على دكّة الرموز

حجم الخط
0

عبدالعزيز البرتاويينذرنا العالم بفنائه. كلما جاهداً حاولت إحصاء راحليه، لاهثاً صادفتني أعدّد باقيه. لو كان الجبل علامة المكان لكان الموت علامة الزمان. كما ينتهي سهل إلى سفح جبل، تنتهي حياة إلى شطّ موت. تحدّد الأشياء المكان، وتحدّد الأحداث الزمان. تحجّمه. تضائله. تجعل منه أمراً في الآخر، يسهل تغييبه ونسيانه والعبث به.

في الشرق اليوم، كما الغرب، انقراض كبير، على مستوى الرمز الثقافي. إنذار بعالم جاهل. أو متأستذ منذ البداية. لا يحتاج رمزاً، ولا يرنو إلى منارة. لا تسل عن طوني جوديت، ولا ليفي شتراوس، ولا فاروق عبدالقادر، ولا رودنسون، ولا رجاء غارودي، ولا ستالينجر، ولا عفيفي مطر، ولا ماكورت، ولا الجابري، ولا أركون، ولا سولجنستين، ولا درويش، ولا بسام حجار، ولا هنتغتون، ولا الخطيبي، ولا أنيس الصائغ، ولا فؤاد زكريا، ولا هاليداي، ولا الطاهر وطار، ولا القصيبي، ولا الموسوعات الهائلة، ترحل عن مكتبات العالم، تاركة الرفوف خلواً، لروايات الجيب، وحزم الورق الأكثر مبيعاً وسخفاً في نفس الآن.

لسنا كلّنا في الهمّ شرق، ولا في الموت حتى. المغرب ينافس المشرق أمواته أيضا. والمدهش، أن لا يخلخل هذا الأمر بداهاتنا، إذ آخر ما يمكن إن نوليه اهتماماً، الشعور بهزّ ذاتنا، بنقصانها. بتفككها. خمسة دولارات، قد تنشئ ربكةً، لا تصنعها، وفيّات متعاقبة لخمسة رموز، بالنسبة لمثقف في هذا العالم. إنها إشكالية كبرى، بحق كيركيغارد.

وإزاء هذا، لو قرّرنا إيلاء ذلكَ شعوراً، حفلنا بالغياب. لا الحضور. أول قصائدنا.. أطلال. وآخر أبياتنا.. رثاء.

يستفزّنا الغياب أكثر. حتى بالكتابة. نكتب عمّن مات. ولا ردّ السلامِ، يحصّل منّا الحيّ. حين تعبر جنازات ‘الآخرينَ’ أمامنا، تعبر معها أكوام المزايا التي كانت تحتجب آن حيواتهم.

موتهم يستدعيهم لمقاعد الدرجة الأولى من قلوبنا. انتفاء الثقة في كلّ ما هو حيّ، يجعلنا لا نلتفت إليهم آن ‘تقلّبهم’ في الحياة. تكتمل وتغدو نتاجاتهم ‘أعمالاً كاملة’ آن وفيّاتهم، وبعدها فحسب. حين يفيق جيل يوماً، على تزاحم مثقفين من فئة العقاد، وطه، وجبران، والزيات، وبدوي الصعيد، وبدوي الجبل، ونجيب، ونجيب الآخر، ونجيب الثالث، ولطفي السيد، وشحاته، ونعيمة، وسلامة موسى، وشاكر، وشاكر الآخر، والحكيم، وكنفاني، وقباني، وأمين، والجندي، ومندور، وقطب، ومحمود، وكامل، وزيادة، والرافعي، والقصيمي، وناجي، وآخرينَ، وافرينَ، في كلّ شيء، ثم يبارح الموكب هذا الحياة أجمع، ليترك الساحة، والأمر، للمثقف المؤمن بالرسمية، أو الممتهن للعزلة، الأول مشغول بتذكرة المؤتمر، والآخر مهموم، باكتشاف رفقته، يتوه الجيل الآتي عقب النفي هذا. يصبح مدمنا للتاريخ، والكائنيّة السابقة، الممضّة ماضويّةً، أكثر مما يصنع بالنسبة لحاصره / حاضره، واللحظة الساقطة.

يتحدث بصيغة ماضيه. يخافُ، يخجلُ، أو لا يجد ما يصلح للحديث عن مضارعه. دراساته، بحوثه، أقاويله، مفاخره، انتماءاته، وغالب أمره، تتمركز حول ما قد مضى. كمن يقرأ نشرة صحيفة الأحدِ، يوم الثلاثاء.

بائسة تلك الصباحات التي تعتاد السؤال عن راحليها. التعزيةَ فيهم. تخاف من كلّ مهاتفة: من ترى رحل. ومن ترى بقي. يتجذر معسكر التافهين في العالم. يكبر. يتكاثر. ويعلو صخبه.

كما طوارئ مشفى ينتظر وصول مرضاه المزمنين، متأكداًَ أنّهم سيأتون. لا يعرف من سيصل أولاً بل يعرف أن آخراً وأخيراً سيجيء، يبدو هذا العالم. لا يرتب جدول استقبال مهيب أو محسوب، لفرطها. تكثر سرادقات العزاء. تقلّ منصات التتويج. نصب الراحلين في مفارق المدن، تزاحم شواهدهم في المقابر الغريبة.

كلما غاب رمز، سنحت فرصة لادّعاء، لترميز ما لا يستحقّ. تصاريح مرور نحو نجومية تشبه ‘التمثيل’، أو هيَ هو. ينمو الزيف، يشبّ بقوة، تصبح المنابر مشاعة لأيّ صاعد. أضحى كل شيء سريعاً. من وجبة الطعام، المجاورة لشقة تمنح شهادةً عليا، إلى جنازة الرمز. لا أحد يتأخّر. يتدهور العالم أكثر مما يفعل من قبل. قبل تسعة عقود يكتب شبلنجر، عن تدهور الحضارة الغربية، ماذا يكتب الآن إذاً؟ لا حرب عالمية واحدة تعصف بالعالم بل حروباً تتلو حروباً. تحوّل الكيف كمّاً، والدخول إدباراً، والتقهقر حالاً عاماً، هو الأصل، والبدء والمنتهى.

يستنقع العالم في أخطائه دون وجود الرمز، لا ينتفض. يدمن المرور الصامت. اللاسؤال. يصبح الجهل اعتياداً ومفخرةً، والعلم، نشازاً ومقبرة.

ينادي تشارلز سيميك، المتوّج شاعر امريكا، لعام 2007، يخاطب من بقي قائلاً: ‘هذا زمان الشعراء الصغار مقبلٌ. مع السلامة يا ويتمان، ويا ديكنسن، ويا فروست. ومرحبا بكم يا من لن تتردد أسماؤكم خارج نطاق أسركم الصغيرة، اللهم إلا إذا تجاوزته إلى واحد أو اثنين من أقرب الأصدقاء الذين يتجمعون بعد العشاء على إبريق نبيذ أحمر قوي. بينما الأولاد ينعسون متذمرين من الضوضاء التي تحدثها وأنت تنبش في الخزانات باحثا عن قصائدك القديمة، خائفا أن تكون زوجتك رمتها مع مخلفات الربيع الماضي. الجليد يسقط، هكذا يقول واحدٌ حانت منه نظرة إلى الليل المعتم، ثم يلتفت هو الآخر إليك وأنت تتهيأ كي تقرأ بطريقة شبه مسرحية، وبوجه آخذٍ في الاحمرار، مطوَّلَتك الغرامية التي لا تعرف أن آخر مقطع فيها، ضائعٌ، ولا أمل في العثور عليه’. يفكّر العالم اليوم: كيف يجيء، بعد إذ أضحى كلّ فعله رحيل. تصنع دعاياته رموزاً أحياناً. دون أن تستشعر أنّ ذلك يقمع آخرينَ أولى بهذا المكان. آن موتهم يكتشف العالم كم كان ضحلاً، وخاوياً، ولا بديل لديه. تصنع الميديا النجمَ، من لاعب الكرةِ / القدم إلى لاعب الفكرة / العقل. يوماً، يعتزل لاعب الكرةِ مجهولاً، ويموت لاعب العقلِ أيضاً. في الكرةِ لا مجيء لغير المستحقّ. في ملعب العقل، ثمة تكمن الكارثة: السلطة والمال والبروباغندا والمحسوبية والقبيلة. يجيء من لا يستحقّ. يرحل من له الأولويّة. لا يكتشف العالم هذا، إلا إثر الرحيل.

من ستكون له الجرأة اليومَ، ليدلّل في السوق المحليّة السعوديّة مثلاً، على ثلاثة رموز معرفية ثقافيّة، أو أربعةٍ، إثر رحيل ‘القصيبي’ ـ مثلاً -، ويستطيع أن يبرهن، ويراهن على جودة اختياره إن وجد. تفتح فمك للدهشة، حين لا تجد سوى أرباب المنصب الثقافيّ، ودكات المؤتمرات الذهبيّة، وتذاكر الدرجة الأولى. وتغصّ حين تبصر العمامة الصوريّة المنشاة، أكثر لمعاناً، من المنجزِ المعرفيّ الذابل.

ثمة ترميز يجري. قد يفوز به أحد ما. وقد يخسره حقيقٌ به. يبصر ‘المرمّز’ نفسه في الشاشة أكثر مما يبصرها في الأرض. تطالعه الجرائد بهِ، أكثر مما تطالعه مرآة. في نفسه، يعلم أنّ ترميزه مما تقتضيه دوافع المرحلة، وأنّ أي تحقّق معرفيّ، يكشف بداهةَ كون هذا ‘المرمّز’ ميتاً منذ عقود، وأن الذي تغيّر فحسب: صورة نعيه، بدلاً من مقالته، القائمة في نفس العمود، من نفس الصحيفة، لثلاثين عاماً.

يفتّش المجتمع الآن عن رمز. والآن، قد لا يجد. ليس لكونه ضحلاً، وخاوياً، ولا شيءَ لديه، قدرَ ما هوَ، لعوامل السوق/ التعرية، ومتطلبات العرض والطلب.’ كاتب من السعودية [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية