‘بالنقطة الحمراء تحت عينه اليسرى’ لمنال الشيخ:
عبد المنعم الشنتوفيرتبط التحقق الشعري الجديد للشاعرة العراقية منال الشيخ بتجربة الفقد التي تخلقت عن عقود من الاستبداد والحروب الطاحنة والاحتلال وتفتيت الوطن العراقي. تتقدم القصيدة والحالة هاته بوصفها تعبيرا، من جهة، عن ذلك التوق المضمر إلى حماية الذاكرة من الهشاشة والتلف، ورغبة في الكشف الشعري عن الآلام المتخلفة عن الاقتلاع من الأرض والتطوح بين المنافي. يفصح المكان عن حضوره في النصوص المشكلة للديوان باعتباره سياقا يتفجر داخله الغضب والاحتجاج والإدانة والتمرد. وهو في الآن نفسه تعبير عن المغايرة وتأثيراتها. تقيم الذات الشاعرة داخل فضاء الآخر وتستوعب اختلافه التاريخي والثقافي، لكنها تستشعر في الآن نفسه ثقل الذاكرة ووطأة الرغبة في الاستعادة. يتمثل القارئ والحالة هاته قوة المفارقة التي يحيل عليها هذا التحقق الشعري الجديد والتي تصل الابتعاد الفيزيقي عن الأرض بتلكم الرغبة المحمومة في استعادتها عبر وسيط التذكر. حقيق بالإشارة في هذا الخصوص أن هذا الكتاب الشعري الصادر عن دار الغاوون عام 2010 هو الإصدار الثالث بعد ‘انحراف التوابيت’ 1996 و’ أسفار العزلة’ 2008 للشاعرة العراقية المقيمة في النرويج منذ سنوات عديدة.
يشتمل الديوان على سبع وثلاثين نصا كتبت بين نينوى وأربيل وستافنجر وتوحد بينها تلكم الرغبة في التعبير الشعري عن تجربة الاقتلاع وتبعاتها الثقيلة. نتمثل ونحن نغوص في العالم الممكن الذي تبدعه الذات الشاعرة ذلكم الحرص على أن تكون القصيدة صرخة احتجاج وفضح في وجه الاستبداد وأيقوناته الكريهة. ولعل في الإهداء الدال الذي استهلت به الديوان ما يشكل قرينة على ذلك:’ إلى الجنرال إياه، لأنه لم يفهم لغتي: هاك فمي؛ فاتحة أبجدياتي’تنظر الذات الشاعرة إلى المستبد باعتباره جنرالا، ولا يخفى علينا في هذا المقام دلالة هذا الوصل. يقينا إنها كانت تفكر في هؤلاء العسكر الذين استولوا على السلطة في العراق غب انقلابات اعتبرت اعتباطا ثورات. هكذا، إذن، تحيل صورة الجنرال على الاستبداد وآثاره الكارثية والمدمرة التي سعت الشاعرة إلى التعبير عنها في هذا التحقق. وسوف نلفي تكثيفا لهذا الحضور في نصين هما ‘لقية البدء’ و ‘آخر الجنرالات’؛ حيث يؤسس المستبد للبدايات ويفرض سطوته باعتباره ذاتا متعالية على إكراهات الزمان والمكان. يتأسس العالم الممكن الذي تفترضه المجموعة على إيقاع الابتعاد القسري عن أرض ‘البدايات’ التي نكل بها الجنرال. تخوض الذات الشاعرة في هذا السياق فيما يمكن وصفه بأنه سرد لتاريخ هذا الابتعاد بما يستلزمه ذلك من استدعاء لتفاصيل وقرائن تؤشر على الانتقال والتحول ورواسب العنف الرمزي والمادي. يبدو اهتمام الذات الشاعرة منصبا في السياق ذاته على تلكم الجسور الممتدة بين زمن الإقامة في أرض البدايات وزمن التشتت في منافي العالم:
أذهب بعيدا جدا كي أراني الآنوأقترب كثيرا كي أراك هناآباؤنا المغفلون، لم يدركوا معنى المسافة يوماتركوا آثارهم حول أعناقنا الطريةمنها قبلات باردة وصفعات ساخنة تهطل علينا ببراءةلم يدركوا أن المسافة صار لها فم وصوت، وأنها ستنادينا يوما لنحزم الحقائب من جديد ونعود إلى الرحم الكافرة (الديوان، ص، 35). تقيم القصيدة في المسافة الفاصلة بين الحضور والغياب وأرض البدايات وفضاء الآخر وتسعى من خلال فيوض من الصور والحالات إلى القبض على سر هذه الحاجة المحتومة إلى العودة. يشكل تعبير ‘الرحم الكافرة’ والحالة هاته قرينة دالة على الصراع الوجودي الذي يعتمل في دخيلة الذات الشاعرة بين الاضطرار إلى الرحيل عن أرض ‘البدايات’ حيث الاستبداد وسطوة العنف والأحادية وإكراه التطابق والإقامة في ضيافة ‘الآخر’ حيث الحرية والاختلاف وتلك الرغبة القسرية في العودة والتي تفصح عن حضورها بطرائق مختلفة. تستدعي الشاعرة في هذا المعرض صورة ‘الأب’ كي تعبر عن احتجاجها الشعري ضد الاستبداد وآثاره البغيضة، تتعمق المسافة على المستوى الفيزيقي بين الذات وأرض البدايات، لكنها تمحي على المستوى الرمزي. ربما كان هذا التشديد على هذه المفارقة موصولا برغبة الشاعرة في الدفع بالاحتجاج إلى مقام السخرية اللاذعة؛ التي لا تتردد في وسم الأب بالغفلة والغباء. تبقى الجسور ممتدة ضدا على المسافة المفروضة بقوة العنف الرمزي والمادي، ويضحي سرد التفاصيل التي ترتب لحكاية الاقتلاع من أرض البدايات سعيا إلى مقاومة النسيان وهشاشة العبور.
الحكي فعل أنثوي بامتياز، وقد توسلت به الذات الشاعرة بقوة كي تؤرخ من خلال تجربتها الخاصة مع الاقتلاع والترحال لتجربة جيل بكامله. يمكننا أن ندرك في هذا الخصوص دلالة توظيفها لضمير ‘الأنا’ واختيارها المقصود توظيف اسمها الشخصي في بعض النصوص:
أنا منال الشيخابنة مهاجر آوى قطاع الطرق في بيتنا الطيني المسقوفولم يطعمهم ما تبقى من أحلامنا على مائدة احتضارابنة امرأة أحرقت آخر رغيف كنا سنوكل إليه أيامنا المعدودةواتكأت على رهان عتيقابنة أسلاف، قاطعي الرقاب وسارقي ألقاب البطولةمعتمري برق السماءدون أن تطالهم لفحة موت واحدة.. (الديوان، ص19.(لا يسعنا باعتبارنا ذواتا متلقية فصل هذا الاختيار لغواية السرد عن تلكم الرغبة في تحدي الاستبداد مجسدا في الجنرال والأب. ربما نتمثل في هذا السياق القيمة المعرفية والجمالية للتقابل بين الأنوثة باعتبارها عديلا للخصوبة والعطاء والذكورة بما هي تمثيل للاستبداد والجدب وسطوة الإكراه. يثيرنا في غمرة هذه الاستعادة السردية حرص الشاعرة على التقاط التفاصيل الدالة على الانتقال من أرض البدايات إلى فضاء الآخر علاوة على التحول الذي طال كينونتها باعتبارها أنثى في سياق ذكوري، ويمكننا أن نمثل لذلك بنص ‘أيد عابثة’. تتوحد الشاعرة بذاتها في سياق هذه الاستعادة كي تحتج لفرادة تجربتها، لكنها تحرص في السياق ذاته على التقاط تفاصيل لها تعلق بذوات تقاطعت مصائرها مع مصيرها الشخصي في أرض البدايات أو فضاء ‘الآخر’. ثمة في الديوان تنويع من النصوص تؤشر على هذا الانهمام؛ ويكفي أن نمثل لذلك بنصوص ‘زيدان، ذو النون’ و’ الكابتن بلاك’ و’ نادل ناد أزرق’. تسعى الشاعرة والحالة هاته إلى القبض على تلكم التفاصيل التي تفضح الحضور المشوه والمختل للأنا في فضاء الآخر. يتخلى زيدان ذو النون عن إنسانيته ليتحول في فضاء الآخر إلى مجرد نديم أو ‘قضيب شرقي’ يشبع الاستيهام الجنسي للآخر:
عندما لا يحتاجه أحد ولا يستغيث به فراش امرأة آريةيعمل نادلا في مقاهي البلدةيضيء فجرا جديا على كؤوس السكارىويغرف نسيانات الحالمين بفجر مبكر… (الديوان، ص 44.(يمكننا أن نفترض على سبيل الختام أن هذا التحقق النصي تعبير عن عنف الخروج القسري من الرحم الكافرة والتطوح بين منافي العالم. يتعلق الأمر بشهادة شعرية قوية عن محنة ‘الشتات العراقي’ التي كانت محصلة تاريخية للاستبداد وامتداداته القاتلة. يبدو الرهان المعرفي لهذا التحقق متمثلا في الاحتجاج لافتراض مؤداه أن الهرب من أرض الاستبداد أو الرحم الكافرة واللوذ بفضاء ‘الآخر’ لا يهب بالضرورة الحرية والشعور بالامتلاء؛ إذ تشي نصوص هذا الديوان بعجز الذات عن تجاوز أعطابها وتشوهاتها وحالات نقصها. تنهي الذات الشاعرة بهذا النص الومضة سردها الموجع لهذه الحكاية الشعرية المثيرة:
مثل عثة خاسرةعجزت عن مضغ أوهامها في خزانة العمرأمضي أنا إلى فراشي.. (الديوان، ص 78).