علينا القبول بالنتائج وعلى العسكر تحملها

حجم الخط
0

عزت القمحاوي كان علىي الانتهاء من هذا المقال قبل الانتهاء من أعمال الفرز لانتخابات الرئاسة المصرية، التي من المقرر أن تعلن بشكل نهائي الثلاثاء. وعلى أية حال فإن النتيجة ليست مهمة لأن التغيير لن يكون بنتيجة الصندوق الانتخابي؛ حيث يحتفظ العسكر بمفتاح التغيير. الشيء المؤكد الوحيد هو أن النتيجة ستحدد فقط موقع الرئيس القادم من الثورة المصرية القادمة. الإعادة مؤكدة، والملفت للنظر هو التشديد المتكرر على مدار ليلتي ونهار الفرز على ضرورة القبول بالنتائج؛ فماذا يعني أن تدعو شعبًا إلى القبول بما اختاره بإرادته؟!

هناك إذن، خوف من سرقة ما تمت قبل هذه الانتخابات، والسارقون يتوجسون من انكشافها، ولذلك يستبقون النتيجة بمحاولة الإيهام بأن العملية الديمقراطية تبدأ وتنتهي في لجنة الانتخابات.

هذا تضليل لن يكون مقبولاً، بالرغم من مسارعة السيدة كلينتون إلى تهنئة الشعب المصري بالانتخابات التي وصفتها بـ ‘التاريخية’. الديمقراطية أعمق وأكبر من مجرد توجه الناخب إلى لجنة الانتخاب واختيار مرشح ثم غمس يده في الحبر الفسفوري والعودة إلى بيته مهما تمت عمليات التصويت والفرز بنزاهة. كلينتون لا تعرف أو ربما تعرف التراث الهزلي لصفة تاريخية لدى الشعب المصري. كانت خطابات مبارك التافهة التي لا ينتظرها أحد توصف بالتاريخية، وكانت التعديلات الدستورية التي تمهد لتوريث ابنه تاريخية، وكانت انتخابات مجلس الشعب في أكتوبر 2010 الأكثر تزويرًا والأكثر تاريخية، وبعدها قامت الثورة.

وانتخابات الرئاسة الحالية تزيد في تاريخيتها عن انتخابات البرلمان بسبب عامين من لعب العسكر والحرامية بالثورة، وقد تعلم الثوار الكثير في هذين العامين بحيث ستكون الثورة القادمة أكثر ذكاء من ثورة 25 يناير. نتيجة هذه الانتخابات ليست مفاجئة، إلا على صعيد التفاصيل، كأن يكون ممثل النظام هو أحمد شفيق وليس عمرو موسى مثلاً، ومن الواضح أن هناك لعب متقن في الأيام السابقة للانتخابات استخدمت فيه الأموال لكي نفاجأ بتقدم المرشح المركول على هذا النحو! وهناك كذلك مفاجأة أن يكون ممثل الإسلام السياسي محمد مرسي وليس عبدالمنعم أبو الفتوح المختلف مع الجماعة من دون أن يسقط كامل نهجها أو كأن يتقدم حمدين صباحي بعكس التوقعات، وهذا بحد ذاته يعكس قوة تيار الثورة ويؤكد أن عودة البلاد إلى الوراء أصبحت في حكم المستحيل. تحدثت الأخبار من قبل عن اجتماعات سرية لشفيق مع نزلاء السجن ورموز الحزب الوطني واحتشدت وراءه الأموال، لكن العمل الكبير الممتد قام به العسكر الذين مهدوا لإجهاض الثورة من خلال صندوق الانتخابات. اليمين الأمريكي اخترع ‘هندسة الموافقة’ في العالم الأول لإقامة ديمقراطية مفرغة وصلت طريقها المسدود اليوم، حيث يختار الشعب بحرية ولكنه لن يختار إلا من تحدده له أجهزة الإعلام. وللعسكر المصريين ـ الذين لم يقتلوا الثوار بالكيفية القائمة في سورية ـ فضل اختراع هندسة الموافقة العالم ثالثية باللعب على مختلف المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية.

اقتصاديًا رفض العسكر إصلاح مرتبات الدولة، وهو إجراء لم يكن يحتاج إلى اعتمادات جديدة، بل إعادة توزيع تقاعسوا عنه محتفظين ببنية المرتبات وقد أسميتها في مقالاتي هنا خلال سنوات حكم مبارك ‘مرتبات التشكيل العصابي’ التي يصل فيها شاغل الدرجة الأولى إلى ألف ضعف شاغل الدرجة الدنيا في الوظيفة ذاتها. وبذلك ضمن العسكر استمرار رصيد النظام القديم كما هو، متمثلاً في أصحاب المصالح من كبار الموظفين ورجال الأعمال وكبار موظفيهم.

ولكي يضيفوا أنصارًا جددًا للنظام توقفوا عن ضخ الأموال في قطاعات المحليات؛ فتوقفت عمليات صيانة المنشآت والطرق بحيث تبدو البلاد الآن في حال رثة، مبان بدت عليها الشيخوخة وشوارع منهكة بالحفر والقاذورات، لكي يقتنع الناس بعيونهم وأنوفهم أن هذا هو نتاج الثورة!! التوقف عن أعمال الصيانة أدى إلى ما هو أهم من ذلك، وهو نشر البطالة في قطاع كبير من المقاولين الصغار وعمالهم، علمًا بأن الموارد السيادية لم تتناقص بالحد الذي يبرر هذا الإجراء التقشفي، لكن العقاب على الثورة كان يتطلب هذا الإهمال.

على الصعيد الأمني تقاعس العسكر عن إصلاح جهاز الشرطة، وتركوا الأمن مفلوتًا وتركوا لوسائل الإعلام مهمة تضخيم حوادث سرقة استهدفت نجوم المجتمع بالذات، لكي يضيفوا إلى رصيد الأتباع الاقتصاديين نسبة أخرى من المصريين تريد الأمن بأي ثمن. ومنذ البداية سارع العسكر بمنح أحزاب دينية تراخيص تأسيس وعقدوا معهم تلك الصداقة اللدود التي انطوت على تقارب وتباعد كلما جار أحدهما على الآخر في عملية اقتسام هذه اللقمة أو تلك.

وقد دعم الإسلاميون رؤية العسكر بتأخير الدستور وإعلان مباديء دستورية بدلاً من ذلك، ثم عادوا واعترضوا على المباديء الدستورية التي حشدوا الناس للموافقة عليها مرضاة لله، وفي انتخابات الرئاسة دعوا المصريين إلى اختيار الإخوان مرضاة لله!

لكن الفصائل التي أدمنت الخيارات الخطأ لا تنتبه إلى أن مرضاة الله التي يبتغونها لن تمر إلا عبر مرضاة العسكر الذين اشتركوا معهم في تأخير الدستور. وأي إجراء يحاول ممثل الإخوان في البرلمان أو في قصر الرئاسة سيظل محل طعن بسبب عدم دستورية هذه المؤسسات السابقة على التدستور!

وإذا كانت الانتخابات قد جرت بالتجاوزات المعتادة في أية انتخابات، وخصوصًا تجاوزات العطايا المادية من الإخوان، فكانت النتيجة مقبولة شكلاً باطلة موضوعًا. وهكذا أصبح على الشعب أن يقبل النتائج، وعلى العسكر أن يتحملوا هذه النتائج.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية