صدرت للأديب المغربي حسن المددي رواية بعنوان «أوراق اللعب» عن المركز الثقافي للكتاب الدار البيضاء ـ بيروت، الطبعة الأولى 2019، وتقع في 344 صفحة من الحجم المتوسط.
تنبثق أحداث رواية «أوراق اللعب» من قمقم عجيب وغريب. تطلع كالمارد من غيابات صندوق صغير وجميل، كان منطلقا لأحداث الرواية في شكل كتاب مخطوط، اطلع عليه الحاج محمود النبداري، ليلفيه مكتظا بأحداث خطيرة جدا، كقنبلة موقوتة قابلة للانفجار، موجه أساسا لابنه المحامي والحقوقي المعروف. صندوق صغير تركه له أحد السياح، فيرميه في وجه ابنه/ الراوي/ كطرد ملغز وملغوم محير.
عمل الراوي على دفعنا لقراءة الكتاب المخطوط والانغماس في أحداثه التي تتدفق سيولا وشلالات، حكي دافئ ينساب حثيثا يشق مجراه في مفاصل الرواية التي تنطلق من استرجاعِ السارد لأطوار طفولته، منذ أن عاين المشهد المروع لمقتل أبيه وأمه وتبنّيه من طرف شخص آخر، مرورا بكل المراحل التي اجتازها، حتى أضحى عقيدا مستذئبا في برج القمر، متخصصا في التعذيب والاستنطاق، يفتك بضحاياه ويبيع أعضاءهم في سوق الأعضاء البشرية.
ذات عرس بسيط، وفي قرية نائية على مقربة من الحدود مع بلد مجاور، وبينما كان الأهالي يعيشون أجمل لحظات حفل زفاف تتسلل في غفلة من الجميع، كتيبة من جيش النظام العسكري الحاكم لبلد العقيد، لتجهز على أفراحهم البسيطة، وتقتل الرجال والنساء والأطفال، ثم تقتاد من بقي على قيد الحياة، بمن فيهم عباس الوفي بطل الرواية، إلى مخيمات الرعب، حيث المعتقلات السرية التي تمارس فيها جرائم القتل والتعذيب.
تتولد القصص من القصص، إذ كلما فتحنا كوة ألفينا سراديب وكوى أخرى، تقود هي أيضا لمتاهات سردية ماتعة مدهشة. استلذ الكاتب لعبة استنزاف القارئ ومراوغته بالتشويق والإثارة والاستدراج، فما أن يطمئننا أنه قريب من كشف سر من الأسرار، حتى يزيغ إلى موضوع آخر أكثر دهشة وإثارة، ويشد بخنّاق المتلقي، حتى آخر سطر من الرواية، كل ذلك في لعب سردي تقابلي مثير للانتباه والتركيز، كما في لعبة الدمى الروسية. سافرت بنا رواية «أوراق اللعب» في متاهات المعتقلات وأسرارها الدفينة، توثق لحكايات حقيقية تقع هنا وهناك في وطننا العربي الجريح، حيث بعض الأنظمة الاستبدادية التي ينصب فيها العربي الكمائن ويحفر القبور لأخيه العربي أكثر مما يحفرها للعدو الحقيقي. رواية تكشف عن الجانب المظلم في حياة بعض البشر الذين يرزحون تحت ظلم نوع آخر من البشر. تحكي فصولاً من حياة التشظي في عالم موبوء، عالم سفلي متخفٍّ عن الأنظار تنتهك فيه حرمة الإنسان، وتداس كرامته في تحدٍّ سافر للأعراف والمواثيق الدولية، تحت وطأة الأحذية العسكرية وطوابير الجلادين، الذين كان همهم الوحيد هو الحفاظ على مصالحهم، في ظل الحكم الديكتاتوري، والحفاظ على استمراره ولو على حساب ضحايا أبرياء يتفننون في تعذيبهم بكل أنواع الوسائل، وضروب المعاملة القاسية المهينة، بهدف الحصول على أسرار البلد الجار من جهة، وحماية سلطة الحاكم من جهة أخرى، حتى أضحى الجلاد لما يعيشه من انشطار، متشظيا سكيزوفرينيا يعيش بشخصيتين مركبتين مختلفتين تماما لما يشعر به داخليا من انفصام وعقد، جراء ما يعيشه هو نفسه ويراه ويمارسه كل يوم في حق ضحاياه من صنوف التعذيب المهول المروع. ضحايا عزل من أبناء البلد المجاور المسالمين، يتم الاتجار بأعضائهم البشرية، بما فيها جلودهم التي تصدر تحت جنح الظلام لتجار من عيار مجرمين في حق الإنسانية، همهم الوحيد هو الاغتناء بشتى أنواع السبل، فالغاية لديهم تبرر الوسيلة.
رواية «أوراق اللعب» تشخص الوجع الإنساني في علاقة الجار بالجار، وتغليب الجانب النرجسي في الإنسان والبارانويا المرضية في استعراض العضلات والظهور بمظهر الأقوى بشتى الطرق، حيث الغاية تبرر الوسيلة.
في نهاية المطاف سيشب الصراع بين أساطين النظام الحاكم، وتظهر بوادر تأنيب الضمير لدى العقيد مصطفى الركباني، حين يكتشف أنه كان ضحية اختطاف مع عائلته من بلد عباس الوفي، وبعد تصفية والديه، تبناه أحد عناصر ميليشيا النظام، ليتم تدجينه واستعماله آلة قتل وتدمير ضد بلده الأصلي، بدون أن يدري. وبعد إدراكه الحقيقة سوف يتعاطف مع عباس، ويطلب منه أن يكتب كل ما قاساه في المعتقل منذ احتجازه الذي امتد لسنوات طويلة، وأمره بتدوين كل ذلك على أوراق اللعب، فيشق كل ورقة ويكتب ما يشاء على وجهيها الداخليين ثم يعيد لصقهما لتبدو الورقة سليمة ليتم تهريبها، وهذه الأوراق هي التي ستكون قاعدة معطيات الكتاب المخطوط بعد تهريبها، حيث نجح التخطيط المحكم الذي مكن العقيد وعباس من الهروب من جحيم برج القمر، في مغامرة مثيرة وخطيرة، ليلتحق الجلاد بكندا والضحية ببلده.
في هندسة معمارية فنية تشد اهتمام المتلقي وتقوده لتتبع الأحداث حتى النهاية، تناولت رواية «أوراق اللعب» قضية شائكة تمثلت في اجتهاد دولة جارة في إيذاء دولة أخرى مجاروة لها بكل الوسائل المنحطة، منها تجييش الجلادين، وتدريب الميليشيات على القتل وسفك الدماء بمن فيهم مواطنو البلد نفسه، ليذوق أبناء جلدتهم أقسى أنواع وصنوف التعذيب الوحشي، الذي لا نجد له نظيراً في كل الديكتاتوريات والأنظمة العسكرية الاستبدادية عبر التاريخ، والغوص عميقا في أسرار الصراعات، وتضارب مصالح الطغمة العسكرية القائمة على تكديس الثروات لمصالحها الشخصية، على حساب مصير شعب وأمة بأكملها، في تناقض صارخ بين الخطاب والممارسة، يكشف زيف الشعارات الأيديولوجية التي تتغنى بها.
رواية «أوراق اللعب» تشخص الوجع الإنساني في علاقة الجار بالجار، وتغليب الجانب النرجسي في الإنسان والبارانويا المرضية في استعراض العضلات والظهور بمظهر الأقوى بشتى الطرق، حيث الغاية تبرر الوسيلة.. شخصية البطل شخصية مركبة مربكة، لا تستقيم على حال، لأنها في الأصل شخصية هجينة مزيفة الهوية مشوهة المعالم، فيفقد البطل هويته وذاته فيعيش حياة السكيزوفرينيا والتصدع والتشتت، لهذا فهو تارة العقيد رجل المخابرات أمانيتا، وتارة هو مصطفى الركباني، وهو الحاج عمران، وفي المحصلة النهائية هو كل شيء ولا شيء، فينتهي نهاية تراجيدية، وينتحر إذ كان من المستحيل أن يستمر في العيش في حالته الهيولية في بلد غير بلده يقتله عذاب الضمير، لأنه اجتث من جذوره، ومن تربته الأم، ليتم استنباته وتنشئته بالقوة في تربة أخرى غريبة جعلت منه كائنا ليس على شاكلة البشر.
بعد إتمام القراءة سوف يستنتج القارئ المتعمق أن كل شخصيات الرواية عبارة عن أوراق لعب غير التي دون عليها عباس أحداث حياته في الأسر.. إنها أوراق لعب أخرى تم استخدامها لغايات تصب في مصلحة وحوش وحيتان عملاقة تتحكم في الرقاب والعباد.
لقد أنتج حسن المددي عالما روائيا غير مطروق، مطبوعا بالحياد التام، إذ لم يُسَمِّ الأسماء والأماكن بمسمياتها، لكنه كشف عن جوانب مأساة حقيقية، بلغة شفيفة وأسلوب سلس وراقٍ، في عمل قيم سيكون إضافة نوعية للخزانة الروائية المغربية والعربية.