د. محمد الوادي
بلا ريب فإن تاريخ المغرب طافح وحافل برجال عظام، في الفكر والثقافة والفن والأدب والعلوم والسياسة. ولا نحتاج إلي من يدلنا علي هذه الثروة التي هي مصدر فخرنا بهذا البلد، وأهل مكة أدري بشعابها. هذه الرموز نحتت تاريخها المشرق بإبداعاتها، واجتهاداتها، وكفاحها، ودمها الطاهر. وفي نفس الوقت أقحمت، ضمن هذا التاريخ، شخصيات أسطرت ونسجت حولها حكايات وبطولات، وروج لها سماسرة التاريخ وجعلوا منها رموزا مقدسة لا ينبغي المساس بها، أو التشكيك في ماهيتها، أو في ما يحيط بها، أو حتي طرح أسئلة تقارب جوهرها، حتي وإن كانت الغاية هي البحث عن الحقيقة التي غالبا ما تكون ضائعة ومضيعة، وتحتاج إلي الأسئلة المقلقة، المستفزة، الفوارة، وتحتاج إلي نبش معرفي، وأركيولوجي، وتاريخي، وتدقيق في التفاصيل. كل ذلك من أجل إعادة رسم الصورة الحقيقية لشخصية ما، أو لواقعة ما، أو لموقف معين.
وأعتقد أن هذا هو مطلب كل باحث، وكل عاقل، وكل غيور علي المعرفة العلمية وعلي الثقافة الخصوصية وعلي الوطن. إلي غاية أواخر الثمانينات من القرن الماضي والخطاب المؤدلج والمسيس سواء في أسلاكنا التعليمية، أو في صحافتنا، أو في ساحتنا الثقافية والفكرية والسياسية.. إلي غاية هذا التاريخ وزمرة من الذين تماهوا مع هذا الخطاب تكيل أحسن الشتائم وأكثرها فجاجة، وتخندق ضمن خانات مؤطرة بعض رجالات الفكر والسياسة في إطار الرجعية، والسلفية، واللاعقلانية، واللاوطنية… وكاد هذا الخطاب أن يوقع العديد من الباحثين عن الحقيقة، في فخ التزوير الثقافي والتاريخي. ونال العلامة والمفكر والسياسي علال الفاسي النصيب الأوفر من هذا التزوير. واليوم تراجع أصحاب هذا الخطاب، بشكل محتشم، عن طروحاتهم بعد ما تبين أن فكر علال الفاسي، هو اليوم، أكثر حداثة من حداثتهم المزيفة.
وبالمقابل نال بعض الذين جايلوا علال الفاسي التقديس والتنزيه، ونسجت حولهم أساطير وحكايات خيالية. ولا تزال هذه الأساطير والحكايات يروجها بعضهم معتقدين أنه لا يزال هناك من يصدقها.
وحينما وضع تاريخ هذه الشخصيات في المحك الحقيقي، وسلطت عليها الأضواء الكاشفة، وتناولتها الأسئلة الفعلية، وبدأت تدرس بمناهج علمية دقيقة، في منأي عن التأثير الإيديولوجي، ثارت ثائرة الذين لهم مصلحة في بقاء الصورة النمطية كما هي، بطبقات الماكياج التي تخفي معالم الصورة الحقيقية. ورفعا لأي التباس، وحتي لا نترك الفرصة لهواة الصيد في الماء العكر، نحن لا نطعن في أي كان، ولكن ندافع عن حرية الفكر، وحرية الرأي، وحرية البحث العلمي والمعرفي، وحرية الصحافة الهادفة، وحرية النبش في المناطق المظلمة والمعتمة، والمواقف الملتبسة، والصور غير المحددة الملامح.
إننا ضد المرايا التي لا تعكس الصور كما هي، وضد الأقنعة غير المسرحية، ونقول للذين في قلوبهم مرض وفي نفوسهم زيغ، وللذين لا ينظرون إلا من زاوية واحدة ووحيدة، ولا يبصرون إلا بالعيون التي فيها رمد، نقول لهم إن تصالح المغرب مع تاريخه لا يمكن أن يتم إلا بالكشف عن الحقائق المغيبة بصفة كاملة وتامة وغير منقوصة. ونقول لهم من الشجاعة ألا تخافوا من الكتابات الجريئة والجديدة، ومن الأسئلة المستفزة، ومن المنابر المتعطشة لكشف المستور، بل عليكم الانخراط في عملية تعميق هذه الكتابات وهذه الأسئلة، وتطوير هذه المنابر خدمة لمصداقية الأشخاص الذين تدافعون عنهم بعواطفكم، وخدمة للمغرب الذي يجب أن يسمو وتسمو مصالحه علي الأشخاص ومصالحهم الضيقة.
إن تكفير، أو تجريم، أو تهديد كل من شكك في نضالية و وطنية المهدي بن بركة سلوك غير حضاري. والصواب هو الحوار الفكري العالم والهادئ المنحاز إلي الشواهد والأدلة والبراهين. والحجة علي من ادعي، والقول الفصل للتاريخ. إن مواجهة الفكر بالفكر، والحجة بنظيرتها، والكلمة المسؤولة بأختها، هو الطريق الذي لا بد وأن يسلكه كل عاقل، وإلا لا معني للحرية، والديمقراطية، والحداثة، ودولة الحق والقانون، وكل المصطلحات التي تتبجحون بها وأنتم أول من يصادرها. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، وفي سياق الإرث الثقافي والتاريخي طفت في الآونة الأخيرة علي سطح المشهد الثقافي المغربي قضية المكتبة الوطنية التي تدخل ضمن المراكز التابعة لوزارة الثقافة، وتحظي بـ رعايتها الفائقة، بشكل أو بآخر فهي في عهدة الورثة الروحيين لفكر المهدي بن بركة، والمدافعين عنه من ظلم التاريخ، وتساؤلات المارقين الجدد الذين شقوا عصا الطاعة وأعلنوا تمردهم الجميل، لتظهر شمس المغرب ناصعة. هذه المكتبة، وهي في هذه العهدة، بيع أرشيفها الوثائقي ضمن صفقات تجارية لشركة خاصة. وحتي لا يبقي المشهد الفني من غير نازلة، فقد طلعت علينا جريدة أصدقاء بن بركة بمقال بلا توقيع: من يمنع الفنان حسن فلان من برامج رمضان بالقناة الثانية؟. بعد المديح الفاحش المبالغ فيه لهذا الفنان الذي حاول المقال، دون جدوي، أن يصنع منه أسطورة الفن المغربي، تم الكشف، بقصد أو بغير قصد، عن سابقة خطيرة وهي أن عناصر من الجريدة نفسها تطوعوا لخدمة هذا الفنان – لوجه الله- فاتصلوا بالمسؤولين في كل من القناة الثانية والأولي، حسب لسان حالهم، من أجل الاستفسار عن سبب منعه. كلنا نعلم أن هذا الفنان ليس من شاكلة أحمد السنوسي، ولا من طينة رشيد غلام حتي يمنع، فمستواه الفني معروف، ورصيده الثقافي والفكري والتعليمي لا غبار عليه. لكن الغريب هو أن تخصه هذه الجريدة، دون سواه، بهذا التقدير، وهذه الخدمة. الأحري والأجدر هو لو كان هؤلاء قد ذهبوا عند الأشعري في قلب وزارته واستفسروا عن ملابسات بيع أرشيف المكتبة الوطنية. فلان ليس أهم من المكتبة الوطنية، وليس أهم من السنوسي وغلام وغيرهما. إنه عمي القلوب التي في الصدور. ہ كاتب من المغرب