منذ أدى باراك اوباما للمرة الثانية اليمين الدستورية رئيسا للولايات المتحدة، لم يرَ بركة كبيرة في عمله، وما زالت الضربات من الداخل والخارج تصيبه بلا توقف. ففي الساحة الداخلية، وبعد ان فشل في جهوده لاقناع مجلس الشيوخ بتوسيع الرقابة على حيازة السلاح، تفجرت واحدة بعد اخرى قضايا مراقبة الصحافيين والدخول الواسع الى مخازن المعلومات، الذي بادرت اليه ادارته وسبب له حرجا كبيرا. إن الرئيس الليبرالي الواضح على الخصوص، الذي اجتهد كثيرا ليظهر بمظهر المحارب بلا هوادة من اجل حقوق المواطن الامريكي وحرياته، تبين انه تحت صولجانه اختُرقت بلا تشويش حدود المجال الخاص. وذلك بالاعتماد على ‘قانون الوطنية’ بحسب مذهب الرئيس بوش الابن، الذي طمح اوباما الى الانقطاع عن تركته، وكأن كل ذلك لم يكن كافيا حتى جاءت كشوف ادوارد سناودن عن خطط المراقبة الواسعة النطاق لوكالة الامن القومي، وقوّت الشعور السائد بأن الولايات المتحدة عادت في نفق الزمن الى سنة 1984 والى رؤية أورويل عن الأخ الأكبر الذي لا حدود ولا قيود على طموحه الى المراقبة والتنصت. إن المعلومات التي زود بها سناودن لم تمنح بكين وموسكو سلاحا سهلا صادقا للتشهير بواشنطن (بقضايا مثل حقوق الانسان)، كانتا تقفان معهما في موقف دفاعي، فقط، بل أغضبت ايضا حليفات تقليديات كانت هدفا للمراقبة الامريكية (والبريطانية) في أعلى المستويات ايضا. والى ذلك وتحت الطلاء الدقيق لدعاوى تقنية واجرائية لم يكن من الصعب ان نلاحظ لغة ساخرة متحدية من قبل روسيا والصين معا، تتعلق باحتجاجات البيت الابيض وشكاواه (وذلك بسبب عدم استعدادهما لتسليمه المُسرب الهارب). إن تلك اللغة تستثير من هاوية النسيان، الضعف الذي أوحى به الرئيس كارتر بسلوكه في الساحة الدولية، ولم يتضح الى الآن في هذه المرحلة كيف ستنتهي قضية سناودن، لكن يبدو ان الاشاعات عن موت العصر الامريكي القريب لم تكن سابقة لأوانها، وأن الخصوم الرئيسيين للعم سام يلاحظون ضعفا امريكيا عميقا مستمرا ويردون بحسب ذلك. إن الأخ الأكبر يتنصت ويراقب ويستمع، لكنه ما زال في واقع الامر يسلك سلوك غوليفر المقيد بالحبال. إن الجبهة الداخلية ايضا ليست ساكنة، فاستقرار رأي المحكمة العليا على الغاء الغلاف الواقي الذي تمنحه الادارة الفيدرالية منذ 48 سنة للأقلية السوداء (وأقليات عرقية اخرى) في خمس ولايات جنوبية بغرض التحقق من حفظ حقوقهم في التصويت، ضربة اخرى مؤلمة بصورة خاصة للرئيس ولمذهبه الايديولوجي. وقد كانت هذه الحماية هي دُرة تاج التشريع الاجتماعي التقدمي الذي قاده الرئيس لندون جونسون في ستينيات القرن العشرين وطمح الى الدفع قدما بالمساواة السياسية للسود. لا يمكن ان نرى في قرار حاسم آخر للمحكمة العليا يمهد الطريق لاعتراف كامل بزواج المثليين والافضالات المشتقة من ذلك أكثر من شعاع نور وحيد في الظلام. ولا يستطيع ان يغطي على مجموعة الاخفاقات والتقصيرات التي صاحبت الرئيس منذ انتُخب من جديد. هذا الى ان اوباما في بداية طريقه في البيت الابيض على الأقل أظهر حذرا زائدا بتناوله لهذه القضية.