“علقنا في ساحة دولية فقدت ثقتها بنا.. دولة وجيشاً وقضاء” لـ”حكومة الكذب البنيوي”: إذا كان قتلك 45 بريئاً “خطأ مأساوياً”.. ماذا عن 36 ألفاً؟

حجم الخط
0

“خلل مأساوي”، هذا هو التعبير المغسول الذي اختاره رئيس الوزراء نتنياهو لوصف الحدث الرهيب الذي قتل فيه نحو 45 مواطناً فلسطينياً وأصيب العشرات بمخيم اللاجئين في رفح، من جراء عملية نفذها الجيش الإسرائيلي لتصفية مطلوبين اثنين. احتاج نتنياهو عشرين ساعة كي يصدر هذه الصيغة المعيبة التي ليس فيها، كالمعتاد، ذرة إعراب عن الأسف على فقدان حياة “غير مشاركين”.

مع الأخذ بالحسبان الأجواء العامة التي تتراوح بين عدم الاكتراث بحياة الفلسطينيين غير المشاركين والفرح لموتهم، وبالتعتيم الإعلامي والطوعي حول حجوم الدمار والتقتيل في غزة، ليس مفاجئاً أن يكشف نتنياهو الوجه البشع لحرب “النصر المطلق” خصوصاً بعد نحو ثمانية أشهر من القتال وقتل أكثر من 36 ألف فلسطيني، بينهم آلاف الأطفال والشيوخ. يمكن التقدير أن الأسف ليس هو الذي دفعه لأن يرى في مقتلة رفح مأساة، بل معرفة التهديد على حرية حركته في العالم الكامن وفي أوامر الاعتقال التي طالب بها المدعي العام في “لاهاي” التي تلزمه بإبداء قدر أدنى من الإنسانية، على الأقل من الشفة إلى الخارج.

مقلق ما قدمه الجيش الإسرائيلي تفسيراً للحدث، مستنداً إلى معطيات استخبارية وتخطيط دقيق للقصف “قدر بأنه لم يكن متوقعاً أن يلحق ضرراً بمواطنين غير مشاركين”. إذا كانت هذه هي التقديرات إياها التي أدت حتى الآن إلى موت أكثر من 36 ألف إنسان، معظمهم غير مشاركين، فإن هذا خسوف متواصل للمستوى الاستراتيجي.

لكن قصف رفح والمواجهة التي جرت بين قوات الجيش الإسرائيلي والجنود المصريين على مقربة من معبر رفح التي قتل فيها جندي مصري، لن تسجل كأحداث شاذة لا تتطلب سوى تحقيق واستخلاص للدروس، إنما هي جزء لا يتجزأ ومتوقع وخطير للحرب في رفح، التي جعلتنا نعلق في ساحة دولية فقدت كل ثقة بحكومة إسرائيل، وبالجيش الإسرائيلي، وبجهاز القضاء الإسرائيلي، وتضع في الخطر استمرار تأييد أهم أصدقائنا في العالم، وبخاصة الولايات المتحدة.

وأخطر من هذا، يمكن لحكومة إسرائيل أن تتظاهر بأنها لا تتأثر بالضغط الدولي وتخدع مواطني إسرائيل بأن بوسعها القتال وحدها، ولكن بينما تواصل حربها في رفح، فهي تهدد وجود المفاوضات لتحرير المخطوفين بالتزامن مع نشوء فرصة أخرى لدفعها إلى الأمام.

هذه معركة تعتمد على كذب بنيوي يقول إن احتلال رفح سيكون رافعة ضغط على حماس، في الوقت الذي تواصل فيه حماس، رغم الإصابات القاسية التي تعرضت لها، التمسك بموقفها بأن وقف الحرب كفيل بأن يؤدي إلى تحرير المخطوفين. إن تحرير المخطوفين بات اليوم الهدف القومي والواقعي الوحيد المتبقي لحكومة إسرائيل، ولن يكون مشروطاً باحتلال رفح وبـ “تقويض حماس” أو بـ “إزالة التهديد عن الغلاف”.

أسرة التحرير

 هآرتس 29/5/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية