قبل الإعلان عن الفائز بجائزة البوكر الدولية لهذه السنة، قالت مترجمة رواية «تايم شلتر» (ملجأ الزمن) أنجيلا روديل لصحيفة «نيويورك تايمز»: «ستشعر بلغاريا بنشوة جماعية إذا فزنا». بعدها بقليل، أعلنت جائزة البوكر الدولية عن أول فائز بلغاري لتهزّ رعشة الفوز المجتمع البلغاري الغائب عن مثل هذه المنافسة العالمية.
كتب الروائي البلغاري غيورغي غوسبودينوف روايته الفائزة في فترة مضطربة في تاريخ بلغاريا وأوروبا، عرفت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي في كانون الثاني/يناير 2020 وغزو روسيا أوكرانيا في شباط/ فبراير 2022 وخيبة أمل واسعة للشعوب الأوروبية في الاتحاد الأوروبي، ما جعل المؤلِّف يقول، «ما اعتقدت أنه سيحدث غدا بدأ يحدث الآن…»، فهل يصدق حدسه وتنبؤه بنظام جديد في القارة العجوز يغذيه الحنين إلى الماضي؟
تعدّت شهرته حدود بلاده
غيورغي غوسبودينوف شاعر وروائي وكاتب مسرحي، استهل مشواره الأدبي في أواخر القرن الماضي عندما نشر رواية بعنوان «رواية طبيعية» (1999)، ترجمت إلى 23 لغة من بينها الإنكليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية. انتظر طويلا بعدها قبل أن ينشر روايته الثانية بعنوان «فيزياء الحزن» (2012). كان لهذه الرواية صدى واسع، إذ فضلا عن ترجمتها إلى عدة لغات عالمية، فازت بالعديد من الجوائز على منول الجائزة الوطنية لأفضل رواية لعام 2013، وجائزة يان ميشالسكي عام 2016، وجائزة أنجيلوس في أوروبا الوسطى سنة 2019. لم يتوقف اهتمام الرجل عند حدود الرواية، إذ نشر أربع مجموعات قصصية على رأسها مجموعة بعنوان «وقصص أخرى» (2001)، وهي مجموعة قصص قصيرة ترجمت إلى الألمانية والفرنسية الإنكليزية والإيطالية، وبلغت القائمة الطويلة لجائزة فرانك أوكونور.
غيورغي غوسبودينوف لا يُعدّ من كبار الأدباء البلغاريين فحسب، بل أيضا من أبرز كتاب الأدب الأوروبي المعاصر بشهادة الإعلام الغربي وأدباء عالميين كبار. قال عنه الكاتب الروائي الأمريكي المعروف ديف إغرز، «هو أحد الروائيين الأكثر روعة في أوروبا، لا يمكن الاستغناء عنه».
ملجأ الزمن
صدرت رواية «ملجأ الزمن» الفائزة بجائزة البوكر الدولية لهذه السنة لأول مرة في بلغاريا عام 2020. وكان لها نجاح باهر منذ البداية، حيث تصدرت قوائم الكتب وفازت بجائزة ستريجا. وصفتها رئيسة لجنة تحكيم جائزة البوكر الدولية ليلى سليماني بـ«رواية رائعة مليئة بالسخرية والكآبة»، مضيفة: «هذا عمل عميق إلى أبعد الحدود، ويتعامل مع سؤال العصر وهو أيضًا سؤال فلسفي: ماذا يحدث لنا عندما تختفي ذكرياتنا؟» تدور أحداث الرواية في مركز علاج مرض الزهايمر يتضمن عيادة من الماضي مجهزة ببيئة مستوحاة من الأوقات الماضية، يتم فيها العلاج بتعريض المصابين بالخرف لمشاهد وأصوات وروائح من فترات طفولتهم وشبابهم. فضلا عن هؤلاء المرضى، تتحول العيادة في وقت لاحق إلى ملجأ لأشخاص أصحاء سئموا الحياة العصرية، فلم يجدوا بدا من الهروب إلى الماضي.
لقد انفرد الكاتب بالكتابة عن شريحة مهمة في المجتمعات الغربية والعالم بصفة عامة فئة الأشخاص المسنين، الذين أثقل الزمان كاهلهم وراح يثقل أذهانهم ويهد ذاكرتهم. وها هم اليوم يلجأون إلى عيادة ليست ككل العيادات.. عيادة عابرة للزمن تعود بهم نحو الماضي في رحلة البحث عن الشفاء. لن يتعافى هؤلاء إلا إذا استقوا من منابع الماضي. هذا الداء الذي يشير إليه الكاتب تعبير مجازي يرمز إلى واقع مرير تعيشه أمم أوروبية وجدت نفسها وسط صراع بين عالم شيوعي وعالم رأسمالي. تبدو الرواية مستوحاة من الواقع، تطبعها أيضا تجربة البريكسيت وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتفكير أمم أخرى ومنها بلغاريا في اقتفاء خطى بريطانيا التي عادت إلى وضعها قبل التحاقها بالسوق الأوروبية.
وها هو الماضي يعود من خلال الغزو الروسي لأوكرانيا وما يشكله من تهديد للعالم من حوله. يقول الكاتب، «كل حرب هي آلة زمن، كما أنها عقبة في الزمن. فجأة عاد الماضي، وتذكرت كل التعليمات التي دقوها في رؤوسنا في المدرسة حول ما يجب القيام به في حالة وقوع هجوم نووي». ويضيف، «حانت اللحظة عندما انغلق الأفق وبدأنا ننظر إلى الوراء فقط نحو الماضي. ماذا يعني مثل هذا الاستفتاء؟ اختيار أسعد عقد أو عام من القرن العشرين في تاريخ كل دولة».
أدب الديستوبيا
أدب الديستوبيا – أو ما يعرف أيضا بأدب المدينة الفاسدة ـ هو نقيض أدب اليوتوبيا، أو أدب المدينة الفاضلة – أدب خيالي تطبعه نزعة تشاؤمية عن عالم مستقبلي وهمي مرير عالم يحكمه الشر ويسوده الخراب والفوضى والعنف والقمع والفقر والوباء، لكن ماذا لو صدق التنبؤ وتجسد العالم الوهمي في الواقع؟ عجيب وغريب أن يصدق حدس الكاتب ويتحقق عالم خيالي في الواقع، والأكثر عجبا وغرابة أن يتحقق هذا العالم الوهمي قبل الأوان ـ أسرع مما كان يتوقعه الكاتب وهو ما أكده في حوار بعد فوزه بالجائزة، إذ قال: «ما اعتقدت أنه سيحدث غدا بدأ يحدث الآن، والمشكلة مع روايات الديستوبيا في عصر الديستوبيا أنها أصبحت أفلاما وثائقية». تنبؤُ الكاتب بعودة أشباح الماضي لتطارد الأمم الأوروبية وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه في الماضي، بدأ يتجسد بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ورغبة أمم أخرى في اقتفاء خطى بريطانيا واستعادة سيادتها التي كانت تنعم بها في الماضي.
وها هو الغزو الروسي لأوكرانيا يؤكد هذا التنبؤ ويوقظ في ذهن الكاتب ذكريات مريرة من الماضي، وما عاشه وعاشه معه مواطنوه في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي في ديسمبر/كانون الأوّل 1991 والحرب الباردة وهاجس الخوف من الحرب النووية المدمرة. يقول الكتاب، «عندما اندلعت الحرب في 24 فبراير من العام الماضي، عادت فجأة كل مخاوف طفولتي».
فوز بنكهة سيريلية
تتويج غيورغي غوسبودينوف بجائزة البوكر الدولية لا يُعدّ فوزا له وللمترجمة فحسب، بل أيضا لوطنه ولغته البلغارية، وكيف لا وهذا الفوز يتحقق عشية العطلة الوطنية لبلغاريا، وهذا ما جعل الكاتب يقول إنه «هدية للأبجدية السيريلية».
تتقاسم مكافأة الجائزة المادية المترجمة الأمريكية أنجيلا روديل التي تقيم وتعمل في بلغاريا. رحلت أنجيلا روديل إلى بلغاريا في عام 1996 حيث درست اللغة البلغارية والموسيقى الشعبية في جامعة صوفيا، وقد منحها احتكاكها بالمجتمع الجديد وما بذلته من جهد في الدراسة إتقانا تاما للغة، وفهما راسخا للثقافة البلغارية، ما مكنها من ترجمة الرواية الفائزة بالجائزة.
جدير بالذكر أنّ اللغة البلغارية تعتبر من اللغات الأكثر صعوبة في التعلم بحكم قواعدها المعقدة ومفرداتها الواسعة، والبلغارية من اللغات العريقة في عالمنا إذ توجد سجلات لنقوش جنائزية بالخط السيريلي تعود إلى القرن العاشر. وتُعدّ «أناجيل القيصر إيفان ألكسندر» التي كتبت في منتصف القرن الرابع عشر من المخطوطات الأولى باللغة البلغارية ومن أعظم التحف الأدبية والثقافية البلغارية في العصور الوسطى.
رواية «تايم شلتر» (ملجأ الزمن) تتناول في الظاهر مسنين راموا العودة إلى الماضي هروبا من الحاضر وأثقاله، لكنها في الحقيقة تعالج واقعا أوروبيا تعيشه شعوب لا تبدو راضية تماما عن واقعها، تعبث بذاكرتها أشباح الماضي، وهي اليوم تتطلع إلى مستقبل آمن ومزدهر، وهو ما أشارت إليه رئيسة لجنة التحكيم المغربية ليلى سليماني في قولها: «في المشاهد الهزلية وكذلك المفجعة، يتساءل جورجي عن الطريقة التي تكون بها ذاكرتنا هي الراسخة لهويتنا وسردنا الحميم. لكنها أيضا رواية عظيمة عن أوروبا، القارة التي تحتاج إلى مستقبل، حيث يُعاد اختراع الماضي، والحنين إلى الماضي هو السم».
ويتجلّى من خلال رواية «ملجأ الزمن» تركيز الكاتب على بلاده بلغاريا التي دخلت منعرجا جديدا بالتحاقها بالاتحاد الأوروبي بتوقيعها معاهدة الانضمام رفقة الجارة رومانيا في 25 نيسان/أبريل ودخول الاتفاقية حيز التنفيذ في يوم 1 كانون الثّاني/يناير 2007، وهو ما تشير إليه رئيسة لجنة تحكيم جائزة البوكر أيضا، «إنه يقدم لنا وجهة نظر حول مصير بلدان مثل بلغاريا، التي وجدت نفسها في قلب الصراع الأيديولوجي بين الغرب والعالم الشيوعي».
ويكون السؤال عندئذ هل يصدق حدس الكاتب البلغاري ويتحقق تنبؤه ويوفّق في عرض تصوراته عن مصير القارة العجوز؟ الروائي البلغاري يؤكد صدق تنبؤه من خلال نظرته الساخرة والمتشائمة إلى الأحداث الأخيرة في أوروبا، إذ يقول، «ما اعتقدت أنه سيحدث غدا بدأ يحدث الآن». فهل تطغى مشاعر القومية على الشعوب الأوروبية ومنها بلغاريا إلى درجة تنظيمها «استفتاءات متزامنة» بحثا عن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي والعودة إلى ما كانت عليه من قبل؟ وهل يعزز هذه القراءةَ المتشائمة غزو روسيا لأوكرانيا؟
مؤشرات الوضع لا توحي بذلك تماما. فغالبية المستطلعين في فرنسا (61 في المئة) وألمانيا (65 في المئة) وإيطاليا (61 في المئة) وإسبانيا (84 في المئة) يؤكدون اليوم أنهم سيصوتون للبقاء في الاتحاد الأوروبي إذا أجري استفتاء في وقت ما في المستقبل القريب. خسائر الروس في حربهم في أوكرانيا وعجزهم عن تحقيق تقدم نتيجة تصدي العالم لهذا العدوان ووقوفه إلى جانب الشعب الأوكراني، مؤشر آخر على عدم احتمال عودة الهيمنة الروسية إلى المنطقة ورجوع الأمم المستقلة عن الاتحاد السوفييتي إلى الوراء – على أقل تقدير في المستقبل القريب.