تونس:
أظهرت نتائج أولية رسمية لانتخابات الرئاسة التونسية، التي أجريت الأحد، تأهل كل من قيس سعيّد (مستقل) ونبيل القروي، رئيس حزب “قلب تونس”، إلى جولة ثانية لم تُحدد هيئة الانتخابات موعدها بعد.
وتوقّع محللان سياسيان، أن التحالفات في الجولة الثانية ستنقسم بين القوى المناصرة للثورة، وستدعم سعيّد (61 عاما) المعروف بانحيازه لأهداف الثورة وللمسار الانتقالي، والقوى التي تُعتبر امتدادا لمنظومة الحكم القديمة وجزءا من منظومة الحكم في 2014، وستؤيد القروي (56 عاما)، الذي كان قياديا بارزا بحزب “نداء تونس”.
وأطاحت ثورة شعبية، عام 2011، بالرئيس آنذاك، زين العابدين بن علي (1987- 2011).
وفي انتخابات 2014، فاز حزب “نداء تونس” بالأغلبية البرلمانية، وتولّى رئاسة الحكومة والبرلمان، قبل أن يشهد انقسامات وانشقاقات أفرزت أحزابا، منها: “تحيا تونس”، و”مشروع تونس”، و”بني وطني” و”الأمل”.
قوى الثورة
وفق الحبيب بوعجيلة، كاتب صحافي ومحلّل سياسي، فإن “قيس سعيد (أستاذ قانون دستوري) سيكون مسنودا في الدور الثاني من الأحزاب التي ترفع شعار محاربة الفساد والانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة، على غرار أحزاب النهضة والتيار الديمقراطي والحراك، برئاسة (الرئيس السابق) المنصف المرزوقي (2011- 2014)”.
واستدرك بوعجيلة: “إلا إذا تمت تسويات سياسية على قاعدة الانتخابات التشريعية (6 أكتوبر/ تشرين أول المقبل)، فمثلا قد تقوم حركة النهضة بتسوية مع حزب تحيا تونس (برئاسة رئيس الحكومة يوسف الشاهد)، للتحالف في التشريعية، وإذا تم الاتفاق على هذا التحالف سيكون الموقف إما بالاتفاق على دعم سعيّد أو عدم دعمه”.
وأضاف: “في المقابل هناك جزء من منظومة 2014 (يقصد حزب تحيا تونس) دخل في صراع مع القروي (رجل أعمال وإعلام وسياسة) تجسّد في مواجهات قضائية وإعلامية عبر إيقاف القروي السجين حاليا، وعبر تحريك ملفات ضدّه تتعلق بتهم تبييض أموال وتهرب ضريبي”.
وتابع: “لا أعتقد أن هذا الجزء من منظومة 2014 سيساند القروي، وربما يدفع باتجاه مساندة سعيّد، أو لا يعلن أي موقف”.
وسيخلف الرئيس المقبل الرئيس الراحل، مؤسس حزب “نداء تونس”، الباجي قايد السبسي، الذي توفي في 25 يوليو/ تموز الماضي عن 92 عاما.
ورأى بوعجيلة أن “هناك جناحا آخر من المنظومة القديمة يعدّ امتدادا لمنظومة الحكم ما قبل ثورة 2011، وكانت مرشّحته للرئاسة في الدور الأول رئيسة الحزب الحر الدستوري، عبير موسى، المعادية للثورة والموالية لنظام ابن علي.. وربّما لا يرضيه مساندة سعيّد، المعروف بانحيازه لأهداف الثورة”.
وأشار إلى أنه “منذ إعلان نتائج الدور الأول، انطلقت أبواق إعلامية رافضة للثورة وللانتقال الديمقراطي تنعت سعيّد بأوصاف تقليدية بأنه إسلامي ومتطرف وسلفي”.
وذهب إلى أن “منظومة الحكم لعام 2014 قد تنقسم في دعمها لسعيّد والقروي، فمنظومة 2014 ليست هي نفسها اليوم، إذ انقسمت بين جزء يدّعي محاربته للفساد ورفضه لعودة النظام القديم ودعمه للانتقال الديمقراطي وللإصلاحات، وآخر سيُعيد الخطاب نفسه المعادي للثورة الذي كان في 2014”.
وبشأن إمكانية عودة الصراع السياسي بين الأحزاب الممثلة للصف الثوري والمساندة للانتقال الديمقراطي والأحزاب التي تمثل امتدادا لمنظومة ما قبل ثورة 2011، رأى بوعجيلة أن “هذا الصراع سيكون أقل حدّة في المرحلة القادمة ممّا كان عليه في 2014”.
أمّا عن الأحزاب المناصرة للانتقال الديمقراطي، على غرار حزب “الحراك” وحزب التيار الديمقراطي، برئاسة محمد عبّو، وبعض قيادات حركة النهضة، فقال بوعجيلة إنها “ستساند سعيّد في الدور الثاني”.
ورجح أيضا أن “يتلقى سعيّد دعما من جزء كبير من اليساريين والقوميين، الذين انتخبوا في الدور الأوّل الناطق باسم الجبهة الشعبية، حمّة الهمامي، وأيضا أنصار المرشّح المستقل، الصافي سعيد (قومي عروبي)”.
واستبعد أن “يكون لليساريين (يقصد ائتلاف الجبهة الشعبية) الجرأة هذه المرّة لقطع الطريق أمام فوز سعيّد، مثلما حصل مع المرزوقي في انتخابات 2014، أو أن تساند القروي، الذي وُصف بـ(المافيوزي)، باعتبار أن الظرف مختلف هذه المرّة”.
واعتبر بوعجيلة أن “الأوفر حظا في الجولة الثانية هو سعيّد؛ لأنه يعبّر عن مسار جديد في تونس، لكن قد تكون الكارثة كبرى على المسار الانتقالي إذا فتحنا قصر قرطاج (الرئاسي) للمال الفاسد والإعلام الفاسد ولشخص لا نعرف ارتباطاته الخارجية (يقصد القروي)”.
وأعلنت وزارة الداخلية، في 23 أغسطس/ آب الماضي، توقيف القروي وشقيقه غازي، بمقتضى مذكرة جلب، بعد شهر ونصف من اتهامهما بغسل أموال وتهرب ضريبي. وقالت السلطات الانتخابية إن ترشيحه لا يزال ساريا رغم توقيفه.
تأثير على التشريعية
ذهب كمال الشارني، صحافي ومحلل سياسي، إلى أن “نتائج الدورة الأولى، التي فاجأت الجميع، ستؤثر كثيرا وعميقا على تطورات الانتخابات التشريعية”.
وأضاف الشارني: “ثمة كتل تقليدية ستتراجع، ومنها النهضة نفسها، ليس فقط بسبب فشل ممثليها في الرئاسية، بل خصوصا بسبب تفشي موجة العداء للأحزاب التقليدية والمؤسسات السياسية المعروفة، واعتقاد الناس بإمكانية وسهولة التغيير نحو مشاريع سياسية غير مستهلكة”.
وحل مرشح النهضة، عبد الفتاح مورو، ثالثا خلف سعيّد والقروي.
هذا التغيير لا يرى الشارني أنه “سيكون بالضرورة تغييرا كاملا في خريطة الانتخابات التشريعية، بل من شأنه أن يغير من الكثير من المعادلات الانتخابية السابقة”.
وأفاد بوجود “اتجاه للبحث عن الاقتراب من سعيّد والاستفادة (في التشريعية) من موجة التعاطف معه في الرئاسية، كما ثمة موجات مضادّة لخلق كتل جديدة مقاومة من المجموعات السياسية القوية في الأعوام الأخيرة، خوفا من فقدان مصالحها وتماسكها”.
ورأى أنه “منطقيا، ستدعم الأحزاب التي تمثل الصف الثوري سعيّد، باعتباره نموذجا للرجل المنحاز لأهداف الثورة، بينما الأحزاب، التي تُعتبر امتدادا للمنظومة السابقة، ستدعم القروي، الذي وإن بدا خارجها، فهو ابن شرعي لها وقيادي سابق في النداء”.
واستدرك الشارني: “كل واحدة من تلك المجموعات المحسوبة على الثورة ستعمل بمفردها لتحصيل أكبر عدد من المقاعد لنفسها كي تفاوض بها بقية الشركاء، وقد تعمل على الاستفادة من موجة التعاطف مع سعيّد وتوظيف شعاراته، مثل النزاهة وقيم الثورة ومقاومة الفساد”.
واستطرد: “كل واحد من تلك الأحزاب والقوائم المستقلة للانتخابات التشريعية سيعمل بمفرده دون تنسيق، على أساس التحالف بعد اكتساب ما يمكن من المقاعد، لأنه لا توجد قاعدة حقيقية يمكن الاستناد إليها لتوحيد الجهود بينها في مرحلة الإعداد”.
ورأى بالمقابل أن “أحزاب وقوائم الطرف المواجه، الأحزاب التي كانت في الحكم أو قريبة أو مستفيدة منه، تبدو أكثر استعدادا للتحالف؛ بسبب صدمة نتائج ممثليها وزعاماتها في الرئاسية، وبسبب الخوف الجماعي من غلبة مجموعات نيابية عنيفة أو ثورية قد تلوح بفكرة المحاسبة”.
ولاحظ الشارني في السياق ذاته “مسارعة المجموعات المحسوبة على شقوق نداء تونس إلى البحث عن حل لتوحيد الجهود في الميدان وخلق كتل قوية، مقابل التهاون في استغلال موجة انتصار سعيّد ضد المنظومة السياسية السائدة”.
(الأناضول)