قصي اللبديربما هي الرهبة من اللغة، أو رهابها، والرغبة الحاكمة في محاذاتها، ما حاد به عن طريق القصة القصيرة، والمقالة الساخرة، إلى الشعر. حدث ذلك متأخرا، فقد عرفه قليل من أصدقائه، طوال سنوات، قاصا منشغلا بكتابة مشاهد وأخبار من الحياة، يشتبك فيها الهمّ اللغوي بالهمّ الإنساني اشتباكا عاصرا. وأثناء ذلك، كان اكتشاف مفردة جديدة في تاج العروس، أو القاموس المحيط، أو غيرهما من أمهات الكتب، مناسبة للاحتفال والاستطراد في الحكي. ولعلّ هذا تحديدا ما جعله قاصا متلكئا، يستغرق وقتا طويلا قبل أن ينتهي من كتابة قصة قد لا يزيد عدد كلماتها على 200 كلمة، أقل أو أكثر بقليل. وفي الغالب، كان يذهب الى قصة ثانية، أو ثالثة، قبل أن يفرغ تماما مما هو عاكف على كتابته، لأن هناك مفردة ما لم تملأ مكانها، أو تثبت فيه تماما. والى جانب اشتغاله القصصي هذا، عرفه كثيرون من قراء صحيفة. الوطن القطرية، تحديدا، كاتبا ساخرا. هذا الضرب النادر والشاق من ضروب الأدب، الذي يتطلب ثقل دم هائلا في الحياة، حتى يكون جديرا برشاقته في الكتابة.المفاجىء، بالنسبة إليّ، وإلى ذلك العدد القليل من أصدقائه، أن يخرج من دائرة التهكم، الذي لم تتعاف منه حتى قصصه القصيرة تلك، الى دائرة الألم مباشرة، أي الشعر، بخفة متناهية، وأن يستخرج من اللغة التي لم ينزل في كثير مما كتبه من مقالات، عن وصفها بالجحود والعنصرية، والغباء أحيانا، ما يشبه لغة أخرى، بكرا، تنعكس حروفها في عين القارئ، تاركة في زاويتيها البعيدتين ذلك السطوع الأليف، والموحي.ذلك هو الشاعر الأردني محمد هديب، الذي أصدر أخيرا ديوانه الشعري الأول ‘على سرعة 40’ عن دار فضاءات للنشر في عمان.ولدت تجربة هديب الشعرية بعد تجاوزه سن الخامسة والأربعين، كما أرادها بالضبط: بيضاء بلا ندم، متجاوزة القلق الذي تختبره المجموعات الشعرية الأولى عادة، ومطلة إطلالة عميقة على تفاصيل كثيرة في الحياة لم نكن لنلتفت إليها، ربما، من قبل.وإذا كان صحيحا أن جودة النص المكتوب، هي المعيار الوحيد المقبول للإجابة عن سؤال يرتاب في قدرة القاص ـ أي قاص ـ على كتابة قصيدة ما، أو رسم لوحة تشكيلية مثلا، فلن أتردد في القول إن هذه التجربة تعزز خيار الموهبة، أيا كان شكل القالب الذي قررت أن تضع فيه صوتها وصورتها، فأنت لا تجد في ديوانه هذا، تعبيرا واحدا من تلك التي جرى عليها السمع. لا تجد سوى توقيعات عميقة، صافية، تتحرك في مداراتها الشعرية، جائبة نواحيها بحيوية لافتة، كأنها أي العبارات جذاذات مختلفة الحجم، من لوحة عن الطبيعة.وتبدو توقيعاته أشبه بسلسلة متصلة من الإشارات إلى موهبته، وقدرته على التفلت مما هو عام، بكل ما فيه من ضجيج وسطوة، والنفاذ الى ما هو خاص، هناك حيث يمكن المرء أن يسمع صوت نفسه وأنفاسه، فقط:كيف لم أنتبه’أخي جاوز الظالمون المدى’تضجُّ بالطبول التييقودها نايأول ما يلفت، عندما تقع عين القارىء على غلاف الديوان، هو عنوانه الذي أوحى لي شخصيا، في بداية الأمر، أن وراءه استطرادا لمزاج صاحبها، الساخر من كل شيء تقريبا. لكنني وقعت على هذه التجربة الجديدة جدة كل شيء فيها.والحق أن المرء يحتاج الى كثير من الشجاعة حتى يصدر ديوانه بعنوان كهذا، لأن فيه تضحية غير معهودة بالصورة المعهودة للشاعر. وأقصد بـ ‘الصورة’ ذلك النزوع الساذج أحيانا الى اللغة الرومانتيكية، حيث يبدو الشاعر يائسا، ووحيدا تماما في مواجهة العالم.’على سرعة 40′ يعني أن الديوان مكتوب ببطء. ولكن الشاعر يستخدم كلمة سرعة، للدلالة على المعنى النقيض. هذه المراوحة، أو هذا التشابك، بين المعنيين (السرعة/ البطء) هو نمط الشعر الذي يختار هديب كتابته، الشعر الذي لا يطرح نفسه إلا من وراء حجاب، مجردا من زينته اللغوية، وتراكيبه البيانية، ومعتمدا على سلاسة لفظية بالغة الأناقة، بقدر ما هي خادعة.يأتي الشعر، هنا، مصحوبا بصوت أنفاس صاحبه وحده، من دون أي نوع من الموسيقى.. سوى ذلك الرنين الخافت الذي يتخلف عن المفردات نفسها، لأن الموسيقى الشعرية التي يريدها هديب، هي ما تشتمل عليه قصيدته من أصوات ناجمة عن الحركة التي تكتنفها المفردة نفسها. سيتعين عليك، عزيزي القارىء، إذن، ألا تعزل الكلمة عن صوتها حين تقرأها، وألا تنظر الى الصورة الشعرية كما تنظر الى مسطح فوتغرافي صامت. وعلى ذلك، ستستدعي كلمة صهيل، مثلا، استحضار ذلك الشهيق المتلون، الذي يخرج من معدة الحصان، مثل كتلة هوائية حارة، دافعا أوتاره الصوتية بقوة إلى مستوى الحلق:أيُّنا أطلق هذه الكذبة؟لا يهم ما دامت الطريق لنامرحةً مثلَ أطفالٍ أطلقهم جرسُ المدرسة.وقد تسمعه في مقطوعة مختلفة يزاوج بين آلتين موسيقيتين، أو بين الصوت غير المسموع لحشرة تزحف داخل الثمرة، وصوت استدارة المفتاح في الباب، جامعا خيوط موسيقاه من مفردات عالمه الذي يعيش فيه. وفي مقاطع أخرى، تغيب المفردات الصائتة تماما، فلا يكون هناك سوى صوت الشاعر فقط:سأقطف لك زهرًا بنفسجيًا إذا بقيت حِملانُ السماء عاقلةوتأخذ لعبة الصوت والصمت هذه مداها الأبعد، في قصيدة قصيرة، يتوقف فيها متسائلا، ومسائلا: يا مذيعَ نشرةِ الصمّ والبُكمأعِد لي بربّككيف ترسُمها كلمةَ: شبّيح!إن عين الكاتب الساخر، التي تلاحظ المفارقات من حولنا، وتعيد تقديمها في قالب فكه، هي ذاتها عين الشاعر القادرة على الدخول الى مناطق الألم مباشرة، والحفر عميقا فيها. لكن الدربة وحدها هي ما يتيح للمرء أن يسخر في هذا المقطع ويتألم في مقطع آخر:هذا النهار نهاركم يا أهليلتجمعوا الكمأوأنا اليوم لن أهجم معكمسأرعى ماشيتناوأتحسس سرًّا يدق ترائبي.وحدي أعرف ماذا يعني أن تمرض الشمسهذه القصيدة المفتوحة على النهار مباشرة، القادرة على استضافة مفردات الحياة وأشيائه وأصواته وشخوصه كلها، ورعايتها بمرح وخفة احتفاليين، من دون احتكام الى مرجعية أو معيار، سوى أصالة الشعر نفسه، هي أكثر ما يميز تجربة هديب الأولى، التي تفيد من خبرته القصصية، وعينه اللاقطة:الحب: حب الحياة التي تنمو حول إصابة قديمة.سأنتحي مكانًا غير بعيدوأعشّب ثيابيثيابي الخضراءبكسورها البنّية بزركشة البنفسجبحمرة الشقائقبكسورها السوداءبالجبيرة البيضاءعلى قلبي