مالم يبح به زهير النوبانيد. احمد عرفات الضاويسعدت كثيرا واستمتعت وأنا أشاهد بوح زهير النوباني الفنان الأردني المبدع على فضائية رؤيا ، وأسعدني كثيرا الأدب الجم الذي تميزت به الأكاديمية الكاتبة لانا مامكج ، حيث تنازلت عن مساحتها ليبوح زهير النوباني بكل ما يريد ، فقد أدركت بذكاء بالغ ووعي استثنائي أن بوح النوباني يحتاج مساحة واسعة فتركته يقول مايشاء وكانت في تلك اللحظات تتمتع بشفافية المبدع ووعي الأكاديمي ، فلم يؤرقها ما يؤرق الأخريات من الإمساك بدفة الحوار لأنها التقطت وجع النوباني واستثمرت تدفقه ليبوح ويبوح ، وهذذا ليس غريبا من الدكتورة لانا ، فهكذا عرفتها عندما كنت أشاركها زاوية أوراق في جريدة الرأي الأردنية في الثمانينات وردح من التسعينات ، عرفتها شفافة واعية راقية مما كانت تكتب ، على الرغم من أني لم أقابلها وجها لوجه طوال حياتي.استعرض النوباني أيام الزمن الجميل للفن في الأردن بحميمية عالية ، وأنثى على رموز ذلك الزمن من أصحاب القرار وأهل الفن ، ولكنه انقبض فجأة عندما استذكر فترة التسعيات من القرن الماضي ، حيث اختصر بكلمات قليلة المنغصات والمعوقات التي أدت إلى تراجع الحركة الفنية في الأردن بعد أن كانت تمسك بمبادرة الريادة وتستوعب الإبداع الوافد م الشام ومصر ، اختصر النوباني السبب بكلمة واحدة هي الجهل ، ولكن جهل من ؟يبدو أن النوباني الكبير دائما لم يشأ أن يدخل في متاهة الأسماء والاتهامات ، لأنه بالتأكيد يعلم أن الخوض في التسعينات ورموزها وأصحاب القرارفي أثنائها ، سيفتح عليه أبواب جهنم ، لأن تلك الرموز ، مازالت في الواجهة تمارس الأذى ، وبعضها مازال في الكواليس يستحوذ على القرار المتعلق بالشأن الثقافي ، وبما أن النوباني عاقل (يريد عنبا ولا يريد التصادم مع الناطور ) فقد عذرته لأن مهمته أن تمضي قافلة الثقافة والفن نحو التميز لا أن يفتح جبهة مع رموز جاهلة كما وصفها في هذا اللقاء.التسعينات وما أدراك مالتسعينات ، سنوات عجاف ياسيدي النوباني وياسيدتي لانا ، ليست على الفن فقط وإنما على الثقافة عموما ، وعلى الأداء الأكاديمي ، مرحلة بائسة من مسيرة الأردن التنموية ، ولو أتيحت الفرصة لبوح جماعي من الفنانين والمثقفين والأكاديميين عن هذه المرحلة في الأردن ،لأحدث ذلك صدمة لكل المهتمين بهذا الشأن ، ففي هذه المرحلة بدأ مستوى الأداء الأكاديمي للجامعات الأردنية بدأت بالتراجع ، وبدأت مشاكل الطلبة في التصاعد ، وشهدت المرحلة ظاهرة العلامات التي تعطى للطالب على الهوية ، كما شهدت المرحلة نفسها احتجاجات لحملة الدكتوراة الممنوعين من العمل بقرار من الجهلة الذين ذكرهم زهير النوباني ، واستبعد جيش من الأكاديميين وحملة الكتوراة الأردنيين من العمل في الجامعات وتمت الاستعانة بوافدين عرب ، كانت الأردن بالنسبة إليهم محطة عابرة ، وفي التسعينات اضطهدت الأقلام المبادرة ، وحوربت في الكواليس لأنها قالت آنذاك ما قاله النوباني اليوم على فضائية رؤيا .في التسعيات كان الوزير يقول كلمته ويأخذ قراره صباحا ويلحسه مساء ، كان وزراء مرحلة الجهلة التي تحدث عنها النوباني، هي مرحلة الأقنعة التي اكتشفها الشاعر الذي أحبه كثيرا حبيب الزيودي (بناء على ما كتبه في موقع عمون) ، ولكه اكتشفها متأخرا ، وغيره ذاق مرارة التحولات والأقعة والاستبعاد والأضطهاد مبكرا ، كان كثيرون من الأنقياء في مرحلة التسعينات ، يدفعون ثمن هذا الجهل وليس الفنانون وحدهم ، ومن هؤلاء الأنقياء من حمل على ظهره هم الفن والفناين من كتاب الأردن ودفعوا في سبيل ذلك ثمنا غاليا ، وأنا أحيل السيدة لانا والسيد النوباني إلى أرشيف الصحف الأردنية في تلك المرحلة ، ليعرفوا من قاتل من أجل الفن والثقافة ، وغاب عن الساحة الثقافية فجأة بقرار من الجهلة الذين أشار إليهم النوباني ، سيعرفوا من استوقفه وجع الفنانين الذين أعطوا الأردن خلاصة فنهم وزهرة شبابهم ، دفعوا الجزية في شبابهم وألقي بهم على قارعة الطريق عد عجزهم ( مثل أديب الحافظ وربيع شهاب والقائمة تطول ) وليس صايمة فقط ياسيدي النوباني ، أنا لاألومك لأنك لا تملك المساحة الكافية ولا السقف الملائم للبوح بما يستحق البوح ، ولعل هناك من يؤرخ لهذه المرحلة ليضع النقاط على الحروف ويضع الجهلة الذين قصدتهم في المقابلة المكثفة الرائعة على قناة رؤيا الفضائية يوم السبت الموافق 8- 9-2012 في قائمة؛ ليعرف الأردنيون من الذي أجهض التنمية وعمل على وأدها فنيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا ، أعتقد أن زهير النوباني يعرف الملامح والرموز الجاهلة لتلك المرحلة وربما عانى منها ، ولكن الذي لا يعلمه أن هناك من عانى ودفع الثمن اضطهادا وظلما وانسحب من المشهد مكرها لأن الأقنعة الكثيرة لم تتح لهم الفرز المبكر لتلك الرموز، ولم يملكوا آنذاك أدوات المواجهة الديمقراطية فالبلد كله كان في جيوبهم ، ولعل السيدة الدكتورة لانا لم تجرب هذا الوجع فقد كان اهتمامها بالشأن الاجتماعي على صفحات الرأي أكثر من أي شيء آخر فلم يقف في طريقها الجهلة من أصحاب القرار . وأخيرا أستمطر الرحمة على روح المرحوم محمود الكايد(أبو عزمي) الذي منحنا قبل التسعينات سقفا عاليا من الحرية في الكتابة على صفحات الرأى ، ورحل عن الرأي ليدعنا لمصير قاتم مجهول؛ ولرموز جاهلة أشار الأستاذ زهير النوباني إلى نموذج منها أوقف مسرحية من أروع المسرحيات التى حققت نجاحا مذهلا ، ولعل هذا النموذج يمثل المرحلة التي اتسمت بكل أشكال الصلف والكبر وكراهية الخير والحرية والجمال .كاتب من الاردن