لندن ـ «القدس العربي»: نجح علماء صينيون في استنساخ قرد من نوع «ريسوس» لأول مرة، لكن هذا النجاح أثار جدلاً بأن تنتقل هذه التقنية إلى البشر، حيث يقول الخبراء إن استخدام نفس التقنية لاستنساخ البشر أمر «غير مبرر».
ومر أكثر من ربع قرن منذ أن أصبحت النعجة «دوللي» أول حيوان ثديي مستنسخ، وحالياً، وللمرة الأولى، نجح العلماء في استنساخ قرد «ريسوس» وهو نوع من القرود الرئيسية معروف بقربه من البشر وتشابهه إلى حد كبير مع الإنسان.
وقالت جريدة «دايلي ميل» البريطانية في تقرير اطلعت عليه «القدس العربي» إن الخبراء في الصين استخدموا خلايا جسدية – خلايا حيوانية غير خلايا الحيوانات المنوية والبويضات – من قرد ريسوس لإنشاء النسخة المتطابقة وراثياً.
ويعتبر الاستنساخ «بصحة جيدة» وقد ظل على قيد الحياة لأكثر من عامين منذ ولادته في بكين، على عكس الجهود السابقة لاستنساخ هذا النوع.
ومع ذلك، لا يزال الخبراء يستبعدون الاستنساخ البشري «غير المبرر» لأنه لا يزال ينطوي على الكثير من الاعتبارات الأخلاقية والسلامة، حسب ما أورد تقرير «دايلي ميل».
وتم استنساخ قرد «ريسوس» باستخدام تقنية تعرف باسم النقل النووي للخلايا الجسدية «SCNT» من قبل تشيانغ سون وزملاؤه في الأكاديمية الصينية للعلوم بجامعة بكين.
ويعد قرد المكاك الريسوسي موضع اهتمام لأنه قريب من البشر من الناحية التشريحية والفسيولوجية وقد تم استخدامه كثيراً بالفعل في الأبحاث المتعلقة بصحة الإنسان.
ويقول الخبراء في ورقتهم البحثية: «من الجدير بالذكر أنه لم يتم استنساخ أي قرد ريسوس من خلال النقل النووي للخلايا الجسدية حتى الآن». وأضافوا: «أعلنا عن الاستنساخ الناجح لقرد ريسوس وهو ذكَر سليم.. ونقدم استراتيجية واعدة لاستنساخ الرئيسيات».
وتأخذ تقنية «SCNT» خلية جسدية، مثل خلية الجلد، وتنقل الحمض النووي الخاص بها إلى خلية بويضة مع إزالة نواتها.
وتحتوي الخلايا الجسدية على المعلومات الوراثية حول كيفية بناء الكائن الحي، ولكنها لا تستطيع أن تؤدي إلى ظهور كائنات حية جديدة، ولهذا السبب تتضمن التقنية نقل الحمض النووي إلى خلية البويضة.
وفي حالة نجاح عملية النقل، ستؤدي العملية إلى إعادة برمجة كاملة للمادة الوراثية في النواة وتمكين البويضة من البدء في الانقسام وتكوين جنين مستنسخ، يتم تزويده بمشيمة صحية لتنمو فيها.
وقد أسفرت تقنية «SCNT» سابقاً عن استنساخ ناجح لأنواع مختلفة من الثدييات، بما في ذلك النعجة دوللي في عام 1996.
كما تم استخدام تقنية «SCNT» أيضاً لإنشاء قرود المكاك المستنسخة آكلة السلطعون في عام 2017. وتم استنساخ أنثى قرد المكاك آكلة السلطعون المتطابقة من قبل نفس الفريق الصيني، بقيادة تشيانغ سون، الذي قام الآن باستنساخ قرد الريسوس.
ومع ذلك، فإن كفاءة استنساخ معظم أنواع الثدييات لا تزال منخفضة للغاية، مع ارتفاع معدلات الوفاة أثناء الحمل في الرحم أو بعد وقت قصير من الولادة.
استنساخ الرئيسيات
وقال الباحثون إن محاولة سابقة جرت لاستنساخ قرد ريسوس من قبل فريق آخر في عام 1997 لكنها لم تكن ناجحة حيث مات المخلوق بعد 12 ساعة من ولادته.
ولم ينجح الفريق إلا عندما أسفرت جهوده عن بقاء حيوان مستنسخ واحد من بين 113 جنيناً أولياً، وهو معدل نجاح أقل من واحد في المئة.
ووفقا للدكتور لويس مونتوليو، الخبير في المركز الوطني للتكنولوجيا الحيوية في إسبانيا والذي لم يشارك في مشروع الاستنساخ الجديد، فإنه «من الصعب للغاية النجاح في هذه التجارب».
وقال: «إن استنساخ قرود المكاك آكلة السلطعون وقرود الريسوس يظهر أمرين: أولا، من الممكن استنساخ الرئيسيات، وثانيا، وهو أمر لا يقل أهمية، أنه من الصعب للغاية النجاح في هذه التجارب، بمثل هذه الكفاءة المنخفضة، ما يستبعد مرة أخرى استنساخ البشر».
ويقول المؤلفون إن هذه التقنية يجب أن تكمل استخدام كلا النوعين الرئيسيين في البحوث الطبية الحيوية.
ومنذ ولادة النعجة دوللي في عام 1996 تم استنساخ الثدييات من قبل فرق مختلفة، بما في ذلك الأبقار والفئران في عام 1998، والماعز في عام 1999 والخنازير في عام 2000 والقطط والأرانب في عام 2002 والجرذان والخيول في عام 2003 والكلاب في عام 2005.
ولكن بسبب تشابهها الجيني مع البشر، كان الطموح الأوسع بين بعض العلماء هو استنساخ الرئيسيات الأخرى، مثل الشمبانزي والقردة.
وقد يؤدي هذا في النهاية إلى استنساخ البشر أو أجزاء من جسم الإنسان، على الرغم من أن العديد من الخبراء أثاروا مخاوف أخلاقية تحيط بهذا الأمر.
وقال الدكتور مونتوليو إن الاستنساخ البشري ليس فقط «غير ضروري ومثير للنقاش» ولكن إذا تمت محاولته، فسيكون «صعباً للغاية وغير مبرر أخلاقياً».
وقال إن التجارب الجديدة لم يكن من الممكن إجراؤها في أوروبا بسبب تشريعات الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن استنساخ الحيوانات لأغراض البحث العلمي قانوني في بريطانيا.
وقال الدكتور مونتوليو: «إن تشريعات الاتحاد الأوروبي بشأن التجارب على الحيوانات تحظر استخدام الرئيسيات غير البشرية إلا إذا كانت التجربة تهدف إلى التحقيق في مرض خطير يهدد الحياة ويؤثر على البشر أو الأنواع الرئيسية نفسها، وهو ما ليس هو الحال في هذه التجربة».
ما هو الاستنساخ؟
ويصف العلماء الاستنساخ بأنه العديد من العمليات المختلفة التي يمكن استخدامها لإنتاج نسخ متطابقة وراثياً من النبات أو الحيوان. ويعمل الاستنساخ في أبسط أشكاله عن طريق أخذ الحمض النووي للكائن الحي ونسخه إلى مكان آخر.
وحسب العلماء فيوجد ثلاثة أنواع مختلفة من الاستنساخ الاصطناعي: الاستنساخ الجيني، والاستنساخ الإنجابي، والاستنساخ العلاجي.
ويؤدي استنساخ الجينات إلى إنشاء نسخ من الجينات أو أجزاء من الحمض النووي، أما الاستنساخ الإنجابي فيخلق نسخاً من الحيوانات الكاملة.
وينتج الاستنساخ العلاجي خلايا جذعية جنينية لإجراء اختبارات تهدف إلى تكوين أنسجة لتحل محل الأنسجة المصابة أو المريضة.
وتم استنساخ النعجة دوللي في عام 1996 باستخدام عملية الاستنساخ الإنجابي المعروفة باسم النقل النووي للخلايا الجسدية. ويأخذ هذا خلية جسدية، مثل خلية الجلد، وينقل الحمض النووي الخاص بها إلى خلية بويضة مع إزالة نواتها.
وهناك طريقة أخرى أكثر حداثة للاستنساخ تستخدم الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات، والخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات هي خلايا جلدية أو دموية تمت إعادة برمجتها مرة أخرى إلى حالة شبيهة بالجنين. وهذا يسمح للعلماء بتصميمها في أي نوع من الخلايا المطلوبة.
وحول إمكانية استنساخ البشر، فإن العلماء يؤكدون أنه لا يوجد حالياً أي دليل علمي على إمكانية استنساخ الأجنة البشرية. وفي عام 1998 ادعى علماء في كوريا الجنوبية أنهم نجحوا في استنساخ جنين بشري، لكنهم قالوا إن التجربة توقفت عندما كان الاستنساخ مجرد مجموعة من أربع خلايا.
وفي عام 2002 عقدت كلونيد، وهي جزء من جماعة دينية تعتقد أن البشر خلقوا من قبل كائنات فضائية، مؤتمرا صحافيا للإعلان عن ولادة ما زعمت أنه أول إنسان مستنسخ وهي فتاة تدعى حواء. وتم رفض هذا على نطاق واسع باعتباره حيلة دعائية.
وفي عام 2004 نشرت مجموعة بقيادة وو-سوك هوانغ من جامعة سيؤول الوطنية في كوريا الجنوبية بحثاً في مجلة «ساينس» زعمت فيه أنها خلقت جنيناً بشرياً مستنسخاً في أنبوب اختبار، لكن في عام 2006 تم سحب هذه الورقة البحثية.
ووفقا للمعهد الوطني لأبحاث الجينوم البشري، فمن الناحية الفنية، يعد استنساخ البشر أمرا صعبا للغاية.