علماء يطورون آليات استخدام الحمض النووي كأداة لتخزين المعلومات

حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي”: يكتب الباحث تشارلز كيو تشوي في مجلة “ساينتقك أمريكان” أنه إذا قام البشر جميعاً بالاعتماد على الذاكرة الاصطناعية، أي نظم تخزين البيانات المُستَخدَم في بطاقات الذاكرة والمُشَغِّلات الإبهامية، فسينتج العالم معلومات أكثر مما سيتمكن من إنتاج السيليكون المخصص للرقائق الإلكترونية بنحو 100 مرة مع حلول عام 2040. ولذلك، يقوم الباحثون بمحاولة هندسة طريقة لاستخدام الحمض النووي للتخزين.

ويتابع تشوي إنه “من النَّاحية النظرية، يُمكِن أن تحتفظ هذه المادة بكمية هائلة من المعلومات – ما يصل إلى إكسابايت واحد (مليار غيغابايت) في كل ملليمتر مكعب من الحمض النووي– على مدى آلاف السنين. ويبلغ العُمْر الافتراضي للشريط المغناطيسي الذي يشكل الأساس لغالبية الأرشيفات الرقمية نحو 30 عامًا على أقصى تقدير، بينما لا يزال من المُمكِن تحديد تتابعات الحمض النووي في حفريات يبلغ عُمْرها 70.000 عام. ومع ذلك، فإن إحدى العقبات التي تحول دون جعل تخزين بيانات الحمض النووي حقيقة واقعة، هي عملية الاستحداث البطيئة والمُكَلِّفة والمُعَرَّضة للخطأ؛ لإنشاء أو تخليق تسلسلات جديدة للحمض النووي تناسب الشفرة المطلوبة.

 وقالت أولجيكا ميلينكوفيتش، الباحثة النظرية في التَّرميز في جامعة إلينوي في إربانا-شامبين والمشاركة في تأليف دراسة جديدة تتعلق بهذه العملية: “إن تخليق الحمض النووي يواجه عقبة رئيسية، تتمثل في تكاليف التَّسجيل والدقة وسرعة الكتابة”. وقد اقترحت هي وزملاؤها حلًّا جديدًا، يتضمن وضع علامة على جزيئات الحمض النووي القائمة بأنماط من “الشقوق الصغيرة” لتشفير البيانات. وأتت الفكرة من آلية قديمة لتخزين المعلومات، هي البطاقات المُثَقَّبة (شرائط من الورق المُقوّى كان يجري ثقبها بثقوب في مواضع مُحَددة لتخزين المعلومات في العديد من أجهزة الكمبيوتر القديمة).

 وقال إس كاسرا تاباتاباي، المؤلف الرئيسي للدراسة وعالم الأحياء التَّركيبية في إربانا-شامبين إن “الطريقة الجديدة تستعين بالإنزيمات وكأنها الجهاز الذي يُحدِث ثقوبًا. في هذه الحالة، تكون الثقوب رابطات مقطوعة بين الجزيئات التي تشكل العمود الفقري أو الرَّكِيزَة الأساسية للحمض النووي. إن وجود هذه العلامة يعني 1 وغيابها يرمز إلى 0”.

وأفادت برندا روبنشتاين، عالِمة الكيمياء النظرية في جامعة براون، والتي لم تشارك في الدراسة إن “الجانب الأكثر إثارةً للاهتمام في هذا البحث هو كيفية اعتماده على الطبيعة” مضيفة في حديث وجهته للباحثين: “دعوا هذه الإنزيمات تُحدِث الشقوق الصغيرة، تفعل الأمر الأكثر طبيعيةً بالنسبة لها، لتخزين المعلومات”.

وأشار تشوي إلى أنه من أجل أن يتم وضع الشقوق بدقة، قام الفريق بتسخين جزيئات الحمض النووي مزدوجة السلاسل حتى تتخلخل قليلًا في الوسط. و “نَتَج عن هذه العملية بشكل أساسي تكوُّن فقاعات تَرَكَت القواعد مكشوفةً. تلا ذلك إقدام العلماء على نشر جزيئات الحمض النووي أحادية الخيط، ويبلغ طول كلٍّ منها 16 قاعدة فقط، وقد تَشَبّثت بتسلسل القواعد المقابل داخل تلك الفقاعات. عملت نهايات هذه الجزيئات أحادية الخيط كأدلة توجيهية لإخبار الإنزيمات إلى أين تذهب بالضبط. في الحمض النووي، تتصل كل قاعدة بجزيء سُكَّر ومجموعة فوسفات لتشكيل مُرَكَّب يُعرَف باسم النوكليوتيد. وتتولى الإنزيمات المُستَخدَمة في التقنية الجديدة قَطْع الرابطة التي تربط نوكليوتيدًا بآخر لإحداث شَق صغير في قضبان السُّكَّر والفوسفات”.

وبحكم أن هذه الآلية لا تتطلب خلق تسلسلات دقيقة للحمض النووي، اعتبر الباحثون أن “إحدى مزاياها الرئيسية هي أنها يُمكِنها معالجة أي جزيء من جزيئات الحمض النووي تقريبًا مثل البطاقة المُثَقَّبة. فعلى سبيل المثال، أجرى الباحثون تجربةً بمادة وراثية جرى حصدها بسعرٍ رخيص من السلالات المتاحة بسهولة من بكتيريا الإشريكية القولونية، التي يعرف الباحثون تسلسلها بدقة كبيرة”.

وقام الباحثون باستخدام خيوط الحمض النووي للبكتيريا، يحتوي كلٌّ منها على خمسة شقوق صغيرة إلى 10 وبتشفير 272 كلمة من خطاب غيتيسبيرغ للرئيس الأمريكي السابق، أبراهام لنكولن، وصورة بحجم 14 كيلوبايت لـنصبه التذكاري. واستخدموا تقنيات تحديد التسلسل التجارية لقراءة الملفات بدقةٍ تامةٍ.

وقال روبنشتاين: “اعْتَقَد النَّاسُ لسنواتٍ عديدة أن الحوسبة الجزيئية تنطوي على أخذ ما نفعله في السيليكون وإدراجه في الجزيئات، وهو أمر أشبه بأجهزة روب غولدبيرغ المُعَقَّدة. وبدلًا من ذلك، وَثَّقَ هذا العمل الجديد كيفية تطور الإنزيمات عبر الملايين والملايين من السنين كي تكون فعَّالة بشكل لا يُصَدَّق فيما تفعله”.

 وأشار تشوي إلى “يأمل العلماء إثبات أن عمليتهم أقل تكلفةً وأسرع بكثير من تلك التي تعتمد على تخليق الحمض النووي. ومع ذلك، فهم يقولون إن إستراتيجيات الاحتفاظ ببيانات الحمض النووي التي جرى اقتراحها في الماضي لم تزل توفر بعض المزايا، مثل كثافة التَّخزين الأكبر بمقدار 12 إلى 50 مرّة تقريبًا من تقنية البطاقات المُثَقَّبة”.

 وقالت ميلينكوفيتش: “إن المشكلة الأكبر في تخزين بيانات الحمض النووي الآن ليست الكثافة، بل التَّكلفة. وتكاليفنا منخفضة حقًّا، ويُمكِن خفضها أكثر”. علاوةً على ذلك، أضافت أن “الأنظمة الأقدم لتخزين الحمض النووي كان عليها أن تتضمن تسلسلات إضافية؛ لتكون بمنزلة تأمين ضد الطبيعة المُعَرَّضة للخطأ لتخليق الحمض النووي التَّقليدي. يقلل هذا المطلب من كمية البيانات التي يُمكِنها الاحتفاظ بها بالفعل، وهو ما يقلص فجوة كثافة التخزين بينها وبين التقنية الجديدة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية