ها هو موت «ألبرتو» يأتي في وقت هيجان أسئلة ما بعد الرواية أو اللارواية…
لا أدري إن كان ألبرتو المشاكس يجهل هذه اللعبة، وهو جريح في أقاليمه الساحرة في روما القديمة، يجتاح ظله الطرقات الفسيحة والضيقة، ناكرا قانون الجغرافيات، بما في ذلك واجهات الشوارع الأمامية.. تبكيه وتنعى رحيله الذي كان، تخاف روما على هويتها المخضرمة جنسيا.
ها هو مورافيا يعيد صوغ ميثاق موت ناجم عن عذابات الدوح النازل في أعماق البحار .مرات عديدة ينتظر «ألبرتو» سيدة روما، التي أثقلت بصره بأقراطها اللامعة؛ المدلاة من تخوم الرأس.. سمى هذا الناموس السري برسيس روما اللعين. أجبرت كبرياءه وكبرياء السيدة – معا – على نقل الأبصار في اتجاه أفق مشتلي.. أورجواني المنظر، خادع القامة .اندلعت في هذا المشتل نبتات الدمشقيات وشجيرات الدفلى المتوسطية، ونرجسات صفراء، تميل إلى البياض الشفيف .
هذه الأشياء تكلم «ألبرتو» في غفوته كما في صحوه، تعمر أزمنة متفرقة، عاكسة الهلوسات والأحداث المسائية التي ترافقها كؤوس الخمرة الخاثرة … تفاعل يفسر التواطؤ السري بين جواهر الأشياء وأعراضها.
ليالي روما
ليالي روما باذخة حد الموت.. في استعاراتها المبنية على عنصر الدهشة وتجريد الجسد من أثوابه وعاداته.. من ثقب النظر المسبول، من بشاعة الموت يأتي البياض المفترس.. يأتي ليترجم عبر لغات شخصيات مورافيا الضالة، ويمنحها سؤلها في نسيج رائعته «امرأة من روما».. يحضر «سونزونيو» الفحل وعيناه طافحتان بالرغبة، ليكون بذلك الكائن الأوحد في مدن الليل الدفينة .نعم، كان «سونزونيو» وراء تلك الشهقة التي صدرت عن امرأة مومس، لكنها فاضلة وطهور تجعلك عاجزا عن إدانتها، على الرغم من القذارة والسقوط.
«سونزونيو» بسحنته القروية يلج مكان الشمس الخفي.. يلج ربوع الليل.. يضع حدا لأحلام سائق التاكسي وغيره من عاشقي الأمكنة المعلومة.. ضمن أشياء روما الحميمية دهاليزها المكببة.. تنبعث منها الرطوبة المخلوطة بروائح الشواء والأطعمة الأخرى.. المصابيح الخافتة أحاديث حقيقية في هذه الفضاءات… هي لوحدها تملأ المراكز والجنبات.. تنبش بنورها الأمس المحكي في دفاتر الأسفار ومتون المقدسات.. حفر على صغر حجمها ترقب الليل حين يشغلها النور.. يسكنها الأخضر منه..
الزوار منهمكون في إقامة العد العكسي لدى مغادرتهم لهذه الحميمية القاتلة.. تبدو النجوم، رغم بعدها، معلقة في مشهد جغرافي له تضاريسه الخاصة جدا.. تملك القدرة على التعبير من هناك… من سقوفها السادرة… تلك هي فصاحة روما في فضاء مورافيا الروائي، بعيدا عن هجمات جرثومة كورونا .