على خلفية حرب الأسعار: من سينتهي صبره بشكل أسرع روسيا أم السعودية؟

فالح الحمـراني
حجم الخط
0

تباينت تقديرات الحكومة الروسية، والخبراء حول مدى انعكاس انهيار أسعار النفط على الاقتصاد الروسي، وتحديد الطرف المسؤول عنها. فعلى خلفية انتشار فيروس كورونا، انخرط أكبر منتجي النفط في إعادة توزيع السوق. بعد تعطل صفقة “أوبك +” وانهيار أسعار برنت، وانخفضت إلى أقل من 32 دولارا للبرميل. كما انخفض سعر الروبل إلى مستويات غير مسبوقة. وتهدد السعودية بالإغراق من أجل إعادة روسيا إلى طاولة المفاوضات. وتؤكد وزارة المالية الروسية أن الاحتياطيات المتراكمة ستستمر لما يقرب من 10 سنوات على خلفية أسعار نفط منخفضة للغاية. وتؤكد القيادة الروسية أن الوضع الاقتصادي تحت السيطرة تماما. ويتساءل الخبراء عن مدى نجاعة استراتيجية روسيا، وهل ستلحق الضرر بصناعة النفط الصخري على المدى الطويل؟ سؤال آخر: ما هي الخسائر التي ستواجه الاقتصاد الروسي من صدمة النفط؟ وهناك هواجس من أن السعودية تسعى من خلال زيادة الإنتاج وخفض الأسعار إلى إجبار روسيا والدول الأخرى خارج الكارتل على استئناف المفاوضات مع الدول الأعضاء في أوبك. وثمة مؤشرات عن نشوب حرب أسعار شاملة.

ولا تعتقد وزارة الطاقة الروسية أن موسكو تشن حرب أسعار في سوق النفط مع أي من المشاركين. كما صرح بذلك نائب الوزير بافيل سوروكين، مشيرا إلى أن الجانب الروسي يدعو “حصريا لسوق مستقرة”. والقى رئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين مسؤولية قرار الانسحاب من الاتفاق لخفض إنتاج النفط على دول أوبك بقيادة السعودية. وقال: إن روسيا حاولت الحفاظ على هذا الاتفاق، ولم تكن البادئة بالانسحاب من اتفاق “أوبك +”. وأوضح مشوستين: أن أعضاء أوبك اتخذوا قرارا بعدم تجديد الاتفاقية. وأضاف: “المملكة العربية السعودية، بصفتها زعيمة أوبك، أعلنت عن انخفاض غير مسبوق في أسعار النفط وزيادة في الإنتاج إلى مستويات قياسية، ما أدى إلى انخفاض في الأسواق”.

ضربة بالنفط الصخري                                  

وقررت موسكو، على وفق بعض القراءات، إنزال ضربة بمنتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة، لتظهر “من هو الطرف الرئيسي في سوق النفط العالمية”. ولا يستبعد خبراء أن القرار الروسي كان بمثابة رد على إجراءات واشنطن الرامية لإحباط مشروع سيل الشمالي 2. في غضون ذلك تباينت آراء الخبراء في ما مدى دقة وفعالية الاستراتيجية التي تتبناها روسيا، وهل من الممكن بالفعل إلحاق ضرر طويل المدى بصناعة النفط الصخري الأمريكي؟

ويرى محللو وكالة التصنيف العالمي “فيتش” إن انهيار أسعار النفط لن يدمر صناعة النفط الصخري، بل سيجعلها أقوى، كما فعلت في عام 2015-2016. وعبر عن هذا الرأي مدير مجموعة البضائع الخام لوكالة “فيتش” دمتري مارينتشكو. وأضاف: أنه بمجرد أن تبدأ الأسعار في التعافي بعد الانهيار قصير الأجل، سيبدأ إنتاج النفط الصخري في الارتفاع مرة أخرى. ونقلت “إنترفاكس” عن رأي بعض المحللين الأجانب أن معظم الشركات المصنعة تحوّطت في المخاطر خلال فترة ارتفاع الأسعار.

ولكن هناك تقديرات أخرى. وضمن هذا السياق قالت ناتاليا ميلتشاكوفا، نائبة مدير مركز “الباري” للتحليل الاقتصادي، لصحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” من أجل إلحاق ضرر طويل المدى بإنتاج النفط الصخري، ليس من الضروري الحفاظ على الأسعار بشكل مصطنع عند مستوى 30 دولارا للبرميل أو أقل. وسيتم اضعاف حرب الأسعار قريبا، لأن سعر 40 دولارا للبرميل، أيضا غير مناسبة للنفط الصخري. وتشير ميلتشاكوفا إلى أن حالات الإفلاس وخروج العديد من الشركات الصخرية من السوق أمر مرجح جدًا، بالإضافة إلى ذلك، لدى روسيا فرصة للضغط على أوبك في السوق الصينية. مثل هذه الاستراتيجية بالطبع، قد تثير تساؤلات لكنها كما تعتقد الخبيرة، أفضل من التقاعس عن العمل في بيئة ستظل أسعار النفط تنخفض فيها. وقالت ميلتشاكوفا إن إنتاج النفط الصخري ينمو في بداية هذا العام ولكنه أبطأ مرتين تقريبًا مما كان عليه في بداية عام 2019.

تداعيات

وأعلنت وزيرة المالية “في حالة الحفاظ على انخفاض الأسعار بشكل ثابت، فإن وجود كمية كافية من الأصول السائلة في صندوق الرفاه الوطني الروسي سيضمن الوفاء بجميع التزامات الدولة، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي”. وبلغ حجم الأصول السائلة في صندوق الرفاه الوطني اعتبارًا من 1 اذار/مارس الحالي 150 مليار دولار، وهو ما يمثل 9.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وقالت وزارة المالية “هذه الأموال كافية لتغطية النقص في الدخل من هبوط أسعار النفط إلى 25-30 دولاراً للبرميل لمدة 6-10 سنوات”.

وعلى الرغم من ذلك، يعتقد خبراء مؤسسة “فيتش” الدولية للتصنيف الائتماني، إن انخفاض أسعار النفط إلى ما يقرب من 30 دولارا للبرميل يهدد روسيا بعجز الميزانية وانخفاض قيمة العملة. وبالمناسبة، أصبح الروبل الروسي على خلفية انهيار النفط، أرخص أيضًا في سوق الفوركس. في الوقت الحالي بلغ سعر الدولار الأمريكي الواحد 74 روبلا. وحسب ديمتري مارينشينكو، من غير المحتمل أن تتوقع موسكو انخفاض أسعار النفط كثيرًا: “ربما تكون هذه مفاجأة غير سارة للغاية، بمن في ذلك أولئك الذين اتخذوا قرار الخروج من الصفقة”. ولفتت وكالات الأنباء الأنظار إلى حقيقة أن تكلفة برميل خام برنت تقترب من القيمة المشار إليها في سيناريو مخاطر البنك المركزي. ويفترض هذا السيناريو حدوث ركود اقتصادي للسنة بنسبة 1.5-2 في المئة.

وهناك توقعات بإن أسعار النفط المنخفضة تلقي بظلال من الشك على خطط الحكومة لتسريع النمو الاقتصادي. وإن مثل هذا الانخفاض الحاد في أسعار النفط يمكن أن يؤدي إلى هروب هائل لرأس المال من الأسواق الروسية. وقال أوليغ فيوجين، الأستاذ في كلية الاقتصاد العليا للصحافيين: “من المحتمل أنه إذا ظل السعر عند هذا المستوى المنخفض فسوف تكون هناك زيادة طفيفة في التضخم، لذلك سيتوقف البنك المركزي عن خفض المعدل، أو ربما يرفعه”. وإذا بقيت الأسعار لفترة طويلة أقل من مستوى 40 دولارا للبرميل، أي أقل من سعر السقف المحدد في قاعدة الميزانية (وهو 42.4 دولار للبرميل هذا العام) ستبدأ إعادة النظر في النفقات، بما في ذلك المخصصة للمشاريع الوطنية.

وقال الاقتصادي الليبرالي فلاديسلاف إنوزيمتسيف مدير “مركز دراسات مجتمع ما بعد الحداثة” في تعليق له عن انعكاسات القرار الروسي بشأن رفض خفض الإنتاج وفق رؤية الأوبك: “إن الأحداث الأخيرة في سوق النفط تشير إلى أن العيد الكبير للروس قد انتهى قبل الموعد المحدد”. موضحا: “بعد عدة سنوات من الاستقرار، سنرى مرة أخرى دولارًا بقيمة 80 روبلا”. ولفت الأنظار إلى أنه “لأول مرة في العالم، تم العثور على دولة ترد بقسوة وصراحة على إجراءات موسكو” مشيرا إلى السعودية التي على حد قوله “تفهم القوة التي لديها، وهي مستعدة لاستخدامها”. وأضاف “لا يتم احتساب هذه القوة من خلال الانقسامات والرؤوس الحربية لكنها قادرة على إلحاق المزيد من الضرر بروسيا من أي من خصومها العسكريين”. وفي مثل هذه الظروف فمن سينتهي صبره بشكل أسرع روسيا أم السعودية أو مشاركون آخرون في صفقة أوبك الفاشلة؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية