علماء يقتربون خطوة من إيجاد آليات جديدة لمحاربة الفيروسات على المستوى الجيني

حجم الخط
0

 لندن-“القدس العربي”: تمكن باحثون من معهد برود التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد، من برمجة إنزيم مرتبط بأداة “كريسبر” لاستهداف “ثلاثة فيروسات مختلفة ذات أحماض نووية ريبية أحادية السلسلة داخل خلايا جنينية لكُلى بشرية (وكذلك خلايا سرطانية لرئة بشرية، وخلايا كُلى كلب) جرت تنميتها في المختبر، وقطع تلك الفيروسات، ما جعلها عاجزةً إلى حدٍّ كبير، عن إصابة خلايا أخرى” حسب مجلة “ساينتفك أمريكان”. وفي حال تمكنوا من إثبات نجاح هذه التجارب على الحيوانات الحية، قد يفتح ذلك المجال إلى هندسة علاجات جديدة ضد الفيروسات قد تحارب أمراضا مثل الإيبولا وزيكا لدى البشر.

وتقول الكاتبة العلمية تانيا لويس إنه “عادةً ما يُنظر إلى تقنية كريسبر، على أنها أداة مختبرية لتعديل الحمض النووي بُغية إصلاح العيوب الجينية، أو تحسين بعض الصفات. إلا أن تلك الآلية قد تطورت في الأصل داخل البكتيريا، بوصفها وسيلةً لمكافحة الفيروسات المعروفة بالبكتيرية. والآن، توصل العلماء إلى طريقة لمحاكاة تلك القدرة واستخدامها من أجل مكافحة الفيروسات في الخلايا البشرية”.

وتتعدد أشكال الفيروسات، منها الحمض النووي والحمض النووي الريبي، في حين تمثل الأخيرة نحو ثلثي الفيروسات التي تصيب البشر، والكثير منها لا علاج له. وحسب المجلة: “كثيرا ما تعتمد العلاجات القائمة على جزيء صغير يتداخل لتعطيل تكاثر الفيروس، ولكن هذا المنهج لا ينجح مع الفيروسات التي تظهر حديثًا، أو تلك التي تتطور بسرعة.”

وتضيف لويس أنه “تشير أداة كريسبر إلى سلسلة من تسلسلات الحمض النووي في الجينومات البكتيرية التي تخلَّفت عن إصابات سابقة بعدوى بكتيرية”. وتابعت: عندما تصادف البكتيريا هذه العوامل الـمُمْرِضة مرةً أخرى، تتعرف إنزيمات معروفة بالبروتينات المقترنة بكريسبر (كاس) على تلك التسلسلات في الفيروس، فتقترن بها وتدمرها”.

وتمكن الباحثون، في السنوات الماضية من إعادة هندسة أحد تلك الإنزيمات، “كاس 9” وهو لقطع الحمض النووي ولصقه في الخلايا البشرية. ويقترن الإنزيم بوسمٍ جينيٍّ قصير يُسمَّى دليل الحمض النووي الريبي، يوجه الإنزيم إلى جزءٍ مُعين من سلسلة الجينوم حيث يتم قطع السلسلة. وكانت دراسات سابقة قد استُخدمت “كاس 9” لمنع فيروسات الحمض النووي ثنائية السلسة من أن يتم نسخها وبالتالي تكاثرها، وكما حاولوا وقف فيروسات الحمض النووي الريبي أحادية السلسلة، التي تنتج الحمض النووي، عبر خطوة وسيطة أثناء النسخ. ويذكر أنه لا تنتج هذه الأحماض النووية الوسيطة إلا عددًا محدوداً من فيروسات الحمض النووي الريبي التي تصيب البشر. ولكن، هناك إنزيم كريسبر آخر، يُطلق عليه “كاس 13” يمكن برمجته لشقِّ فيروسات الحمض النووي الريبي أحادية السلسلة.

وقالت كاثرين فرايجي، طالبة دكتوراه بجامعة هارفارد متخصصة في علم الفيروسات في حديثها مع “ساينتفك أمريكان”: “الأمر الجيد في أنظمة كريسبر والأنظمة المشابهة لـكاس 13 هو أن غرضها الأصلي في البكتيريا كان الدفاع ضد العدوى الفيروسية للبكتيريا. وقد سعينا إلى إعادة كاس 13 إلى وظيفته الأصلية، وتطبيق ذلك على فيروسات الثدييات في خلايا الثدييات. ولأن أنظمة كريسبر تعتمد على أدلة الحمض النووي الريبي لتوجيه بروتين كريسبر إلى هدفٍ محدد، فقد رأينا في ذلك فرصةً رائعةً لاستخدامها كمضادٍّ فيروسي قابل للبرمجة”.

وقامت فرايجي وزملاؤها ببرمجة كاس 13 لتستهدف ثلاثة فيروسات مختلفة، وهي: فيروس التهاب السحايا المشيمي اللمفاوي، وفيروس الإنفلونزا، وفيروس التهاب الفم الحويصلي. وتقول لويس إنه “لتحديد مدى فاعلية كاس 13 في تدمير الفيروسات، استخدمه الباحثون أيضًا بمنزلة أداة تشخيصية لمعرفة مقدار الحمض النووي الريبي الفيروسي الذي انطلق من الخلايا المصابة”. وتضيف أنهم “لاحظوا تراجُعًا يتراوح من ضعفٍ إلى 44 ضعفًا في الحمض النووي الريبي، ذلك وفقًا للفيروس محل الدراسة واللحظة التي تم الرصد فيها”. وقالت فرايجي أنه راقب الباحثون “مدى قدرة الحمض النووي الريبي الذي انطلق على الاستمرار وإصابة خلايا جديدة، ولاحظوا حدوث تراجُع بنسبة 100 ضِعف في قدرته على إحداث العدوى، ووصلت في بعض الحالات إلى 300 ضعف”. وقد تم نشر النتائج على موقع “موليكيولر سيل”.

وقال تشن ليانغ، الأستاذ بقسم الأحياء الدقيقة وعلم المناعة بجامعة ماكغيل في مونتريال، والذي لم يكن مشاركًا في الدراسة، في حديثه مع “ساينتفك أمريكان”: “إن النتائج رائعة للغاية”. وقد استخدم مختبره إنزيم كاس 9 لتثبيط فيروسات الحمض النووي. وأضاف أن “الفكرة نفسها مشابهة للغاية، ولكن كاس 13 له بعض المزايا، فمن ناحية، يمكن استخدامه لاستهداف فيروس يستخدم عددًا من أدلة الحمض النووي الريبي، فيصعب بذلك على الفيروس أن يفلت”. ومن ناحية أخرى “فقد استخدمت الدراسة الجديدة كاس 13 أيضًا للكشف عن مقدار الحمض النووي الريبي الفيروسي الذي تخلَّف لإصابة الخلايا”. وأضاف ليانغ أن “معدل القضاء على الفيروسات الذي حققته المجموعة كان كبيرًا جدًّا” وأوضح أنه “إذا استطعنا استهداف الفيروسات الثلاثة جميعها وتعطيلها – من حيث المبدأ- فبإمكاننا تعطيل أي فيروس.”

وأشار إلى أن “هذا المنهج، مثله في ذلك مثل أي منهجٍ آخر، له محدوديات، وتتمثل أُولاها في مسألة كيفية إدخال كاس 13 إلى جسم إنسان حي لاستهداف الفيروس. هذا فضلًا عن أن الباحثين لم يُجروا بعدُ أي دراسات على الحيوانات. وتتمثل محدودية أخرى في حقيقة أن الفيروسات سوف تطوِّر مقاومةً في نهاية المطاف”. وتضيف لويس أن كاس 13 “له ميزةٌ هنا: فعندما يقطع كاس 9 الحمض النووي الفيروسي، تقوم خلايا الثدييات بإصلاحه، وقد تتسبب في حدوث طفرات تجعل الفيروس أكثر مقاومةً”. ولكن مع كاس 13 لا تملك تلك الخلايا آليةً لإصلاح الحمض النووي الريبي وإدخال أخطاء قد تساعد الفيروس على الإفلات من التدمير. وحتى إذا طوَّر الفيروس مقاومة، تضيف لويس “أو وُجِد فيروسٌ جديد، فيمكن تكييف هذه الطريقة بسرعة.”

وقال ميرفولد، وهو زميل دراسات ما بعد الدكتوراه في جامعة هارفارد: “إن مسألة القابلية للبرمجة تُعدُّ من أكثر الأمور إثارةً في هذا المنهج. فبمجرد التمكُّن من ذلك مع فيروس واحد، لن يصعب عليك تصميم تسلسلات مضادة لفيروس آخر، ثم ثالث، وهكذا. فضلاً عن ذلك، إذا غيَّر الفيروس تسلسله الخاص – كما هي عادة الفيروسات عند تفشِّيها أو على سبيل رد الفعل لعلاجٍ ما- فبإمكانك بسهولة تحديث تسلسل كريسبر للحمض النووي الريبي ومواكبة تطور الفيروس”.

وتوافق فرايجي على قوله إذ أكدت: “نحن متحمسون بكل تأكيد تجاه الآفاق المستقبلية لإدخال مزيدٍ من التحسينات على هذا النظام، وتجربته على نماذج من الفئران. وإلى جانب النتائج العلاجية، يأمل الفريق التوصُّل إلى فهم أكبر لكيفية عمل الفيروسات: كيف تتناسخ، وأي أجزاء من جينوماتها هو الأهم. باستخدام مناهج مثل تلك، يمكنك بالفعل البدء في التوصل إلى صورة أفضل فيما يتعلق بتحديد الأجزاء الأهم في هذه الفيروسات، والأهم من ذلك ما الذي يجعلها تتصرف على النحو الذي تتصرف به”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية