علاقة سعي المصريين لبناء مؤسسات موازية بانتشار ثقافة الاحتجاج: دلالات الهدوء الذي يبدو علي سطح الحياة السياسية المصرية

حجم الخط
0

علاقة سعي المصريين لبناء مؤسسات موازية بانتشار ثقافة الاحتجاج: دلالات الهدوء الذي يبدو علي سطح الحياة السياسية المصرية

محمد عبدالحكم ديابعلاقة سعي المصريين لبناء مؤسسات موازية بانتشار ثقافة الاحتجاج: دلالات الهدوء الذي يبدو علي سطح الحياة السياسية المصريةتبدو الأوضاع هادئة علي سطح الحياة السياسية المصرية، وهذا أثار قلق قوي كثيرة، منها ما يري في ذلك تراجعا عن حراك سياسي، وصل ذروته، قبيل وخلال انتخابات 2005 التشريعية والرئاسية، أو نهاية لصحوة، توصف بأنها عابرة، ومنها من يراه هدوءا يسبق عاصفة قادمة يتوقعها أغلب الناس، ونحن نميل الي الرأي، الذي يري أن الأمور ليست بهذه البساطة، لأن الحكم علي المجتمعات بهذا الشكل، وتصوير الأمر بأنه ليس الا خيارا بين الأبيض والأسود، لا يستقيم مع حقائق التطور الانساني وقواعد الحراك البشري، ويتناقض مع سنة التغيير. وكثيرا ما يبدو سطح النهر هادئا وديعا، الا أن أعماقه تمور بالحياة والحركة. فالحياة تحت سطح نهر جار ومتجدد لا تتوقف، واعتقد أن هناك شعورا غلب علي البعض، في أعقاب ما حدث من توتر داخل الحركة المصرية من أجل التغيير، كفاية ، وانسحاب عدد من مؤسسيها وقادتها، والسبب في نمو هذا الاحساس هو حجم الآمال التي علقها هذا البعض عليها، وعندما لم تتحقق هذه الأهداف، حسب تصورهم، انتابهم هذا الشعور.ونحن ممن يعتقدون أن حركة كفاية حققت شيئا مهما، أشرنا اليه في مقالات سابقة، ولا بأس من التذكير به، وهو أنها كسرت حاجز الخوف، وقللت من رهاب السلطة في نفوس كثير من المواطنين، وبعثت الروح في الطبقة الوسطي، التي كانت قد ضاقت وانحسرت، مما شجع أناسا علي النزول الي الشوارع، وممارسة الاحتجاج والرفض بشكل ملحوظ.. فعاد الدم يسري في شرايين كانت قد أصيبت بالتصلب.ومن يزور القاهرة، هذه الأيام، سوف يلحظ أن القوي المعنية بالتغيير، تختلف كثيرا وتتباين في آرائها تجاه تفسير الحالة الراهنة، ويجد أن هناك عملية بحث جارية، للتعرف علي الأسباب الحقيقة لها، وفسرها البعض بأنها نجاح لحسني مبارك، وتعبير عن عبقرية كامنة فيه وفي حكمه، وبراعة من جماعات المستفيدين منه، وآخرون اعتبروا ذلك علامة من علامات الموات، وما كانت كفاية الا صحوة موت عابرة، مرت بالحياة السياسية المصرية. ونحن نعتقد أن الأمر لا هذا ولا ذاك. فحكم حسني مبارك لا يتحلي بأي عبقرية، ولا يحمل ملمحا واحدا منها، فضلا عن افتقاره للخيال السياسي، الذي يحتاجه الحكم الرشيد، في التعامل مع مشاكل ومتطلبات ورغبات الشعب الذي يحكمه.. فكيف لحكم يعتمد في ادارته لشؤون البلاد، علي البطش واللصوصية وارتكاب أبشع الجرائم في حق الشعب، أن يوصف بالعبقرية؟ فمن هذا العبقري الذي يقوم بهذه الممارسات الشاذة والأنشطة غير المشروعة؟ وما هي علاقة العبقرية بالقتل المادي، تحت التعذيب، والموت المعنوي. باهدار الكرامة، وهتك الأعراض؟ من هذا الذي يدعي بأن المجرم أو الفاسد عبقري؟ ان الدراسات الجادة تثبت عكس ذلك، فالمسلك الاجرامي، والنشاط المنحرف، كله يخرج عن جادة الحياة السوية، وغير الأسوياء ليسوا بعباقرة، وقد نستثني من يرتكب جريمته تحت وطأة الجنون، أو المرض النفسي، أو من وقع في براثن الادمان، لظرف أو آخر. ومن يتابع ويطلع علي دراسات تطبيقية وجادة، في مجالات الاجتماع والنفس والسياسة، سوف يجد أنها تؤكد عكس ذلك الرأي القائل بعبقرية المجرم أو المنحرف أو الفاسد، فالقدرات العقلية للمجرمين والمنحرفين هي الأقل، مقارنة بالأسوياء. واذا كان نظام حسني مبارك، بشهادات كثيرة موثقة، من أكثر النظم اجراما وانحرافا وفسادا، فمعني هذا أنه الأكثر غباء وتخلفا عقليا.أما أن الحالة الراهنة تعبر عن موات، فهذا ما نجادل فيه ولا نرجحه، ويبدو أن من يقولون بهذا وقعوا فيما وقع فيه بعض مثقفي الغرب، ممن تصوروا، بتأثير سكرة الانتصار علي الاتحاد السوفييتي، أن التطور قد توقف وأن الأمور قد دانت لهم. فخرجوا علي العالم بنظريتهم، التي تم التراجع عنها فيما بعد، وهي نهاية التاريخ ، لتأكيد اعتقادهم بالهزيمة المطلقة لكل ما هو غير رأسمالي، ومن أجل أن يعطوا أنفسهم حق مصادرة حق الغير في الحياة خارج دوائرهم، والاستسلام لما يفرضونه، ويلبي مطالب القوة الأعظم الوحيدة، وجاءت تحولات أمريكا اللاتينية، في مسار معاكس تماما لنظرية نهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية، لتؤكد أن غرور القوة يأتي بنفس النتائج التي تأتي بها دونية الهزيمة، ولا يختلف أنصار القول بالموات عن مؤيدي نهاية التاريخ ، وهم ليسوا سوي جماعة متشائمة، غير قادرة علي رؤية مستقلة، خارج نطاق تجبر أجهزة الأمن، وسطوة مافيا الحكم. ونحن ممن يميلون الي أن السبب في الوصول الي هذه الأحكام، هو غياب التواصل، المساعد علي كشف عمق ما يجري تحت سطح الحياة السياسية، وضعف العلاقة، بين النخب من جهة، والقطاعات الشعبية العريضة من جهة أخري.وكان الوجود في القاهرة فرصة لمتابعة الاهتمام، الذي استحوذ علي عدد من الأكاديميين وأساتذة الجامعات والخبراء والمهتمين، بالشأن الداخلي لكشف أسرار انفصال النخبة، بمحدودية حجمها، عن القوي الأكثر اتساعا، علي المستوي الشعبي والجماهيري، مثل العمال والطلاب والفلاحين، وأصبحت هذه القضية شغل هؤلاء الشاغل، وقد اكتشفوا أن انتشار جماعات التغيير ، بين الشباب والمثقفين والأكاديميين والقضاة والمرأة، لم يخرج بعد عن دوائر النخبة، فبقيت محدودة بمحدودية حجم الفئات المعبرة عنها، وبالحوار معهم أمكن اكتشاف وجود ما يفسر هذا العيب ويعالجه، فانتشار ثقافة الاحتجاج ، اذا جاز التعبير، في أوساط غير نخبوية، أدي الي عدم مرور يوم دون احتجاج أو اعتصام بشكل ما، في مصنع أو شركة أو معهد أو جامعة، أو بين هذه الفئة أو تلك. ومع أنها ثقافة ما زالت في بدايتها، لم تتجاوز في تأثيرها حدود المصالح الفئوية عند القطاعات عريضة من شعب، الا أنها مرشحة للانتشار.فمن اضراب واعتصامات الطلاب احتجاجا علي حرمان زملاء لهم عن الترشيح، مرورا بعمال النسيج في مصانع المحلة الكبري، بمحافظة الغربية في وسط الدلتا، في كانون الاول (ديسمبر) 2006، وصولا الي اضراب عمال النظافة، في محافظة الجيزة، علي تخوم القاهرة، يوم السبت الماضي، وأخيرا اعتصام سائقي قطارات السكك الحديدية والأنفاق، الأربعاء الأخير. ونتوقف عند مشكلة النظافة، التي تشغل بال الرأي العام من زمن. ففي الوقت الذي أعلنت فيه أجهزة الدولة عجزها الفاضح في حل مشكلة النظافة، بعد أن أوكلت المهمة الي شركات أجنبية، فشلت بدورها، وحلت محلها شركات أخري، لرجال أعمال مصريين، بدت وكأنها تتآمر علي صحة المصريين وتدميرها، فزادت من تفشي التلوث، وانتشار القاذورات، وتراكم القمامة، في المدن والعواصم، ولا يستثني من ذلك غير أحياء الأغنياء ومنتجعاتهم. وقصر الاهتمام علي هذه الأحياء والمنتجعات وتوفير الخدمات الكاملة لها، جاء علي حساب باقي مدن وقري مصر، بشكل فاقم من وطأة الأمراض بشكل أدي الي توطنها، في عشوائيات وأحياء الفقراء ومحدودي الدخل. في ظل هذا الواقع المتردي لأحوال النظافة تم فصل عمال أضربوا عن العمل، احتجاجا علي اجبارهم علي الالتحاق بشركات جديدة، بعد الغاء وسحب رخص المتعهدين، واضطرت هيئة النظافة بالجيزة، الي أعادة العمال تحت ضغط الاضراب. ومع ذلك فهم يتوقعون الفصل من العمل مرة أخري، اذا ما رفضوا التوقيع علي عقود جديدة، لا تضمن لهم حقوقهم، حسب ما ورد في صحيفة المصري اليوم الثلاثاء الماضي. وبمناسبة اضراب عمال النظافة في الجيزة فقد شاهدت في طريقي أكبر جبل للقمامة، يمكن أن تقع عليه عين شخص، وكان علي مشارف حي المهندسين الراقي، واقترحت علي من كانوا معي التقاط صورة ملونة له، وطباعتها بكميات كبيرة، علي شكل بطاقة معايدة وتهنئة بعيد الأضحي، الذي احتفل به المسلمون السبت قبل الماضي، توزع علي كل المسؤولين، بداية من حسني مبارك حتي أصغر مسؤول. والمطلوب أن تتجاوز ثقافة الاحتجاج حدودها التقليدية، من هنا تأتي أهمية عملية التواصل بين النخب وهذه القوي. ودون ذلك لن يعطي الفعل الشعبي أثره المطلوب، ولن يري المصريون نهاية قريبة لحكم عائلة حسني مبارك، الذي أصبح استمرارها خطرا حقيقيا علي صحة المجتمع، وبنية الدولة المصرية، ولو تصورنا وجود عقل جماعي وأداة جامعة تربط بين النخب والقوي الشعبية، لحدثت نقلة تعجل برحيلها عن الحكم. وما يدور بشأن العمل علي سد الفجوة، بين النخبة والقوي الشعبية ينفي ما توصل اليه البعض من وجود موات في الشارع السياسي، بجانب أن الحصار، الذي ضربه حسني مبارك علي القوي والفئات الرافضة لنظامه أدي الي السعي لاقامة أشكال ومؤسسات موازية ، تواجه الأشكال والمؤسسات الرسمية، بعد أن أصبحت عبئا علي الفرد والمجتمع، واستمرار تشكيلها بالتزييف والتزوير والبلطجة، ويبدو أن دعوة المهندس الاستشاري ممدوح حمزة لانشاء نقابة مهندسين موازية، من عدة شهور، ردا علي عدم رفع الحراسة عن نقابة المهندسين، المستمرة من عدة سنوات، يبدو أن الدعوة وجدت صدي في أوساط الطلاب والعمال، فبعد التدخل السافر من سلطات الأمن، ومنع طلاب التيار الاسلامي من دخول الانتخابات، بادر الطلاب بانشاء اتحاد طلاب مواز، باسم اتحاد الطلاب الحر، وهكذا العمال، رغم عملية التنكيل التي تمت للطلاب، خاصة في جامعة عين شمس، أثناء عملية اجراء انتخابات اتحاد الطلاب الحر مؤخرا، وبدأت فئات وقوي أخري تتحرك علي نفس الطريق.وتبقي المشكلة فيما يتردد الآن من دعوة البعض الي اقامة برلمان مواز، وجمعية وطنية، تضع دستورا، بدل دستور مهلهل لايتحمل ترقيعا جديدا، ومع ذلك دعا حسني مبارك الي تعديل 34 مادة منه، في اجراء وصفه رئيس نادي القضاة، زكريا عبد العزيز، أنه توفيق أوضاع وليس تعديل دستور، ومع صعوبة مهمة انشاء كيانات ومؤسسات موازية، الا أن مجرد المحاولة، يبين أن الهدوء البادي علي سطح السياسة المصرية، لا يعكس تفاعلات وارهاصات، قد تحدث مفاجأة لهؤلاء الذين رأوا في الهدوء تراجعا أو مواتا، مع أن مصر تتطلع الي التغيير وتطلبه بالحاح.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية