على هامش تتويج الملك تشارلز الثالث: ما قصَّة التَّاج الذي يحمله وريث العرش البريطاني؟

تشهد جماهير بريطانيا والكومنويلث والعالم بكلّ أعراقها وألوانها وثقافاتها حدثا مميزا هذه الأيام يتمثل في تتويج الملك تشارلز الثالث الذي اعتلى كرسي العرش إثر وفاة والدته الملكة إليزابيث الثانية. فما الذي يعنيه التتويج الذي يُرتّب له ويتردد الحديث عنه هنا في المملكة المتحدة منذ أشهر طويلة؟ وكيف تتم مراسم التتويج يا ترى؟ وما حجم هذه الاحتفالات مقارنة باحتفالات تتويج الملكة إليزابيث الثانية في يوم 2 يونيو/حزيران 1953؟ وما قصة التاج الذي يرثه الملك الجديد من والدته الراحلة الملكة إليزابيث الثانية؟

مراسيم تتويج تقليدية

التتويج هو احتفال يتم من خلاله تنصيب الوريث الشرعي ملكًا على عرش المملكة بصفة رسمية. واحتفالات تتويج الملك تشارلز الثالث، في واقع الأمر، حدث رمزي باعتبار أنها تأتي بعد أشهر من توليه العرش إثر وفاة والدته إليزابيث الثانية في يوم 8 سبتمبر/أيلول 2022. تجري مراسم التتويج في وستمنستر أبي يوم 6 مايو/أيّار، بعد ثمانية أشهر من صعود الملك إلى العرش، يطبعها احتفال ديني رسمي بإشراف جاستن ويلبي، رئيس أساقفة كانتربري وكبير رجال الدين في إنكلترا. وفقًا للتقاليد، يشهد الحفل تعهد الملك أثناء قسم التتويج بأن يدافع عن العقيدة. لكن هذه المرة وإن كانت تقاليد التتويج مرتبطة بالدين المسيحي، فإنّه يُتوقع إجراء تعديل في القسم بإضافة كلمات تعكس التنوع العرقي المعروف في بريطانيا، يؤكد الملك من خلالها سعيه لخدمة كل الأديان في مجتمع متعدد الأعراق والألوان والديانات. بعد أداء قسم التتويج، يقوم رئيس أساقفة كانتربري بمسح يدي الملك وصدره ورأسه وصبّ الزيت في الملعقة من أمبولة. الأمبولة تحفة نادرة يعود تاريخها إلى عام 1661، وهي عبارة عن قارورة نسر ذهبي تحتوي على زيت مقدس. الملعقة هي أيضا تحفة تاريخية نفيسة يُرجح أن تكون قد صُنعت لهنري الثاني أو ريتشارد الأول.

تحفة فنية تاريخية نادرة

تبلغ مراسيم التتويج هذه ذروتها عندما يحمل رئيس أساقفة كانتربري التاج الملكي ويضعه على رأس تشارلز الثالث مجسّدا رسميا انتقال العرش إلى الملك الجديد. التاج الذي يرتديه تشارلز الثالث يسمى «تاج القديس إدوارد» ويبلغ من العمر 361 عامًا، ويُعدّ اليوم تحفة تاريخية نادرة، بل يُعدّ أعظم وأشهر تاج مرصع بالجواهر في العالم. وتم صنع هذا التاج في الأصل لتتويج تشارلز الثاني في عام 1661. يزن التاج 2.23 كغ، وهو مصنوع من الذهب الخالص، ويبلغ طوله 12 بوصة ومحيطه 26 بوصة. تاج القديس إدوارد مزين بـ 444 حجر كريم وشبه كريم. بعد وفاة الملكة إليزابيث الثانية، حُفظ التاج في برج لندن، ليُنقل منه لاحقا لتعديله ليلائم قياس رأس الملك تشارلز الثالث – وهو أكبر من رأس الملكة الراحلة. صُنع تاج القديس إدوارد لتتويج تشارلز الثاني ليعوض تاج القرون الوسطى الذي صهره البرلمانيون في عام 1649، بعد انتصارهم على الملكيين وإعدام الملك تشارلز.

أمبولة التتويج

قصة تاج القديس إدوارد

يعود أصل التاج الذي يرثه الملك تشارلز الثالث من والدته إلى القديس إدوارد المُعتَرِف الذي حكم إنكلترا من 1042 إلى 1066 وكان آخر ملوكها الأنكلوساكسونيين. وتاج القديس إدوارد ليس بأي حال من الأحوال نسخة طبق الأصل لتاج القرون الوسطى، لكنه شبيه به إلى حد كبير. فكلاهما مرصّع بأربعة صلبان باتيه، وأربع أزهار زنبق، وقوسين. ويحتوي التاج على إطار ذهبي مصمت مرصع بالياقوت، والجمشت، والياقوت الأزرق، والعقيق، والتوباز (أو ما يُعرف أيضا باسم الياقوت الأصفر) والتورمالين.
وجرت العادة على استخدام تاج القديس إدوارد عند تتويج ملوك إنكلترا كافة، بدءًا من إدوارد الأول عام 1274 حتى تتويج تشارلز الأول في مطلع عام 1626.
في عام 1649، في أعقاب الحرب الأهلية الإنكليزية (1642-1651) التي دارت بين الملكيين والبرلمانيين (الفرسان) بعدما اختلفوا في طريقة حكم إنكلترا واسكتلندا وإيرلندا، فاز البرلمانيون بقيادة الجنرال أوليفر كرومويل. فقاموا بإعدام الملك تشارلز بتهمة الخيانة وأقاموا نظاما جمهوريا دام عقدا من الزمن. لم يكتف الجنرال أوليفر كرومويل الذي كان يمقت الملكيين بقتل الملك تشارلز، إذ أنه أيضا أمر بتشويه تاج القديس إدوارد الذي كان ينظر إليه على أنه رمز للملكيين ونظام حكمهم. وهكذا أزيلت الجواهر من التاج وعرضت للبيع، وصُهر إطار التاج الذهبي.
بعد وفاة كرومويل واستعادة تشارلز الثاني العرش، تمّ ترميم التاج بصناعة جواهر جديدة اعتمادا على السجلات القديمة للجواهر المفقودة. تولى مهمة الترميم هذه صائغ ملكي يُدعى السير روبرت فاينر بتكلفة باهظة (12184 جنيهًا إسترلينيًا) – وهو مبلغ خيالي يكفي لبناء وتجهيز ثلاث سفن حربية!

تتويج متعدد الأجناس والثقافات

تجري احتفالات تتويج الملك تشارلز الثالث اليوم بحضور أعداد غفيرة من الضيوف المحليين والأجانب فضلا عن الجماهير. فقد عجّلت المملكة المتحدة منذ البداية بتوجيه دعوات إلى أفراد عائلات مالكة ورؤساء دول وقادة سياسيين وكبار الشخصيات في عالمنا لحضور الحدث. وهكذا يتوقع حضور حوالي 2000 ضيف. وتشمل القائمة 850 من أولئك الذين تم تكريمهم لأعمالهم الخيرية. من الذين أكدوا قبول الدعوة من أفراد العائلات المالكة الأجنبية نذكر الأمير ألبرت والأميرة شارلين من موناكو، وولي العهد أكيشينو والأميرة كيكو من جانب اليابان، والملك كارل السادس عشر غوستاف وولية العهد الأميرة فيكتوريا من السويد، والملك فيليب والملكة ليتيزيا من إسبانيا، والملك عبد الله الثاني والملكة رانيا ممثلين للمملكة الأردنية الهاشمية. ويحضر الحفل رؤساء دول أجنبية من كل بقاع العالم على منوال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيز. نسجل أيضا حضور كل من أورسولا فون دير لاين، رئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي، وشارل ميشيل، رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، وروبرتا ميتسولا، رئيسة البرلمان الأوروبي. وفي المقابل، نسجل غياب الرئيس الأمريكي جو بايدن حيث ستنوب عنه السيدة الأولى جيل بايدن. وقد أثار قرار بايدن غضب بعض السياسيين المحافظين في المملكة المتحدة وإن كان الغياب يُعلل أساسا بالتقاليد الأمريكية، إذ لم يسبق أن شارك أي رئيس أمريكي حفل التتويج من قبل. وبعد جدل وغموض بشأن دعوة ومشاركة الأمير هاري بعد نشر مذكراته المدوية بعنوان «سبير» في حق عائلته المالكة، تأكد مؤخرا حضور هاري وغياب ميغان دوقة ساسكس وطفليهما الأمير آرتشي والأميرة ليليبت.

تتويج إليزابيث يبقى الأعظم

مما لا شك فيه أنّ تتويج الملك تشارلز الثالث من أبرز الأحداث التي يشهدها عالمنا في هذا القرن. وبينما تتجه أنظار الجماهير في كل أقطار الدنيا إلى هذا الحدث، نرحل على أجنحة خيالنا إلى منتصف القرن الماضي لنشهد حدثا مماثلا تمثّل في تتويج والدته الملكة إليزابيث الثانية في يوم 2 يونيو/حزيران 1953 والتي شاءت الأقدار أن تكون أطول ملوك بريطانيا اعتلاء للعرش. الملفت للانتباه أنّ تتويج الملكة كان حدثا رائدا مميزا فريدا من نوعه من كل الجوانب، لا مثيل له في تاريخ المملكة المتحدة الطويل. فهو أول تتويج يتم بثّه على شاشات التلفزيون حيث شاهده نحو 27 مليون شخص في المملكة المتحدة وحدها، فضلا عن ملايين المشاهدين الآخرين في ربوع العالم.
ما يجعل تتويج الملكة إليزابيث الثانية خاصا أيضا حجم الاحتفالات، فبينما تمّ توجيه دعوات لنحو 2000 ضيف لحضور حفل تتويج تشارلز الثالث، حضر حفل تتويج الملكة إليزابيث الثانية 8251 ضيف – وهو ما يزيد عن أربعة أضعاف عدد ضيوف تشارلز. وفضلا عن ذلك، كان موكب الملكة إليزابيث الثانية الأطول. فبينما امتدت رحلة موكب إليزابيث الثانية من وستمنستر أبي إلى غاية قصر باكنغهام قاطعة مسافة خمسة أميال كاملة، لا يتعدّى موكب الملك تشارلز الثالث، الذي ينطلق على الساعة الثانية مساء، مسافة 1.3 ميلا ليصل في آخر المطاف إلى قصر باكنغهام حيث تجتمع العائلة المالكة على شرفة القصر.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية