على عتبة حياة جديدة باردة

حجم الخط
0

هما امرأتان تضمّهما غرفة صغيرة واحدة في البلد الذي حلّتا فيه لاجئتين. بلا معرفة سابقة بينهما، كان عليهما أن تعيشا معا في الحيز الضيق الذي لا يتسع لسريريهما، إلا إن وُضعا في جانب واحد، وأحدهما فوق الآخر. وهما مختلفتان، إحداهما شهيناز، جاءت مثقلة بتجارب عاشتها مع رجال كثيرين لا تكاد تستذكر ملامحهم، ومن علاقة غرامية شاذة وداعرة مع ضابط مخابرات عالي الرتبة والنفوذ. الأخرى راوية، تكاد تكون بلا ماضٍ، حيث لم يبق في ذاكرتها عن البلد الذي قدمت منه إلا أمّها، هذه التي ما زالت حاضرة في حياتها، حتى بعد أن صارت هناك، في البلد البارد.
لا يجمع بين المرأتين اللاجئتين، بحكم إقامتهما المشتركة، إلا القليل، الذي هو أن تزجّج الثانية حاجبيْ الأولى، وأن تتبادلا كلمات قليلة في أوقات ما بين الصحو والنوم. ذاك أنهما، حتى في ذلك، مختلفتان، تنام إحداهما حين تصحو الأخرى. لهذا لا شيء يحدث في الغرفة، لا تبدّلان فيها رتابة عيشهما ولا تنتظران زيارة من أحد.
كما أنهما لا تخرجان معا في تلك المدينة الباردة المثلجة، ولا تبتعد إحداهما كثيرا عن المبنى الذي تقع فيه غرفتهما، رغم أن لديهما وقتا كثيرا لإزهاقه. فلشهيناز مثلا، فائض من الوقت لتستفيض في وصف الغزال المصنوع من الشرائط المعدنية، الذي صنعت سيقانه من لفائف الشرائط. هو غزال الاحتفال بالميلاد وبمقدم السنة الجديدة، في الشارع الذي يقع فيه مبنى لجوئهما. لن تتعدّى وقائع الرواية اليوم الواحد، فهي تبدأ مع وصف الاستعداد للاحتفال بذلك العيد، احتفال الآخرين طبعا، وتنتهي صبيحة انقضائه. يوم واحد فقط هو المدى الزمني للرواية، يوم ينبغي أن يكون فاصلا، أو أن يوصل المرأتين، أو إحداهما، إلى عيش مختلف، لا لشيء إلا لثقله المفترض في شَقّ الزمن إلى نصفين: نصف سيولّي ونصف سيبدأ.

الروائية نغم حيدر ذهبت نحو ما هو أعقد، لم تشأ أن تقف كثيرا عند القوارب المطاطية حاملة المهاجرين إلى أوروبا، تلك التي طغى حضورها في الإعلام والأدب على السواء

حتى في استعادة كل من المرأتين للماضي، لا تحمل الرواية وقائع كثيرة لقارئيها. فكما في تفاصيل وصف الغزالة وتأملها ستجري استعادة الماضي الذي خلفّته المرأتان في بلدهما. ذاك أن الأثر الذي تتركه الحوادث، ومنها مثلا ما كان يجري بين شهيناز وذاك الضابط، يُكتفى من تفصيله بأقل القليل. لكن ذلك بدا كافيا لرسم العلاقة كاملة، ثم إن هذه العلاقة السادية (من جانبه) والمازوشية (من جانبها)، لن تفوق أهميتها، في سياق الرواية، أهمية وقائع هامشية لكنها دقيقة، تجري بين المرأتين، كما لا تفوق الوصف التخيّلي الرائع للغزال في أولى الصفحات.
المهم أيضا أننا، مع الروائية نغم حيدر، لن نستعيد من جديد ما سبق أن رُسمت به شخصية ضابط المخابرات، على الرغم من أن قتيبة، وهذا اسمه، وُصف وهو يقوم بالتعذيب والركل، بل إنه أجرى التعذيب الانتقامي هذه المرة، على شهيناز خليلته. إنه أكثر تعقدا من نموذجه، الشائع في السياسة كما في الأدب، وإذ تأتي شهيناز إلى استعادة ما كان بينها وبينه، في بلد لجوئها، نقرأ ملامح من رجال عديدين تجمعت في هذه الشخصية الواحدة. ما زالت تحبه، وتنتظر اللقاء به مرة أخرى لتستأنف معه العلاقة الصعبة والمعذِّبة. على الرغم من أن الزمن الراهن، السياسي كما الروائي، هو زمن النمذجة والإصرار على إبقاء البشر ملتزمين أدوارهم المعروفة، بل ومضخّمينها. الروائية نغم حيدر ذهبت نحو ما هو أعقد، لم تشأ أن تقف كثيرا عند القوارب المطاطية حاملة المهاجرين إلى أوروبا، تلك التي طغى حضورها في الإعلام والأدب على السواء، ولم تُعِد علينا مشاهد الخراب والقتل، تلك التي سارع كثيرون إلى استعارة قوتها وجاذبيتها. لقد أدركت أن الإطناب في ذلك سيؤدي إلى إفقاد عملها بنيته وسلاسة مساره، وأن روايتها معنية أولا بالمرأتين اللتين لا تنتظران شيئا كثيرا من حياتهما الجديدة. تلك المحطة الفاصلة، المحطة الثانية المتمثلة بحصول كل منهما على إذن الإقامة، لم تدفعهما إلى تخيل كيف ستكون عليه حياتهما، كأن لم تفرحا، أو كأن البلد البارد سيظل باردا حيالهما. ليس ما تتميز به رواية نغم حيدر أدبيتها وشعريتها وحسب، بل بنائيتها التي جعلت قراءتها أقرب إلى قراءة نص أدبي مشعّ.
*رواية نغم حيدر «أعياد الشتاء» هي الثانية بعد عملها الأول «مرّة» الذي صدر في 2014 وكان ثمرة مشاركتها في محترف الروائية نجوى بركات. الرواية الجديدة صدرت عن «دار نوفل» في 138 صفحة- 2018.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية