القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يحقق أي فنان الشهرة التي حققها تشارلي شابلن، فالعالم كله يعرفه، وما زال يشاهد أفلامه وينبهر بها رغم أن معظمها ينتمي إلى السينما الصامتة، إلا أنه نجح من خلال شخصية الصعلوك التي ابتكرها أن يصبح فنانا عالميا كما كان يقول على نفسه دائما، حتى انه رفض الجنسية الأمريكية.
لكن العالم يعرف تشارلي شابلن الفنان، ولا يدرك الكثيرون أن هذا الفنان كانت لديه حياة شاقة وصاخبة ومواقف إنسانية صنعت هذا الصعلوك، وهذا هو ما كشفه عرض «تشارلي» الذي يعرض كل يوم جمعة على مسرح أركان بلازا.
المتابع لأفلام تشارلي سيدرك فلسفته، التي كشف عنها بشكل مباشر في مذكراته التي كتبها قبل وفاته، وتمكن العرض من فهم هذه الفلسفة، ولم يهتم بالسرد التقليدي لمراحل حياته، فتشارلي لم يكن فنانا تقليديا يبحث عن النجاح والشهرة، ولكنه كان عاشقا للفن والإنسانية فاستخدم فنه في خدمة قضايا الإنسان، بشكل عام دون التركيز على مجتمع معين، بل اهتم بالإنسانية، في كل زمان ومكان، وهو ما نجح صناع عرض «تشارلي» في التعبير عنه، بداية من فكرة محمد فهيم، وأحمد البوهي، والكتابة والأشعار للشاعر والكاتب الكبير مدحت العدل. ولأن العدل ليس كاتبا وشاعرا موهوبا فقط، ولكنه مثقف ومهموم، ويمتلك وجهة نظر ورؤية للعالم، فقد نفذ إلى فلسفة تشارلي شابلن ونظرته للحياة والفن، وتمكن من التعبير عنها بكتابة رشيقة وبسيطة لكنها عميقة تشبه تماما تشارلي شابلن، ذلك الصعلوك الحكيم المبدع، ولابد من توجيه التحية للشركة المنتجة للعمل التي أقدمت على التجربة في مغامرة غير مضمونة، ولكنها محسوبة، نجحت في أن تضيف للمسرح المصري عرضا موسيقيا استعراضيا متميزا، بعد أن افتقدنا هذه النوعية منذ فترة طويلة.
ركز العرض على عدة عوامل مؤثرة في حياة تشارلي أهمها علاقته بأمه التي كان مرتبطا بها، وكان لها تأثير كبير على مسيرته، فهي التي اكتشف من خلالها عالم الفن الساحر، وكانت ملهمته في كثير من الأحيان حتى بعد وفاتها، وقد تم رسم الشخصية في النص بنعومة، ونجحت نور قدري في تجسيد الشخصية، لنشعر من خلال أدائها انها قادمة من عالم الأحلام، ساعدت في ذلك الموسيقى والاستعراضات والملابس التي صممتها ريم العدل، التي كان لتصميماتها الدور الكبير في نجاح العرض، من خلال ملابس ملائمة لكل شخصية وللعصر الذي يدور فيه العرض. كذلك تميز الديكور بالبساطة وسهولة الفك والتركيب، والتغيير ليساهم في انسيابية العرض وعدم الاضطرار للتوقف لتغيير الديكور، وهو أمر ليس جديدا على المبدع حازم شبل.
كما عرضت المسرحية لعلاقة تشارلي بشقيقه سيدني شابلن، الداعم والسند له دائما، وقدم دور شقيقه الممثل الموهوب عماد اسماعيل، كما تعرض لعلاقة تشارلي بأونا حبيبته التي كانت تصغره بعشرين عاما لكنها أحبته ومنحته السعادة طيلة فترة زواجهما حتى وفاته، وكذلك التحول من السينما الصامتة إلى السينما الناطقة، وتأثيرها على سينما تشارلي وجماهيريته.
أما العلاقة الأخطر في حياة تشارلي فكانت مع السلطة، فقد تبنى طيلة مسيرته الفنية، موقف الإنسان البسيط ولم يتبن موقف السلطة، ذلك أن الفنان الحقيقي دائما يطمح لحياة أفضل للإنسان ويبحث عن العدل والحياة الكريمة لكل البشرية، وهو ما شغل تشارلي في كل أفلامه تقريبا، بداية من فيلم «Making a Livining» أو «كسب العيش» حتى آخر أفلامه، واختار صناع العرض استعراض بعض المشاهد المعبرة من أهم أفلامه، ونجحوا في إعادة تجسيدها، مثل استعراض «الزمن الحديث» ومشهد لهو هتلر بالكرة الأرضية من فيلم «الديكتاتور العظيم».
توحد الجمهور مع العرض
اعتمد الملحن ايهاب عبد الواحد على المزج بين موسيقى مستوحاة من أفلام شارلي شابلن وعالمه السينمائي، وبين موسيقى تصويرية درامية ملائمة لأحداث العرض، وكان المزج سلسلا متناغما فلم نشعر بأي تنافر، بل على العكس، جاءت متناغمة تماما مع شخصية تشارلي، وساعدت في توحد الجمهور مع العرض، كذلك كانت استعراضات عمرو باتريك، معبرة ومستوحاة باستيعاب من أفلام تشابلن، ونجح الراقصون والممثلون في تنفيذها، بدقة وفهم، وكان محمد فهيم مبهرا في أداء شخصية تشارلي، تمثيلا ورقصا وغناء، ليقدم نموذجا للفنان الشامل، ولم يقع في فخ التقليد، بل تعايش مع الشخصية بأحلامها وطموحاتها وكأنه استدعى روح تشابلن ليعود متجسدا على المسرح من خلال هذا العرض البديع.
ولأن المخرج محمد البوهي متحمس لتشارلي وكان صاحب الفكرة مع فهيم، فقد قدم العمل بما يتناسب مع طبيعة شارلي شابلن فنجح في رسم لوحات فنية رائعة، نجحت في التعبير عن النص، واستطاع الممثلون والراقصون تنفيذها بمهارة واتقان، يعكسان عدم الاستسهال، والحرص على تقديم عرض متميز من خلال البروفات المكثفة والتحضير الجيد.
كشف العرض عن مواقف تشارلي شابلن التي عرضته للتنكيل من رجال الحكم، الذين رمز لهم بـ «رئيس اف بي آي» الذي جسده أيمن الشيوي ونجح في التعبير عن شخصية الديكتاتور الكاره للفن، الخادم للرأسمالية المتوحشة، من خلال نبرة صوته واستخدام لغة جسده، وكان ملائما جدا الشخصية.
أبرز العرض استعداد تشارلي الدائم لدفع ثمن مواقفه، وهو ما حدث من خلال استدعائه للتحقيق، ثم تشويه سمعته باستخدام الإعلام التابع للسلطة الذي ينفذ أوامرها، ونجح المخرج في التعبير عنها في مشهد رائع، باستخدام أيمن الشيوي، خيوط تحريك عرائس الماريونات لتحريك الإعلام، «ممثلا في الصحفية التي جسدتها داليا الجندي» كما يحدث في كل الديكتاتوريات الكبرى التي ناهضها تشارلي من خلال أفلامه الساخرة، وخاصة فيلم «الديكتاتور العظيم» التي ناهض فيها فكرة الحرب، وكشف جنون هتلر وطموحه لحكم العالم على دم البشر، وتمكن مدحت العدل من تلخيص فلسفة تشارلي في مشهد الخطبة وبرع فهيم في أدائها حيث يقول في فقرة منها:
«إليكم عهدي وكلامي ونوري وكمان دستوري. تتساوى كل الأديان. تتآخى كل شعوب الأرض ضد الطغيان، تتوحد كل البشرية، ولا يبقى في الأرض جعان. الكل يحارب في الطغيان، اللقمة والهدمة والنسمة حق القادر والغلبان. كلنا نتجمع ضد الحرب، ضد هلاك الأوطان المستقبل للأطفال. المستقبل للعالم. المستقبل للإنسان».
وفي عام 1952 وأثناء سفر تشارلي إلى إنكلترا لحضور العرض الأول لفيلمه «أضواء المسرح» علم أنه تم منعه من الدخول إلى الولايات المتحدة مرة أخرى، عقابا على مواقفه ضد الظلم.
ولكن تشارلي انتصر في النهاية حيث ينتهي العرض بفوز شابلن بجائزة أوسكار الفخرية عام 1972 عن مجمل أعماله، ومشواره الفني الكبير، وفي الختام وجه العرض تحية للسينما باستعراض «في السيما» الذي يمجد السينما ويقول فيه: «في السيما عارفين في السيما بيحصل إيه؟ سحر وإلهام. لو إسمك عالتيترات بتبقى ضمنت خلود في السيما». حقا أنها السينما التي خلدت اسم تشارلي شابلن وأعماله لتتوارثها الأجيال ويعرفون قدر هذا الفنان العظيم.