية؛ استكمالا لما بدأ بالعراق؛ دولة وشعبا ومذاهب وطوائف وأعراق وملل، الذي أقيمت على أنقاضه دويلات وكانتونات من كل شكل ولون؛ لم يبق من الدولة العراقية إلا المنطقة الخضراء، وتقسيم وتفتيت الوطن العربي المقطع الأوصال أصلا بمساحته الشاسعة، التي تتجاوز في العدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية بولاياتها الواحد والخمسين. بدا التقسيم واقعا لا يمكن تجاهله!
وإن كانت البداية في المشرق ومن العراق تحديدا، فقد مرت بمراحل استهلت بإنهاكه في حرب طويلة ضد إيران، ومواجهة دامية مع غزو الكويت، وحصار قاتل بعده؛ انتهى بغزو كان مقدرا له أن يكتمل زحفا على سورية، وضغطا على لبنان بالفتن الطائفية والمذهبية والعنف الأهلي، وصولا إلى الأردن الذي قيل انه اختير وطنا بديلا للفلسطينيين، ومع تراجع ذلك الاختيار يجري تفجيره من داخله؛ بشَقه وتشظيته وإعمال مبدأ الأردنة، واعتبار ذوي الأصول الفلسطينية دخلاء عليه، وعليهم الرحيل وترك الأردن لـ’الأصلاء’ من سكانه!. واكب ذلك إزدياد التباعد واتساع الشقة بين الضفة وغزة فيما تبقى من فلسطين، واشتد الخلاف والخصام على جلد الدولة الوهم قبل اصطيادها. وسيناء هي الأخرى تأكلها نار الفتن البوليسية والقبلية؛ تؤججها اختراقات صهيونية وتدخلات من قوات أمريكية متمركزة فيها، من أجل اتخاذها نقطة وثوب إلى داخل مصر. كان الانطباع أن ذلك الوثوب مؤجل إلى فرصة مناسبة، ويبدو أنها سنحت، واختيرت الإسكندرية مسرحا دمويا لعمل إرهابي من العيار الثقيل؛ لا نراه معزولا عما ينفذ في المنطقة العربية المستهدفة بالتفتيت والتقسيم والتشظي، والمعدة رديفا لكيان صهيوني يسير بخطى واسعة لتكون له الكلمة الأولى والأخيرة فيها. وما تابعناه وشاهدناه في الساعة الأولى من العام الميلادي الجديد كان مروعا بكل معنى الكلمة، لكن لا يمكن النظر إليه بمعزل عن هذه التطورات.
ومصر التي ليست بمنأى عما يجري فيها وحولها؛ لا تستطيع بوضعها الراهن أن تنجو بنفسها، فحكمها قبل بالتواطؤ مع التدخلات الجارية في رسم خرائط وتحديد أحجام وأشكال بلاد المنطقة وأقاليمها، وتراكيبها البشرية والتاريخية، ومكوناتها الاجتماعية والسياسية؛ وفق المنظور الصهيو غربي. وكشف العدوان الإجرامي على كنيسة القديسين في الإسكندرية عن وعي وطني وإنساني مفتقد لدى أهل الحكم، وبين المؤسسات الرسمية والدينية والأمنية، واتضح من ردود الأفعال على تلك الجريمة أن الكل تقريبا نسي أنه يعيش في وطن ملك لكل أبنائه؛ بغض النظر عن توجهاتهم ومعتقداتهم ومذاهبهم وألوانهم، فقَصَروا تقديم التعازي على الكنيسة، وكأن العدوان لم يجر على أرض مصرية، ولم يستهدف بعضا من أبنائها. وبدا تعامل السلطات انتقائيا، وكأنها من مخلوقات حطت علينا من كوكب آخر، وبملامح أناس لا علاقة لهم بالزمان الذي وقعت فيه الجريمة، ولا بالمكان المختار مسرحا لها؛ فالزمان هو ليلة رأس السنة الميلادية بكل ما يحمل من دلالات، والمكان كنيسة تقع في العاصمة الثانية للبلاد، وتضم الكتلة السكانية الأكبر بعد القاهرة. ما حدث لم يكن موجها لطائفة أو مذهب أو ملة؛ لقد استهدف وطنا وشعبا وأرضا؛ يراد لهم التقسيم والتمزيق، والاقتتال فيما بينهم. بمعنى أن الكل مستهدف وطنا وشعبا وأرضا، فهم جزء من أمة برسم التقسيم والإلغاء. للأسف لم يرق وعي أهل الحكم كالمعتاد إلى مستوى الحدث؛ اعتبروا أن الأذى وقع على مجرد فئة تدين بدين آخر، وهرولوا لتقديم العزاء للكنيسة ورجالها؛ لم يعز أحد منهم نفسه، وبدا المهرولون وكأنهم يقرون بطائفية لا ذنب للناس فيها، لأنها من صنع السلطات الرسمية وشبه الرسمية؛ وجدت الرعاية من عناصر وقوى انعزالية فاشية في قمة السلطة؛ نالت ترحيبا وتأييدا من قيادة الكنيسة والتيارات الانعزالية والمنغلقة التي اخترقتها؛ معززة بدور متطرفين إسلاميين يؤججون المشاعر ويحرضون أتباعهم على تكفير المواطنين وقتلهم على الهوية، وبجانبهم متربصون في الداخل والخارج يتحينون الفرص للانقضاض!. لو كانت هناك دولة لتنبهت ونبهت مواطنيها جميعا إلى طبيعة ما يمكن أن يجرى وخطورته ولكانت قد عملت على تحصين الشعب ضده قبل حدوثه، ومعالجته بما يجب أن يكون إذا ما حدث. إلا أن هذا أصبح غير ممكن في ظروف غياب الدولة، وهنا نكرر ما كتبناه تباعا بأن من أمات الدولة هم أهل الحكم أنفسهم، ومعهم منظومة بوليسية وأجهزة أمن شديدة الوطأة والتوحش؛ حلت محل سلطات الدولة ومؤسساتها، وتحكمت في كل شيء بدءا من تعيين عامل النظافة، حتى اختيار أستاذ الجامعة، نهاية بتنصيب المسؤولين الكبار والوزراء. وحين اختزلت الدولة في عائلة؛ تسلطت على الشعب بجبروتها وغلظتها وظلمها، وأصبحت لا ترحم ولا تترك الناس لرحمة الله؛ تلك العائلة وجدت ضالتها في رجال أعمال أقرب إلى جماعات المافيا وعصابات الجريمة المنظمة، ممن أحاطوا أنفسهم بفرق من الحراس الأشداء والبلطجية وقطاع الطرق على طريقة بارونات المخدرات وغسيل الأموال في جمهوريات الموز اللاتينية.
تحولت أطلال الدولة إلى مخفر مهمته الأساسية حماية عائلة مبارك وجماعات النهب المنظم، وعصابات الثروات مجهولة المصدر، وبارونات الاستثمار غير المشروع. وذلك المخفر لا شأن له بأمن الوطن ولا حياة المواطنين، وعلى العكس يذيق الناس كل صنوف الملاحقة، ويسومهم سوء العذاب، ويبتزهم ماليا وعينيا. وتشكل من ذلك تحالف صاغ لنفسه قانونا خاصا يعلو كل القوانين؛ حصنه ضد المحاسبة وجنبه المساءلة. والدولة حين تموت لا يُنتظر منها أن تتصرف كالأحياء والمسؤولين والعقلاء. ولا يتوقع من دولة هذه حالها أن تعلن حدادا أو تستقبل معزين في ضحايا كنيسة أو مسجد، أو فيمن راح في حريق قطارالصعيد، ولا من غرقرا في عبارة السلام، وتجاوزوا عددهم الألف غريق، أو من لقي حتفه في حريق مسرح بني سويف، ولا فيمن اغتيلوا غيلة في الكشح ونجع حمادي، ولا في انهيار صخرة المقطم فوق سكان الدويقة بالقاهرة، ولا في ضحايا المنازل والأبنية القديمة في الإسكندرية؛ مع أن كل هؤلاء مواطنون يفترض فيهم أنهم متساوون في الحقوق والواجبات؛ حياة وموتا. وفات على الأحزاب والجماعات الأهلية أن تعلن الحداد وتتقبل العزاء هي الأخرى! وتشاء الأقدار أن تلقي إلينا بعظتها؛ بأن خلطت دماء الضحايا معا.. مسيحيين ومسلمين. وكأنها تبعث برسالة تقول بأن علاقة الدم والانتماء لوطن وشعب واحد هي الرد الحقيقي على الإرهاب الأعمى، الذي لا يفرق بين مواطن وآخر، فكما سقط الضحايا أمام الكنيسة سقط معهم في نفس اللحظة آخرون من المسجد المجاور!. كان يجب أن يكون الحداد أهليا وشعبيا. يبدأ بتوديع رفات الضحايا إلى مثواهم الأخير، وارتداء ملابس الحداد السوداء واستقبال المعزين، فأهل الحكم لا يعنيهم هذا ولا يكترثون بمن أصيب أو مات؛ لا يقيمون لأحد وزنا، ولا يحفظون لمواطن قدرا. والسؤال هو كيف تدنى وعي أهل الحكم الوطني والسياسي والديني ومؤيديهم إلى هذه الدرجة المخزية؟ ويتدنى الوعي وينحط بفعل الاستبداد والفساد والتبعية والإفقار. ويتفاقم بالغاء السياسة والاعتماد على الترويع والعنف والعمل البوليسي وتزوير الإرادة العامة، ونشر الجهالة والخرافة، وتزكية السلوكيات الغريزية الحيوانية، وبعدم التحصين ضد المغريات، ونشر ثقافة التكالب على المنافع الخاصة والامتيازات الشخصية، لذا تراجعت القيم الحامية للمجتمع، وتخلفت التقاليد الراعية للاستقرار الروحي والنفسي، والمحققة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، والبانية للقوة الذاتية. أضعف حسني مبارك مصر، وأفقد المصريين مناعتهم، وأحدث فراغا قاتلا جعل مصر مستباحة من الداخل والخارج، وكان لا بد لهذا الفراغ أن يملأ بكل ما هو فاسد وضار ومدمر، واستوطنت أمراض التعصب والتطرف والانعزالية مصر، وهي أمراض حقيقية كبرى وضع جرثومتها الأولى أنور السادات، وانتشرت وباءً على يد حسني مبارك. ومع استيطان ذلك الوباء توجه المجهود السياسي والاقتصادي والأمني ليصبح في خدمة المشروع الصهيوني. وهو الذي أوصل مصر إلى هذه الحال، وجعل الأمن أحرص على حشد وتجنيد الآلاف من أعلى الرتب لديه لحماية وتأمين سلامة يهود وافدين من الدولة الصهيونية للاحتفال بمولد ‘أبو حصيرة’ في قرية ديمتيوه بمحافظة البحيرة جنوب غربي الإسكندرية وشمال غربى القاهرة، تنفيذا للاهتمام الخاص الذي يبديه كل من مبارك الأب والابن تجاه كل ما هو صهيوني، وانعكس ذلك تراخيا وقصورا في توفير الأمن لدور العبادة الإسلامية والمسيحية المستهدفة في وقت تشتعل فيه الفتن الطائفية والعنف الديني والمذهبي. لقد أنتج التدين الشكلي، إسلاميا ومسيحيا، تعصبا واختراقات مذهبية وطائفية لم تتعودها مصر على مدى تاريخها الطويل. واستغله حسني مبارك متعمدا في قتل شخصية مصر الوطنية وطمس هويتها القومية ودورها الحضاري؛ فأنطفأ إشعاعها، وضعف تأثيرها العابر للحدود. وحين يقع بلد في أسر جهالة وتدين شكلي، وتحاصره الانعزالية ويطوقه الانغلاق يتحول إلى كم معطل، وكيان كسيح، ومطمع للمتعصبين والمتطرفين وأرباب السوابق والبلطجية، ويصبح مرتعا لجماعات وقوى تتعيش وتتغذى على سفك دماء الأبرياء. وإذا لم تحدث صحوة وطنية وإفاقة سياسية تواجه هذه المخاطر الداخلية والخارجية، وتتصدى لاختراقات الأجهزة المعادية، وتترصد مغامرات اللاعبين بالنار؛ فلا أمل في أي مسكنات. لكن ما الذي جعل مصر مسرحا للإرهاب الأسود والعنف الطائفي الآن؟ ما هي الظروف التي أدت إلى هذا؟ وعلى من تقع المسؤولية؟ أسئلة معلقة سنحاول الإجابة عليها في المستقبل القريب إن شاء الله. ‘ كاتب من مصر يقيم في لندن