“اسمه الغرام”، 2009، كان عنوان العمل الرابع للروائية اللبنانية علوية صبح، وكان يقترح مستويات حسية لعلاقات الجسد الإنساني، المؤنث بصفة خاصة، ضمن تداعيات معقدة من اشتباكات السياسة والاجتماع والاغتراب والتيه، في لبنان ما بعد الحرب الأهلية، أو لبنان التشوهات العميقة والسطحية، والحكايا الكبرى والصغرى. قبل ذلك كانت رواية “مريم الحكايا”، 2002، قد بشّرت على أكثر من منحى، بالبصمة الأسلوبية العليا التي ستطبع مشروع صبح، أي تنويع جهات الحكي ووجهاته ليس على الطريقة الشهرزادية في توليد الحكايا من خيوطها المتقاطعة، بل على نحو انتثاري انفجاري الإيعاز تارة، أو باطني كتيم الهوية تارة أخرى.
وفي روايتها الجديدة “أن تعشق الحياة” ثمة المزيد من هيمنة مفردتَيْ الجسد والحكاية على المعمار السردي والتداعيات القديمة واشتباكاتها المتجددة المتنوعة؛ مع فارق حاسم هو أنّ المرض، وليس الاعتلال وحده، هو حال حضور الجسد في المشهد، وبوّابة العشق أو عطالته، والتلاقي استطراداً مع معادلات الحياة إجمالاً. لسنا أمام عجز مرضي لدى جسد سواء بطلة الرواية بسمة الراقصة/ مصممة الرقص، بل أيضاً لدى حبيبها الأوّل الذي يفتك به السرطان، وصديقتها أنيسة التي أقعدها الشلل، والأب المقعد الذي لا يجد خلاصاً إلا بالانتحار. الحصيلة، التي ليست نهاية المطاف تماماً بقدر ما هي فاتحة فك اشتباكات شتى، تأخذ منحى العنوان/ الدعوة إلى عشق الحياة؛ مع حرص شديد، ورهيف حميد، إلى تفادي الوقوع في حبائل السيرة الذاتية، سواء في امتداح قوّة الحياة ومقاومة المرض، أو في استدراج اللوعة على سبيل التأزيم العاطفي. وليس، في ذلك كلّه، من دون ركائز فنّية فريدة امتازت بها صبح على صعيد تسليح ما يتوجب أن يصلح محصلة بمهارات في السرد واللغة والشخصيات الفرعية وإيقاع الحكي واختيار تركيب للفصول أدعي إلى تخليق إيقاع تشويقي.
هنا سطور من مستهلّ الرواية:
“حكيتُ لك الكثير حتى الآن، لكني ما عدت أذكر شيئاً. أنا غير قادرة على سرد حكايتي في تسلسلها الزمني. ولكن إلى أين وصلتُ بالكلام؟ ليتك تذكّرني! لو ترى العادة التي تلبستني منذ أن مرضت، ولا أعرف كيف أتخلص منها. أضغط على رسغي بيديّ، باستمرار، وأنا أحكي، أو أن أصمت، كما لو أني أريد ألا تنزلق من رأسي ذاكرتي بفعل الأدوية والمهدئات.
كلّ ما أذكره أنني كلما انتهيت من الفصل الأول، أجد نفسي أباشر فصلاً أوّل جديداً ومختلفاً، ثانياً أو ثالثاً أو رابعاً… لم أعد أذكر عدد الفصول الأولى من حكايتي. يرعبني هذياني. نسياني. ليس لأنّ البدايات صعبة ومربكة، أو لأنّ هناك دائماً فصولاً أولى في حياتي، كما في حياة البشر، وإنما لأنّ البدايات باتت تختلط حتى بالنهايات، كما يمتزج النوم بالصحو. لم يعد هناك أيّ حدود بين الأشياء، ولا فاصل بين الأزمنة، حين يحرق الحاضرُ الماضي ويتحول إلى رماد. الحاضر الذي صار ملطخاً بالدم. الطبيعة نفسها التي تتداخل فصولها، باتت ملخبطة، تبدلت أسماؤها، كأنها فقدت ذاكرتها، أو كأنها مصابة بالهذيان والمرض مثلي، والزمن نفسه بات ملتبساً”.
دار الآداب، بيروت 2020