أوري افنيري رجل كثير الحقوق في معسكر السلام الاسرائيلي. فقبل أن يعرف المعسكر بأنه كذلك كان افنيري هناك ليحدد خطا قيميا وضميريا كفيلا بأن يؤدي بالصهيونية إلى شاطيء الأمان حيث دولة قومية يهودية تسكن إلى جانب دولة قومية فلسطينية وتعيش بسلام مع المجال العربي.
أما الآن فهو يسعى إلى أن يشير لميرتس ومؤيديه، انطلاقا من الاحترام الشديد والحذر، مشورة تدعي أنها براغماتية. ففي مقاله الاسبوع الماضي يدعي بأن على ميرتس أن يرتبط بالقائمة المشتركة للعمل والحركة، إلى جانب يوجد مستقبل ولاحقا مع «كلنا» لموشيه كحلون.
يعتقد افنيري بأن مثل هذه القائمة كفيلة بأن تعيد معسكر الوسط – اليسار إلى الحكم. أما أنا فأختلف معه، سواء على المستوى السياسي البراغماتي للغاية، وبالاساس على المستوى القيمي – الديمقراطي. فاقتراحه ليس فقط سيضر معسكر الوسط – اليسار بل وسيمس ايضا بفرص اعادة اسرائيل إلى مسار السلام والعدالة الاجتماعية.
لنبدأ بالمستوى البراغماتي: الهدف هو بلورة ائتلاف يضم في عضويته 61 نائبا أو أكثر، من اجل اقامة حكومة جديدة بدون الليكود وبدون البيت اليهودي.
مثل هذا الائتلاف سيضم شركاء يكونوا مستعدين للعمل معا من اجل ابعاد اسرائيل عن التطرف اليميني والعنصرية واجراء تغيير في سلم الاولويات الاجتماعي والسياسي.
كي يقام مثل هذا الائتلاف ينبغي استنفاد كل صوت، والعرض على الناخب لسلسلة من البرامج التي يمكنه أن يصوت لها. ليس مؤكدا على الاطلاق بأن قائمة مشتركة، من ميرتس حتى لبيد وكحلون تحقق هذا الهدف، العكس هو الصحيح. هناك ناخبون كثيرون كفيلون بأن يصوتوا لتسيبي لفني، يئير لبيد أو لموشيه كحلون، ولكنهم لا يريدون أن يروا في القائمة نواب ميرتس، ذوي المواقف الواضحة في مواضيع السلام. هم مستعدون لأن يرتبطوا بهم في ائتلاف، ولكنهم لن يصوتوا لهم. ومن الجهة الاخرى هناك ناخبون يريدون أن يضمنوا لصوتهم أن يُسمع في الكنيست بشكل حاد وواضح في صالح سياسة اقتصادية عادلة، في صالح المساواة بين الجنسين، بين القوميتين وبين القطاعات الاخرى في المجتمع، ولا يثقون بلفني، لبيد أو كحلون بأن يُسمعوا هذا الصوت، ولهذا فانهم سيصوتون لميرتس.
في الغالب الوحدة لا تثبت نفسها. يكفي النظر إلى الوحدة بين الليكود واسرائيل بيتنا في الانتخابات الاخيرة كي نفهم بأن الكامل احيانا يكون اصغر من مجموع أجزائه. فضلا عن ذلك، ففي التسعينيات وبداية سنوات الالفين ثبت أن بالذات عندما جمع حزب العمل اصوات أكثر في الوسط، نجح ميرتس في أن يجمع اصوات أكثر في اليسار. وكلاهما صعدا معا وهبطا معا.
افنيري يكرر انتقادا معروفا على ميرتس وكأنه حزب «ميله الطبيعي هو الحفاظ على طهارته»، بمعنى الجلوس في موقف الناظر وعدم توسيخ يديه. أما الواقع فمختلف. ميرتس جلس في حكومة اسحق رابين ودعمه أتاح تمرير اتفاقات اوسلو، وحقق تغييرا في الموقف من عرب اسرائيل وأدى دورا مركزيا في الجهود لتقليص حجوم عدم المساواة.
لقد جلس ميرتس ي حكومة اهود باراك وهناك ساعد في دفع الخروج من لبنان إلى الأمام وحقق التقدم الكبير في الاتصالات نحو الاتفاق الاسرائيلي الفلسطيني والاسرائيلي السوري، وهذه فرص فوتت في نهاية المطاف. وكان وزراؤه من افضل الوزراء في هذه الحكومات، وجلس مع شاس والمفدال. ومن المعارضة تعاون مع حكومة اريئيل شارون كي تتمكن من تنفيذ فك الارتباط.
عندما قرر ميرتس ألا ينضم إلى أي حكومة لم يكن هذا أبدا لاعتبارات الطهارة أو لاعتبارات الراحة الائتلافية. في كل كنيست اسرائيلية في العقود الاخيرة لم يكن منافسا لنواب ميرتس في الاستعداد «لتوسيخ» الأيادي في المستنقع السياسي من اجل السلام والتغيير الاقتصادي – الاجتماعي. ويوجد لميرتس معيار واحد للدخول إلى الحكومة – احتمال حقيقي للتغيير. لا يوجد احتمال كهذا في حكومة برئاسة نتنياهو، ولهذا فان ميرتس هو الوحيد المستعد لأن يعلن منذ اليوم بأنه لن يجلس في مثل هذه الحكومة، ليس لأنه متحمس لأن يكون في المعارضة بل لأنه غير متحمس لأن يضلل مواطني اسرائيل.
يوجد حد لقدرة خلط الهويات الايديولوجية للاحزاب، دون أن تتحول إلى أداة فارغة، مجموعة من المرشحين التي ليس خلفهم سوى اسم وصورة الرئيس. في نظري، شعار الانتخابات القادمة لا يمكنه أن ينحصر بـ «فقط إلا بيبي»، هذا يجب أن يكون نتيجة الانتخابات.
على كتلة الوسط ـ اليسار أن تعرض بديلا لمواطني اسرائيل. وميرتس هو جهة هامة في هذه الكتلة وله دور هام كرمز لليسار. أما وحدة ميرتس مع العمل، الحركة ولبيد فلن تزيد الفرص لاقامة حكومة تحدد اتجاها جديدا لاسرائيل؛ والسير المنفصل لميرتس والاحزاب الاخرى سيفعل ذلك. علينا أن نضرب اليمين برأسين متوازيين.
هآرتس 30/12/2014
حاييم جومز أورون